عَرَجٌ فِي النَّصّ البوليسيّ

عَرَجٌ فِي النَّصّ البوليسيّ

منتظر السوادي
تَسردُ رِوَايَةُ "المتهمة البريئة" لِــ أَجاثا كريستي حكَايةَ امرأةٍ عجوز ثريّةٍ، تدنو من الموتِ بعد أَن أَصابها فالج، تُعنى بِهَا ابنتها غير الشرعيّة- وَالبنتُ لَا تعرف بِأَنَّ العجوز أُمّها حَتَّى نهاية حياتهما- وَممرضتانِ، تموتُ العجوز فجأةً من دونَ أَن تترك وصية، وبعد أَيَّامٍ قليلةٍ تموتُ مُتسممة ابنتها الوارث الوحيد، هَذِهِ خلاصة الحكاية التي تقوم عليها الفكرة البوليسيَّة فِي محاولة اكتشاف القاتل،

 وتبرأة المتهمة، إِذْ تدورُ الرِّوَايَة البوليسيّةُ حولَ جريمة ما قَدْ ارتكبتْ، ويغيب المرتكب لَهَا فِي احتماليّةٍ متداخلة مع الشّخوص الأُخرى، حَتَّى تُكشف هوية المجرم فِي نهاية الرِّوَايَة. لَا يتحدثُ هَذَا المقالُ عن النَّصّ وتفاصيله الدقيقة، وَلَا عن بنائه الفَنِّيّ، وَإِنَّمَا يطرح بعض النقاط والتأملات حوله، هَذِهِ النقاط تبدو مَآخذَ -جعلتْهُ يمشي عَلَى قدمٍ واحدة- لم تُوفق الكاتبةُ فِيهَا، أَو الرِّوَايَة البوليسيّة عامّة، وَرُبَّمَا لدى قارئٍ آخر ليست كذلك، أَو يراها من ضرورة الجنسِ البُوليسيّ، وَعَلَيه، إِنَّ مَا يسردُه المقال وجهة نظر.

1
العنوان: أَصبحت الكتابة التنظيريّة عن العنوان، أَو عن فنّ العنونة قضيةً لَا ضَرورَة لها تقريبًا، فَقَدْ كُتِب عنها كثيرٌ من الكتب والمقالاتِ، إِذْ هو العلامة السيميائية الدالة عَلَى محتوى النَّصّ، فهو اختصارٌ واختزالٌ له، ولكن لَيسَ بالشكل المغني عن قراءة النَّصّ، إِذْ لَا يُغنى شيءٌ عن قراءتِهِ. نحن أَمام رواية بوليسيّة هدفها كشف الجريمة وبيان الاتهام مع انفجارٍ مُثيرٍ من التَّشويقِ، وَرُبَّمَا يكونُ التشويقُ العنصر الأهمّ، والغاية الأسمى فِي هَذَا النوعِ من الأَدب، مِمَّا أَعطاهُ الصّفة الشعبيّة قراءة وانتشارًا وَإِبداعًا، إِذْ يرى ميشال بوتور: أنّ الرِّوَايَة البوليسيّة تُنسب إِلى الآداب الشعبيّة/ ينظر: بحوث فِي الرِّوَايَة الجديدة:85. عِنْدَمَا يصرّح العنوان بِأَنَّ المتهمة "بريئةٌ"، نلاحظ غيابًا لأُفق توقع القارئ، إِذْ يعلم مسبقًا أَنّ "اليانور كارليسل" بريئة من تهمة القتل لِــ" ماري جيرارد" الموجهة ضدها فِي قفصِ المحكمةِ، ومن ثَمَّ لو كانَ العنوان شيئًا آخر لَأَعطى النَّصّ اتساعًا وزيادة فِي المسافة الجَمَالِيَّة، وَخيبة ًأَكبر فِي التوقع؛ لِأَنَّ القارئَ عِنْدَئِذٍ لَا يستثني أَحدًا من التهمة، إِذْ تتساوى جميعُ الشَّخْصِيَّات فِي ذلك.
يحقّ لنا القول إِنَّ العنوان "المتهمة البريئة" غير موفق، من جانب إِبعاده أَكثر الشَّخْصِيَّات احتمالًا وتوقعًا لارتكاب الجريمة، ولو أَن العقوبة نزلتْ بِـ"كارليسل"، تجعل القارئ فِي وهمٍ كبيرٍ؛ لِأَنَّه عَلِمَ من العنوانِ براءتها، وحين يتمّ تبرأتها يُصاب بخيبة كبيرة، إِذْ اكتشف ذلك بعد عقوبتها، لو فُعِل هَذَا لَأَعطى العنونة رونقًا وصدمة جَمَالِيَّة. وَرُبَّمَا جاء عَلَى عجلٍ دون تأنٍ، وَقَدْ يكونُ وُضعَ قبل كتابة النَّصّ وَإِبداعه، وبعدئِذٍ ارتكزت الكتابة عَلَيه، أَي أَنَّ فكرةَ الرِّوَايَة انطلقتْ منه "المتهمة البريئة".
يبدو أَنّ الكاتبةَ أَرادت أَن تترك عَلَى صفحات الرِّوَايَة قدرتها الكبيرة فِي كشف المجرم وَحيله الخدّاعة؛ إِذْ إنّ شَخْصيَّة المحقق "بوارو" « ذكية لَهَا بعد نظر، ودقّة خارقة فِي تمييز الجزئيات الصغيرة فِي القضية » عبدالقادر شرشار: الرِّوَايَة البوليسية: 91؛ لِهَذَا جعلت النسبة ضئيلة جدّا فِي كون المتهمة بريئةً من خلال معطياتِ الأَحداثِ، لتظهر مهارة المحقق، ومعه متعة القرّاء فِي تدقيقه فِي صغائر المعطيات الماديّة، ومن ثَمَّ فَيُصابُ القارئُ فِي دهشةٍ حينَ يُكتشفُ المجرمُ الحقيقيّ، وَيبقَى فِي شوقٍ وَتوقٍ حَتَّى يُكشفُ اللثامُ عنه.

2
المقدمة: تضمنت الرِّوَايَة مقدمة، هَذِهِ المقدمة استباقًا، لَمَا سيجري، أَو بصورة أُخرى هي نقطة الانطلاق الرَّئيسة فِي العمل البوليسيّ، إِذْ تبدأُ الرِّوَايَة فِي التهمة، وَمن المحكمة بالتحديد قبل وقوع الجريمة فِي الخطابِ الحكَائيّ، وفيها نتعرف عَلَى القتيلة وَعَلَى المتهمة، كُلّ هَذَا جاءَ فِي "المقدمة"، وبعد ذلك بدأت الرِّوَايَة فِي سرد الأَحداث. وبعد ذلك تسترجع الكاتبة الأَحداث والوقائع، التي هي المُعطياتُ التي تستندُ إِلَيهَا الحجج فِي المحكمةِ، حَتَّى نصل لحادثة الموت لِــلعمة " لورا ويلمان"، والقتل لــ"ماري جيرارد".
حينَ نصل إِلى جريمتي القتل، يتحوّل مجرى السرد والخيال إِلى استجواباتٍ وَمزيدٍ من اللقاءاتِ فِي اكتشاف القاتل للفتاة، والدافع من وراء ذلك، وَيُترك أَمر العمة، عَلَى الأَقل من ذهن القارئ، إِذْ لم يُعطَ موتُهَا قدرًا كَافيًا من الاهتمام، فِي حين لو رُفعت المقدمة، أَو تمّ تأخيرها أَو تفتيتها بعد وقوع الأَحداثِ - عَلَى أَقلّ تقدير، لَأَعطى النَّصَّ قيمة كبيرة من الناحية الفَنِّيّة حيث سيكون كَسرًا لأُفق التوقع مع اتساع المسافة الجَمَالِيَّة، فَلَا نعرف من سَتُقتل؟ وَمن المتهمة؟ زدْ عَلَى ذلك غياب أَيَّة معلوماتٍ أَوليّة بأنّ النَّصّ ينضوي تحت الرِّوَايَة البوليسيّة، فَضلاً عن ذلكَ لَا تُوجدُ ضرورَةٌ مُلحة عَلَى حضورِ هَذِهِ المُقدمة، إِذْ لَمْ تُضفْ إِلى الرِّوَايَةِ قيمةً عَلَى أَغلبِ الظَّنِّ، مع إِخفاقِهَا فِي جعل البداية أَكثر تشويقًا.
نتساءل لماذا يبدأ العمل البُوليسيّ من الجريمة ثُمّ يسترجع الأَحداث؟ أَكلُّ هَذَا من أجل التشويق وجذب القارئ إِلى عالم الجريمة؟ يجيبُ المحقق "هولمز" فِي أَعمال آرثر كونان دويل: «قَدْ باشرنا العمل فِي هَذِهِ القضية بعقل خالٍ تمامًا كما أتذكر، وَهَذَا مَا يكون ميزة، فنحنُ لم نُكوّن أي نظرية مُسبقة»47-لغز الطرد البريدي، فحَتَّى يدخل القارئ عالم الجريمة وَلَا يعرف أَية معلومة عن الماضي، ويحاول جاهدًا كشف المجرم من المعطيات اللاحقة.

3
إِحادِيّة الدلالة: أَو المُباشرة، من العيوب التي تؤخذ عَلَى كثيرٍ من النُّصُوصِ أَنَّها لَا تحتمل قراءاتٍ أُخرى، من هُنَا نرى ثَمَّةَ إِخفاقًا للكاتبةِ حين جعلتْ نَصّها رواية بوليسيَّة لَا غير، مع إِمكانيَّة جعلها تحتملُ أَكثر من رؤيةٍ، عبر إجراء تعديلاتِ طفيفةٍ جدًّا، فَلمْ تترك معطيات النَّصَّ الباب مُشرعة أمام قراءات مُتنوعة، بعبارة أُخرى لَا يمكن أَن نجد فِي الخطاب سوى جريمة، ودقّة فِي نشر خيوط الاتهام، وأَماكن فارغة، وأَسباب مُتنوعة يمكن أن تشغل القارئ وتُسقطه فِي دوامة الاشتباه؛ لِأَنَّ جميع المتهمين يمتلكون الحجج نفسها، ودوافع فعل الجريمة ذاتها، وَهُنَا روعة السرد البوليسيّ وجماليّته، فِي ارباكِ القارئِ وحيرته وَفشله فِي توقعِ هوية المجرم.
وَعَلَيه الرِّوَايَة لَا تدور إِلا فِي فلك واحد- المدار البوليسيّ، ولو قامت الكاتبة ببعض الإضافات وبعض التعديلات، لجاءت أَكثر إِمتاعًا عَلَى جميع المستويات. إِذْ يشعر القارئ مع ذوبانه فِي سرد الأحداث أَنّ الكاتبة تسعى لحياكة الجريمة بِدقّة متناهية، وترفع كُلّ المشاهد التي لَا تؤدي خدمة للغرض البوليسيّ، إِذْ لم يكن فِي مُخيلتها الكتابيَّة سوى الجريمة، وَبيانِ خيوطها والحكمة فِي فتح إنغلاقها، والأمر عينه فِي عالم "كونان" البوليسيّ، إِذْ عِنْدَ التمعن فِي قصصه تتأكد حقيقة واحدة هي الرغبة العارمة لإبهار القُرّاء فِي مقدار الفطنة ودقّة الملاحظة لدى المُحقق "هولمز"، ومن ثَمَّ يخسر هَذَا النَّصّ بعض القراء الذين لَا يحبذون أُحادية الهدف والمنتهى؛ من هُنَا أَصبحت النُّصُوص البوليسيّة مادة استهلاكيّةً تُقرَأُ مرّة واحدة بِلَا توقف وبلا تأمل، وَلَا يرجع القارئ إِليها ثانية إِلا حين يشعر بعطش الاستهلاك لَا القراءة الفَنِّيّة الانتاجيّة؛ لِذا فالقارئُ لِهَذَا الجنس من الأدب بحسب رأي فان دين «لَا يبحث عن الكنايات والاستعارات، كما أنّه لَا يبحث عن التحليلات المعمقة، ولكنّه يبحث فقط عن اكتشافات البراعة فِي التخطيط ويجد فِي البحث عن كُلّ مَا يُنمي فِيه متعة التسليّة» عبدالقادر شرشار:13..
تبقى هَذَا الملاحظات لَهَا حججها وقناعتها، وَلَا تقلل من شأن "أجاثا" وَلَا من النُّصُوص البوليسيّة عامّة.