الذين يحبون الشوك

الذين يحبون الشوك

بغداد/ أوراق
التحولات اللامرئية في حركة الشارع الياباني، ونسيج العلاقات الاجتماعية، وما يجري بين الأزواج على وجه الخصوص. تفاصيل نتابعها في رواية (الذين يحبون الشوك) للكاتب الياباني غونشيرو تانيزاكي والصادرة عن دار (المدى) للثقافة والنشر بترجمة الدكتور عابد اسماعيل.. يستند الكاتب الى مثل ياباني يقول: "إن الديدان تختار ما تحب،

 وبعضها يفضل أكل الشوك". فيحاول أن يسحب هذا المعنى علـى اليابانيين المندفعين نحو قشور الحضارة الغربية، لقاء تخليهم عن تقاليد أصيلة تعطيهم خصوصية وأصالة بين الشعوب، لذا فهو يصفهم بالضحالة والسطحية.. يرصد تانيزاكي حركة الزوجين كانيم وميساكو ببراعة ودقة ويسجل حواراتهما المختلفة مع الآخرين وحواراتهما القليلة المكثفة التي تفرضها حالة التعايـش البارد بينهما فلا يستطيع أحدهما إمتاع الآخر. ويشير الكاتب الى ان سبب ذلك يكمن في المتغيرات الوافدة من وراء البحار، والتي تركت تأثيرات خطيرة على الحياة الفردية في السلوك اليومي والنزعات الشخصية والعلاقات العاطفية وسرير الزوجية، وتأثيرات عامة على نمط العمارة والثقافة الشعبية والفنـون، وكان تانيزاكي مشغـولاً دائماً بالمقارنة بين الشخصيات والمدن المأخوذة ببريق الحضارة المستعارة أو الحضارة اليابانية بتقاليدها العريقة، ولم يكتف بالروايات والقصص في رصد التحولات المرتبكة، فوجه هجاء صارخاً إلى المزاوجة القسرية في الحياة اليابانية في كتابه مديح الظلال، ونشر عام 1928 أبرز رواياته التي تناولت هذا الموضوع، وقبل عامين من نشر هذه الرواية، طلق تانيزاكي زوجته، بعد أن اقترح على الشاعر والروائي ساتوهارو أن يتزوجها، وتمت العملية بسهولة، ولكن تانيزاكي، الذي لبس قناع كانيم، في هذه الرواية ترك الخيط الحريري الرفيع يهتز بهدوء بين كانيم وزوجته، فكان الطلاق مؤجلاً، فهو كعادته في كل رواياته يترك ثغرات مفتوحة على الاحتمالات التي تناسب ذائقة القارئ وتعطيه فسحة من التأمل.. كان تانيزاكي يختار نماذج حية من الشخصيات التي يرسمها فـي رواياته، ومن تلك الشخصيات زوجته وأخواتها الثلاث، كما استعمل شخصيته هـو كنموذج في هذه الرواية التي أراد أن يوثـق فيها التقاليد الثقافية اليومية لمدينة أوساكا، من خلال عائلة من الطبقة الوسطى، بينما كانت زوجته الثالثة انموذجاً مختلفاً. وفي كل رواياته التي تعكس الصراع المعلن أو الخفي بين التقاليد المحلية والتقاليد المستوردة كان تانيزاكي يعطي مزيداً من الرصد للتحولات العاطفية والجنسية التي تدخل في نسيج هذا الصراع، وربما كان هو نفسه يشكل انموذجاً لطرفي هذا الصراع في الفترة التي بدأ يتحول فيها من مولع بنمط الحياة الغربية إلى مدافع عنيد عن نمط الحياة اليابانية الأصيلة. لذلك نجده يصور لنا عبر احداث روايته بروداً يخيم على حياة زوجين تعيسين لا يمتعان بعضهما جنسياً ويشعران بحيرة مضنية فلكل منهما نزعته الخاصة في ظل ظروف صناعية تطحن عظام الفرد بالركض المتواصل بحثاً عن الوئام الذي لم يتحقق بينهما، وكان التعايش يشكل نوعاً من الوهم بالأمان بين المفارقات الصارخة في نمط الحياة اليابانية المنفتحة على الحضارة الغربية في مواجهة حادة، لكنها صامتة بين زوجين من طوكيو، كانيم الرجل المضطرب عاطفياً وجنسياً، وهو منجذب إلى مدينة أوساكا والماضي الياباني، وميساكو زوجته الشابة الأنيقة اللاهثة وراء كل ما هو أجنبي وجديد، وهو ما يراه تانيزاكي سبباً للتعاسة، فالياباني لا يجد السلام والطمأنينة إلا إذا ظل يابانياً حتى العظم.. ونجد طوكيو هي مدينة الأزياء المستوردة والصحافة والإعلان والأضواء الملونة، غير أن ضحالتها كما يراها تانيزاكي تترك تأثيراً سيئاً على الفنون العريقة، ويرى في أوساكا مدينة للتجارة والدمى التي تعيد الكهول والشيوخ إلى طفولتهم، وتتحول فيها النساء حيـن يكبرن إلى دمـى متحركة.



غونشيرو تانيزاكي في سطور

ولد في بلدة قريبة من خليج طوكيو، عاش طفولة سعيدة فقد كان يزور مع والديه أهم العروض المسرحية ومنها عروض مسرح الدمى، ما ترك في نفسه ولعاً خاصاً بالدراما وتقاليد الحياة اليابانية، التي تبدو واضحة في نسيج رواياته، أو في جزء من هذه الروايات، كما في رواية "الذين يحبون الشوك" . ومع ذلك فإن تأثره بأعمال ادغار آلن بو والرمزيين الفرنسيين وأوسكار وايلد كان واضحاً في أعماله الأدبية الأولى، وأخذ هذا التأثر شكل طفرة عابرة، انتهت بانعطاف معاكس حاد، فبعد عشر سنوات من صعود اسمه في الأوساط الثقافية والأدبية، وبعد الزلزال الكبير الذي ضرب طوكيو عام 1923، كتب يقول: الآن سوف يجعلون من طوكيو مدينة محترمة" . وانتقل إلى مدينة أوكاموتو، وكتب رواية "حب الأحمق" التي تمثل محاولــة لفهــم ما يحــدث للذين يقـــطعون صلتهم بالماضي، حيث يلتقي شاب بفتاة تعمل في أحد البارات، وهي تحمل ملامح النجمة الأميركية ماري بيكفورد، ويحاول الشاب ترويضها لتبدو كامرأة أجنبية شقراء، وتجيد الفتاة هذه اللعبة، التي تقودها إلى معاشرة العشاق الغرباء، ويصاب الشاب بخيبة أمل، ويعيش حياة خاوية من الأحلام بالسعادة. وبين الأعوام 43 ـ 48 كتب تانيزاكي رواية "أخوات ماكيوكا" تتحدث عن حياة عائلة في مرحلــة الثلاثينات من القرن العشرين، ونشر الفصول الأولى من هذه الرواية أثناء الحرب العالمية الثانية، لكن الرقابة العسكرية صــادرت الطبعة التالية لهذه الفصول، فاستمر تانيزاكي في الكتابة ونشر تلك الفصول على نفقته الخاصة، ووزعها باليد على أصدقائه، ونشر الجزء الثاني في عام 1947، بينما نشر الجـزء الثالـث كمسلسـل في مجلة، وحينما اكتملت هذه الرواية حصلت على أهم جائزة أدبية في اليابان، هـي الجائزة الإمبراطورية، وظل تانيزاكي مشغولاً بموضوعه الأثير حتى وفاته عام 1965.