عبد الرحمن خضر هل حاول تقليد محمد القبانجي

عبد الرحمن خضر هل حاول تقليد محمد القبانجي

حسين اسماعيل الاعظمي
ولد المطرب المقامي عبد الرحمن خضر في محلة الفضل من بغداد عام 1925 وتوفي فيها عام 1984 – درس في مقتبل عمره بالكتاتيب (1*) ثم دخل المدرسة، لكنه لم يحصل على شهادة دراسية أكثر من الابتدائية وربما لم يتعداها وهو الأَرجح..! وفي بداية شبابه أخذ يتردَّد للاستماع الى المناقب النبوية الشريفة والأَذكار والتهاليل،

وفي هذه الفترة من حياته بدأ يخطو أُولى خطواته في سلسلة تعلمه أُصول غناء المقام العراقي، وتأثرَ شديدَ التَّأثر بأُستاذ الاجيال محمد القبانجي بصورة تكاد أَن تكون مهيمنة تماماً على شخصيته وخصوصيته الادائية.. وفي عام 1948 دخل الاذاعة العراقية لأول مرَّة، وسجل أول مقام له في الاذاعة وكان مقام الاورفة مع اغنية (ربيتك إزغيرون حسن)..
 
أُغنية ربيتك إزغيرون
 ومن هذه البداية بدأت مسيرة عبد الرحمن خضر الفنية بوصوله الى مايكرفون الاذاعة، ومنها إستمر في تسجيل مقامات كثيرة جاءت تباعاً سواء في الاذاعة أو في التلفزيون بعدئذ..

 تحوّلات في غناء المقامات
هناك أشياء كثيرة في شأن أداء المقام العراقي لا توجد على الاقل من حيث خصائصها البيئية المحلية فيما يمثل تراث الغناء والموسيقى للشعوب بصورة عامة.. حقاً لقد إتجه المقام في العراق الى الوجهتين الاجتماعية، أي التعبير عن خصوصية المجتمع البغدادي، والفنية التي بدأ تطورها يزداد بعد إنشاء المعاهد والمدارس الاكاديمية للموسيقى منذ العقد الرابع من القرن العشرين.. غير أن إعتبارات أُخرى ايضاً أثَّرت في التصوير الدقيق لهذه التعابير البيئية المحلية في الغناء والموسيقى المتصلة بالحياة الاجتماعية الى حد يزداد إضطراداً.. ومن تلك الاعتبارات تطور وسائل الاتصال بين الشعوب الذي أخذ في الإتساع والتنوع بحيث تحدى وقهر الانغلاق البيئي، فتداخلت الخصوصيات مع بعضها حسب ظروف المجتمعات الثقافية والاقتصادية.. الأمر الذي جعل محاولات الإحاطة بها أو الوصول الى دقتِها أمراً يعود الى مدى الاتصال والاحتكاك بالآخرين وسهولة سماع غنائهم وموسيقاهم والعكس صحيح..! حتى أصبحت الحالة عمومية وأمراً واقعاً ومسلماً به.. وعليه نرى أن سلطة المحلية والبيئة في الاداء المقامي العراقي قد تزعزعت منذ ظهور المغني الكبير محمد القبانجي الذي يعتبر رائد الابداعات الحديثة في غناء المقام العراقي ومثيرها الاول..! ثم بدأنا نرى النزوعات الابداعية لدى الآخرين من المؤدين المعاصرين ومن اتباع الطريقة القبانجية تظهر وتؤثر على نقاء التعبير الخصوصي لأداء المقام العراقي، فلو إستمعنا الى مقام الرست لمحمد القبانجي بهذه القصيدة ومطلعها..
 بوصال إِليك هل من وصول --- لك اشكو ما شفني من نحول
 
سنلاحظ أُسلوب الليالي العربي وقد تأثر به القبانجي وأدخله في هذا المقام الكلاسيكي..! ولو إستمعنا اليه مرَّة اخرى في مقام الاورفة (سلَّمه بيات حسيني) فسنجد نفس المنحى في التأثر موجوداً في هذا المقام ايضاً خاصة في بيْتي القصيدة الثالث والرابع..
 
 كف الملام فما يفيد ملامي
 الداء دائي والسقام سقامي
 جسد تعوده الضنى وحشاشة
 ملئت بلاعج صبوة وغرام ِ
 حتى اذا حار الطبيب بعلتي
 وقف القياس بها على الايهام
 ما يدري ما مرض الفؤاد وما
 الذي اخفيته عنه من الالام
 فاذا اخذت الكاس قلت لصاحبي
 العيش في دنياك كأس مدام
 
صورة مطرب المقام العراقي عبد الرحمن خضر
 
محاولات اولى لمنحى القبانجي
مقامات اخرى إستخدم فيها القبانجي هذا الاسلوب من التأثيرات الادائية العربية.. حتى نحى منحاه بعض المؤدين اللاحقين، ولكن الملاحظة الجديرة بالاهتمام في هذا الموضوع.. هي أن هذه المسارات اللحنية العربية التي أدخلها القبانجي في أدائه للمقام العراقي، كان قد أدّاها بروح عراقية مقامية، أي أنه أخذها مجرَّدة من تعبيرها، أو في الحقيقة هو الذي جرَّدها من تعبيراتها الأصلية فقام بتعريقها .. وهكذا نجد أن مقام الرست ايضاً المُؤدّى بصوت حسن خيوكة الذي تصرَّف في بيت القصيدة الاول ولكن بروح تعبيرية عراقية مقامية ايضاً ..
 
نشرتُ في موكب العشاق أعلامي
 وكان قبلي بلي في الحب أعلامي
وسرتُ فيه ولم أبرح بدولته
 حتى وجدتُ ملوك العِشقِ خدّامي
ولم أزل، منذُ أخذِ العهد في قدَمي
 لكعبة الحسن، تجريدي وإحرامي
وقد رماني هواكم في الغرام الى
 مقام حب شريف شامخ سام
جهلتُ أهليَ فيه، أهلَ نِسبتهِ
 وهمْ أعزّ أخِلاّئي وألزامي
قضيتُ فيه الى حين إنقضا أجلي
 شهري ودهري وساعاتي وأعوامي
ظنَّ العذولُ بأنَّ العذلَ يوقفني
 نامَ العذولُ، وشوقي زائدٌ نام
إن عامَ إنسانُ عيني في مدامِعه
 فقد أُمدّ بإحسانٍ وإنعام
يا سائقاً عيسَ أحبابي عسى مهلا
 وسرْ رويداً فقلبي بين أنعام
 سلكتُ كل مَقامٍ في محبتكم
 وما تركتُ مَقاماً قطُّ قدامي
وكنتُ أحسَبُ أني قد وصلتُ إلى
 أعلى، وأغلى مَقام، بين أقوامي
حتى بدا لي مَقامٌ لم يكن أرَبي
 ولم يمُرّ بأفكاري وأوهامي
إن كان منزلتي في الحبِّ عندكمُ
 ما قد رأيتُ فقد ضيَّعتُ أيامي
أُمنيةٌ ظَفِرتْ روحي بها زمناً
 واليوم أحسبها أظغاثَ أحلام
وإن يكن فرطُ وجدي في محبتكمْ
 إثماً فقد كثرتْ في الحب آثامي
ولو علمتُ بأن الحب آخره
 هذا الحِمامُ لما خالفتُ لوّامي
أودعتُ قلبي الى من ليس يحفظُهُ
 أبصرتُ خلفي وما طالعت قدّامي
لقد رماني بسهمٍ من لواحِظهِ
 أصمى فؤادي فوا شوقي الى الرّامي
آهاً على نظرةٍ منهُ أُسر بها
 فإن أقصى مرامي رؤيةُ الرّامي
إن أسعدَ اللهُ روحي في محبتِهِ
 وجِسمَها بين أرواح وأجسام
وشاهدتْ واجتَلَتْ وجهَ الحبيبِ فما
 أسنى وأسعدَ أرزاقي وأقسامي
ها قد أظلَّ زمانُ الوصلِ يا أمَلي
 فامنُنْ وثبتْ به قلبي وأقدامي
وقد قدِمتُ وما قدَّمتُ لي عملا
 إلا غرامي وأشواقي وإقدامي
دارُ السلامِ اليها قد وصلتُ إذن
 من سُبْلِ أبوابِ إبماني وإسلامي
يا رَبنّا أرني أنظرْ اليكَ بِها
 عندَ القدومِ وعامِلني بإكرام
 
وبهذه التطلعات فقد وجد الحافز الابداعي للتطلعات الجديدة للاجيال التي جاءت بعد القبانجي، وهكذا نرى المطرب عبد الرحمن خضر ايضاً ينحو هذا المنحى، ولكنه لا يجتهد فيه لأنه يقلد استاذه بصورة تكاد أن تكون متطابقة..!!
 
تسجيلات عبد الرحمن خضر
 لقد سجل عبد الرحمن خضر كثيراً من المقامات العراقية في الاذاعة والتلفزيون، التي كان فيها إتكاليا لم يجتهد في إنجاز أي إبداع شخصي جديد يسجل له فيها..! وبقي يرث ممتلكات أُستاذه القبانجي الابداعية دون أن يحاول عمل شيء جديد.! ورغم كل هذه الممتلكات الادائية الجاهزة، فقد كان كثيراً ما يؤدي المقامات وهي ناقصة من حيث شكلها المقامي (form) وهو أمر عجيب..!! ونستطيع أن ندرك ذلك عندما نستمع مثلاً الى مقام الحجاز ديوان في قصيدة عمر إبن الفارض
 أبرقٌ بدا من جانب الغور لامع
 أم إرتفعتْ عن وجه ليلى البراقع
 نعمْ أسفرتْ ليلاً، فصار بوجهِها
 نهاراً، به نورُ المحاسنِ ساطع
 ولما تجلتْ للقلوبِ، تزاحمتْ
 على حُسنِها، للعاشقينَ مطامع
 لِطلْعتِها تعنُو البدورُ ووجهُها
 لهُ تسجدُ الاقمارُ وهيَ طوالع
 تجمَّعَتِ الاهواءُ فيها وحُسنها
 بديعٌ لأنواعِ المحاسنِ جامع
 سَكِرتُ بخمر الحبِّ في حانِ حيِّها
 وفي خمرهِ، للعاشقينَ، منافع
 تواضعتُ ذُلاً وانخفاضا لعزِّها
 فشرَّفَ قدْري في هواها التواضع
 فإن صرتُ مخفوظَ الجنابِ فحبّها
 لقدْرِ مقامي في المحبة رافع
 وإن قسَمَتْ لي أن أعيش متيماً
 فشوقي لها بين المحبينَ شائع
 يقولُ نساءُ الحيّ أين ديارُهُ
 فقلتُ ديارُ العاشقينَ بلاقع
 فإن لم يكنْ لي في حِماهنَّ موضعٌ
 فلي في حِمى ليلى بليلى مواضع
 هوى أُم عمرٍ وجدَّدَ العُمرَ في الهوى
 فها أنا فيه بعد أن شبتُ يافع
 ولما تراضَعنا بمهدِ ولائها
 سقتنا حُميّا الحبّ فيه مواضع
 وألقى علينا القربُ منها محبةً
 فهل أنت يا عصرَ التراضُعِ راجع
 وما زِلتُ مذ نيطتْ عليَّ تمائمي
 أُبايعُ سلطانَ الهوى وأُتابع
 لقد عرَفتني بالوَلا وعرفتُها
 ولي ولها في النشأتين مطالع
 وإنيَ مذْ شاهدتُ فيَّ جَمالَها
 بلوعةِ أشواقِ المحبةِ والع
 وفي حضرةِ المحبوبِ سرِّي وسرّها
 معاً ومعانيها علينا لوامع
 وكلُّ مَقامٍ في هواها سلَكْتهُ
 وما قَطَعتني فيه عنها القواطع
بوادي بَوادي الحبّ أرعى جمالَها
 ألا في سبيلِ الحبّ ما أنا صانع
صبرتُ على أهوالِهِ صبرَ شاكر ٍ
 وما أنا في شيئ سوى البُعدِ جازع
 خليليَّ، إني قد عصيتُ عواذلي
 مطيعٌ لأمرِ العامرية، سامع
 فقولا لها، إني مقيمٌ على الهوى
 وإني لسلطانِ المحبة، طائع
وقولا لها يا قرةَ العينِ هل الى
 لقاكِ سبيلٌ ليس فيه موانع؟
ولي عندَها ذنبٌ برؤيةِ غيرِها
 فهل لي الى ليلى المليحةِ شافع
سلا : هل سلا قلبي هواها وهل له
 سواها اذا إشتدّتْ عليه الوقائع
فيا آلَ ليلى ضيفُكمْ ونزيلكمْ
 بحيكُمُ يا أكرمَ العربِ ضارع
قراهُ جَمالٌ لا جمالٌ وإنهُ
 برؤية ليلى منية القلب قانع
اذا ما بدتْ ليلى فكليَ أعينٌ
 وإن هي ناجتني فكلي مسامع
ومِسكُ حديثي في هواها لأهلهِ
 يصوغُ وفي سمعِ الخليينَ ضائع
تجافتْ جنوبي في الهوى عن مضاجعي
 ألا أنْ جفتني في هواها المضاجع
وسِرتُ بركبِ الحسنِ بين مخامِلٍ
 وهودَجُ ليلى نورُها منه ساطع
وناديتُ لمَّا أن تبدَّى جمالها
 لعمرُكَ يا جمَّالُ قلبيَ قاطع
فسيروا على سيري فإني ضعيفكُمْ
 وراحلتي بين الرَّواحل ضالع
وملْ بي إليها يا دليلُ فإنني
 ذليلٌ لها في تيهِ عِشقيَ واقع
لعلي من ليلى افوز بنظرة
 لها في فؤاد المستهام مواقع
وألتذُ فيها بالحديث ويشتفي
 غليلُ عليلٍ في هواها ينازع
فيا أيها النفسُ التي قد تحجبتْ
 بذاتي وفيها بدرُها لي طالع
لئنْ كنتِ ليلى إن قلبيَ عامرٌ
 بحبكِ مجنونٌ بوصلكِ طامع
رأى نُسخةَ الحسنِ البديعِ بذاتهِ
 تلوحُ فلا شيئٌ سواها يطالع
فيا قلبُ شاهدْ حسنها وجمالها
 ففيها لأسرارِ الجمالِ ودائع
 تنقلْ الى حقِّ اليقينِ تنزُّهاً
 عن النقلِ والعقلِ الذي هو قاطع
فإحياءُ أهلِ الحب موت نفوسِهمْ
 وقوتُ قلوبِ العاشقينَ مصارع
وكم بين حذ َّاقِ الجدالِ تنازُعٌ
 وما بين عشاقِ الجمال تنازُع
وصاحبْ بموسى العزمِ خِضرَ ولائها
 ففيه الى ماء الحياة منافع
فأنت بها قبل الفراق منبئٌ
 بتأويلِ علْمٍ فيك منه بدائع
لقد بسَطتْ في بحرِ جسمكَ بسطةً
 أشارتْ إليها بالوفاءِ أصابع
فيا مُشتهاها أنت مقياسُ قدْسِها
 وأنت بها في روضة الحسن يانع
فقرِّي به يا نفسُ عيناً فإنه
 يحدِّثني والمؤنسون هواجع
فما أنتِ نفسٌ بالعُلا مطمئنةٌ
 وسرُّك في أهل الشهادة ذائع
لقد قلتَ في مبدا ألستُ بربكمْ
 بلا قد شهدنا والوَلا مُتتابع
فيا حبذا تلك الشهادةُ إنها
 تجادلُ عنِّي سائلي وتدافع
وأنجو بها يومَ الورودِ فإنها
 لقائلِها حِرْزٌ من النار مانع
هي العروةُ الوثقى بها فتمسَّكي
 وحسبي بها أني الى الله راجع
فيا ربُّ بالخلِّ الحبيبِ نبينا
 رسولكَ وهو السيد المتواضع
أنِلنا مع الاحبابِ رؤيتكَ التي
 إليها قلُوبُ الاولياءِ تسارع
فبابُكَ مقصودٌ وفضلك زائدٌ
 وجودُكَ موجودٌ وعفوُكَ واسع
 
اخفاقاته في التسجيلات
في هذا المقام الرئيسي، نرى أن عبد الرحمن خضر يخفق في أدائه للجلسة التي تأتي قبل الميانة الاولى المسماة ب (الآجغ) حيث يؤديها ناقصة الشكل.! إضافة الى أن قطعة الحسيني التي سبقت الجلسة لم يوفق فيها كل التوفيق عند عودته الى الحجاز، إذ كان الرجوع مرتبك العلاقة، وعندما نستمر حتى نهاية المقام نستمع الى التسليم ناقصاً هو الآخر..!!! وهكذا شأن عبد الرحمن خضر في معظم مقاماته المسجلة بصوته، وهكذا ايضاً ندرك، أن عبد الرحمن خضر لا يهتم بدقة أداء الشكل المقامي، فلم يكن مطرباً تقنياً..! ولكنه من ناحية أُخرى، يمتلك خامة صوتية غاية في الروعة والجودة من فصيلة (التنور) ولكن هذه الخامة الجيدة لم تستغل كما يُفْترض..!!
 
تجاهُلُه للنَّقد
 في عموم هذه الحالة من عدم الاهتمام الدقيق، يبدو أن عبد الرحمن خضر لم يكن يتبين ما يريد على وجه التحديد..! فهو من ناحية يغني مقامات عديدة، صغيرة كانت أم كبيرة، يؤكد فيها طموحاته في أنه يستطيع تأدية عدة مقامات، بل وأصعبها من حيث المساحة الصوتية التي يمتلكها، إنه جريء حقاً..!، ولكنه من الناحية الأُخرى، لا يعبه بالشكل ولا يعير له إهتماماً ملحوظاً.. ولم يلتفت ايضاً الى النقاد الموسقيين المقاميين، ولم يصغ لهم..! وظل يؤدي المقامات على هواه وكما عرفها.. لقد أراد عبد الرحمن خضر أن يصل الى شيء في أدائه يقرِّره هو.!؟ ويأمل ايضاً أن لا ينقده النقاد المتخصصون، لفائدته أو غير ذلك، لقد غنى مقامات كثيرة وخدم التراث المقامي بما إستطاع، ولكن لم يكن بالامكان تحاشي اللاّمبالاة للنقد..!!
 
تقليدية عبد الرحمن خضر
إن الامتلاك الاصيل المحرك للتعابير البغدادية في غناء المقام العراقي، كان وثيق الصلة بدوافع وطموحات كل مؤدّي المقام العراقي التقليديين، فمن المسلّم به أن تعميمات كهذه أمر طبيعي، ولما كان من الضروري للأداء المقامي أن يعبِّر عن خصوصيته إنطلاقا من كونه موروثاً حضارياً يعبر عن هوية العراقيين، فلا ضير من إضافة مسارات لحنية أو إبداعات جديدة أُخرى، على أن ينطلق من أصالة الأداء المقامي وأن يعبرَ عن هذه المسارات اللحنية بأُسلوب وروح عراقية، وهذا ليس إلا وجهاً واحداً من أوجه وأساليب الابداع الادائي للمقامات العراقية، فالابداعات لها أَوجه عديدة متنوعة، فيجب على الفنان ان ينتزع من هذه الحياة ويستوحي منها الخيال من خلال أَحداثها وتجاربها، فعالم الفن هو عالم الابداعات الكبيرة، أما التقليدية الخالية من كل إبداع أو أي إضافة، فلا مكان لها في حياتنا المعاصرة..!

 إن عبد الرحمن خضر لم يكتف أن يكون تقليدياً كشأن التقليديين الذين يقلدون الطرق القديمة أو الطرق السائدة، بل انه قلد فناناً فرداً ومشخصاً هو محمد القبانجي..! والاكثر من ذلك لم يغرف من طريقته ولم يتعمق فيها ولم يستق ِمن إشعاعاتها، وربما لم يفهمها ولم يفهم جمالياتها وذلك أرجح الظن، تلك الطريقة التي إستفاد منها أكثرُ التقليديين، وهذا الحال يشابه أو يتناظر في زاوية ما مع حال المطرب حمزة السَّعداوي الذي كان مقلداً ببَّغاوياً هو الآخر للمطرب يوسف عمر..
 
مقاماته
في مقام المدمي (سلَّمه حجاز) يبدو عبد الرحمن خضر بصورة جيدة نسبياً، حيث يغنيه بهذا الزهيري..
يا نجمة الصبح ما بين النجم ليله
ما مر جفوني الكرى وامساهرة ليله
ناديت ليله وجاوبني الصدى ليله
 
    سهم التجافي ابدليلي وبضلوعي سمر
    طعنات قلبي ما بين بيض وسمر
    يا قمر لتغيب يحلالي معاك السمر
 
انت وحبيبي وانا، نسهر سوة ليله
 
ويؤكد لنا عبد الرحمن خضر اللامبالاة في ادائه العادي جداً، وهو يغني مقام الحليلاوي (سلَّمه يستقر على الرست وتشترك فيه اجناس الحجاز والسيكاه) بهذا الزهيري..
    يازين الاوصاف يا من بالوجن شاملة
    ذول العواذل غفوا وبشملنا شاملة
    قصدك تودي الحبيب اليلهوني شاملة
 
من يوم فركاك ابدا ما بطل وني
حتى لبحمان اطربن من نغمتي وني
يا حادي العيس يا غادي الجدم وني
 
 بلجي الينوح يسمع شملنا وشاملة
 
 ومن الغريب ان نستمع الى مقام الجحاز كاركرد  الذي يبدو فيه عبد الرحمن خضر لا يدرك معنىً للشكل المقامي، ولا وجود لأي نظام في توزيع المواد الاولية المكونة لشكل هذا المقام، وبدون أي محاولة للتخلُّص من التقليد المُشوَّه لأُستاذه محمد القبانجي، لكنه لم يوفق حتى في هذا التقليد وهو يكشف لنا من جديد عن فكر غنائي موسيقي بائس..
 
مكتوب عن صحتك يا هاجري وَدِّ لي
اعرف بقلبك بعد شوق وبعد وِدِّ لي
بعيوني طول العمر دارين الك ودِّ لي
 
    لكن اشبيدي انا وانت ابعدت عني
    لا تسل قلبك عتب لاحن الك عني
    لو عزف ناي الهوى دمعي يصب عني
 
حتى السعى ابفركتك لحظة وصل ودِّ لي
 
 ثم نلاحظ تحسن اداء عبد الرحمن خضر في غنائه لمقام المثنوي (سلَّمه حجاز) حيث يؤديه بهذه الابيات الشعرية..
 يا ديارَ الشوقِ باللهِ اجيبي
 اين غاب اليومَ عن عيني حبيبي
 اين راحت ضَحِكاتٌ حلوةٌ
 قد غمرناها بعطرٍ وطيب
 وزرعناها هُياماً وهوىً
 وسقيناها متدن القطرِ الرطيب
 هو آمالي واحلامُ الصِبا
 وهو دائي وهو يا صاح طبيبي
 كيف ارضى ان اقاسي هجرَهُ
 ويكونَ الوجدُ في الدنيا نصيبي
 بلغيه انتِ يا ريحَ الصَبا
 شوقَ قلبي يتلظى باللهيب
 واساليه الوصلَ وقولي له
 اين ميعادُكَ يا اغلى حبيب
 
 ويستمرعبد الرحمن خضر البياتي في تحسن ادائه في مقام الحديدي (سلَّمه صبا) الذي يغني فيه هذا الزهيري..
 يلي بخصال الوفى وبمحاسنك يمنة
 قربك رياض الهنا خف الجدم امنة
 بحبك وحكي ِالعذل لا تعتقد همنة
 
 مخلص لعهد الهوى لا تفتكر ناسله
 يامن بمي الورد تاج الشعر ناسله
 مفقود
 
 كل ضحكة منه بسنة تجرب لها منة

وفي مقام البهيرزاوي (سلَّمه بيات) نرى أن عبد الرحمن خضر في أحسن حالاته وهو يغني هذا الزهيري..
إصروح الوفا يا حلو قلبي الك شادهة
تمنع وصالك وانا احبال الوصل شادهة
يلي بجفاك الفكر صبح ومسى شادهة
 
    متكلي ياهو الذي بيني وبينك حال
    روحي بغيابك صفت يا حليو بس لاحال
    قلبي الكرهته يون سويلة صورة حال
 
ذبلت ارياض الصبا وعكبك سكت شادهة
 
 وفي مقام المخالف يتردى غنائه لهذا المقام حيث يغنيه بهذا الزهيري..
يا ولفي شبه الغصن قلبي الوفي ما سله
وجدمي لغيرك أبد يا منيتي ما سله
يصبح بوجهك جنت يا سلوتي ما سله
 
    ليش اهجرتني وقلبك للعواذل هوه
    والجسم مني نحل اوتداعى وهوه
    ألهج بذكرك أنا كلما ينسم هوه
تنسى ودادي عجب ليش لسة القلب ما سله


عن كتاب
( الطريقة القبانجية ـ محاور في المقام العراقي )