الأخطل الصغير يشك في أَمرِ الرصافي !!

الأخطل الصغير يشك في أَمرِ الرصافي !!

رفعة عبد الرزاق محمد
لا ادري هل جُمعت الذكريات التي كتبها الشاعر الكبيربشارة الخوري المشهور بالاخطل الصغير ، ونشرها في المجلات العربية في الثلاثينيات ؟. ولو قيض لهذه المذكرات الاحياء في كتاب مستقل ، لأصبحت تحفة ادبية رائعة تضاف الى روائع كاتبها ، وأضمامة تاريخية نفيسة عن الادب العربي الحديث في اوائل القرن العشرين .

 فهي تضم معلومات طريفة على جانب كبير من الاهمية ، وتكشف اسراراً خطيرة من حياة الادباء العرب ، وتعاونهم الوثيق في سبيل حياة ادبية بعيدة عن القهر الفكري والسلطوي .
    وعلى نهجنا في جمع شوارد تاريخنا القريب ، والتنويه بما هو جدير بالذكر ، ويعد اضافة جديدة لمن يعنيه الامر ، فقد علمنا ان بشارة الخوري قد كتب ذكرياته عن مجموعة من ادباء العراق الكبار امثال الرصافي والزهاوي والكاظمي . ودفعنا فضولنا في ملاحقة الشوارد المنسية الى الاطلاع على بعض من فصول مذكرات الاخطل الصغير التي سماها ( من بقايا الذاكرة ) ، فوجدناها تتضمن معلومات مثيرة عن حياة ادبائنا في العقد الاول من القرن العشرين ، وصلة كاتب المذكرات بتلك الاحداث .
    يذكر الخوري انه كان يشك في ان يكون الرصافي اسما لرجل من لحم ودم يستهدف لنقمة السلطان ولمن في بغداد من الرجعيين اعداء الاصلاح . غير ان معروف الرصافي  لم يلبث ان قدم بيروت في اوائل شباط 1909 ، فتم الاجتماع به في (قهوة البحر ) ، وقد ذهب اليها الخوري مع الشاعر اسعد رستم ، فاذا هو يحيط به الشيخ رشيد رضا والشيخ محيي الدين الخياط والشيخ مصطفى الغلاييني ومحمد افندي الباقر ،وكان الرصافي مجببا معمما ،ولم يطل الصافي مقامه في بيروت لانه كان في طريقه الى الاستانة وقد دعي اليها ليتولى انشاء جريدة ( اقدام ) . وما ذكره الخوري كان مشابها لما ذكره نعوم لبكي في مقال له في جريدته (المناظر) التي اصدرها في امريكا واعتقد فيها ان الرصافي توقيع مستعار لشاعر عربي كبير يخشى اظهار اسمه الحقيقي لخشيته من السلطات العثمانية . فانبرى للرد على لبكي المرحوم محمد كرد علي في مقالات له على صفحات جريدة (المؤيد) القاهرية . وكثر الاخذ و الرد بينهما ، واستطاع كرد علي ان يثبت ان الرصافي لقب لشاعر بغدادي لامع يدعى معروف الرصافي . وقد قرأت في مقال كتبه الاب لويس شيخو اليسوعي بعنوان ( الحماسة الدستورية ) في مجلته ( المشرق ) لعام 1909 ما يفيد  ان الرصافي الشاعر الوحيد الذي طالب بخلع السلطان عبد الحميد ، بل دعا الى اسقاط الملكية واقامة الجمهورية في قصيدة ( رقية الصريع ) .
ولم تلق المهمة التي قصدها الرصافي في الاستانة التوفيق ، فقرر العودة الى وطنه ، فمر ثانية ببيروت ، يقول الاخطل الصغير :عاد الرصافي في اواخر عام 1909 فاقبل توا على ادارة جريدة ( البرق ) - كان الاخطل يصدرها - ، وكنا ساعتئذ نهم بنزهة في الجبل ، فلم يتردد الرصافي في قبول دعوتنا لاسيما وقد كان الريحاني في ( الفريكة) ، فاطبقنا به واحتللنا صيوانه وقد كان يصحبنا الاديب الفكه المرحوم الياس خليل يمتعنا بنكاته حينا وبصوته حينا . في الحق انها متعة الانفس ومشتهاها ، الؤرصافي والريحاني يلتقيان لاول مرة تحت وابل من الاحاديث العلمية والاراء في الالوهية وتاثير القمر في الجاذبية ومكانة المراة الشرقية من الرجل .
وزار الرصافي في زيارته الثاني الاخطل الصغير ، الذي هيأ له مجلسا جمع فيه الرصافي مع الشيخ عبد الله البستاني ، يصفها الاخطل بقوله : هي ليلة التقى فيها الرصافي بالبستاني .. وكان يوحشنا فيها شيخنا العازر لولا الذي انشده داود مجاعص واميل خوري من شعره ووقف له الرصافي اعجابا . وشرب البستاني نخب زميله فقال :
  اني لاشربها على ذكر امرىء
                              هو بالبلاغة والنهى معروف
 ان كنت تنكره فليس بضائر
                              ابدا عليه فانه ( معروف )

  فردّ عليه الرصافي بقوله :
   اني لاشربها على شرف الذي
                                 الفضل فيه ليس بالمتناهي
  ان الفصاحة والبلاغة والنهى
                                 والفضل اجمع عند (عبد الله)