نشأة الطباعة وبدايات حركة النشر في العراق في العهد العثماني

نشأة الطباعة وبدايات حركة النشر في العراق في العهد العثماني

د. شلال عبد عناد الدليمي
 تعد الطباعة بمثابة الاساس لنشأة المطبوعات، وذلك للعلاقة التي تحكم كلاً منها وتأثير   كل منهما في الآخر، وإذا تتبعنا حركة الطباعة في العراق نجد ان بداياتها تعود الى النصف الاول من القرن التاسع عشر متأخرة مدة طويلة من الزمن عن بداياتها في اوربا والبلدان الاخرى، وإذا علمنا ان اول مطبعة تأسست في روما سنة 1514.


ادركنا كم من الوقت احتاجت الطباعة لكي تصل الى العراق. وقد تباينت اراء الباحثين في تحديد تاريخ نشوء اول مطبعة في العراق، فمنهم من يشير " انه قد دخلت العراق في منتصف القرن التاسع عشر مطبعة استقدمت من ايران واسست في مدينة كربلاء عام 1856 وتعتبر اول مطبعة عرفها العراق " في حين يذكر المؤرخ سليم طه التكريتي ان اول مطبعة انشأت في العراق كانت في سنة 1830. ويذكر انه " تأكد من هذه الحقيقة من قبل السيد موسى كاظم نورس عندما اقدم في اوائل الستينيات على ترجمة كتاب، دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد، الذي وضعه باللغة التركية الشيخ رسول الكركوكلي، فقد كتب المترجم في مقدمة الترجمة قوله : وعلى هذه المخطوطة توجد نسخة مطبوعة في دار السلام ببغداد سنة 1830 باشراف محمد التفليسي، وهي النسخة الوحيدة الباقية المطبوعة لهذا الكتاب .
ويتوافق هذا مع رأي مؤرخ الطباعة في العراق، شهاب احمد الحميد، حيث يقول ان " محمد باقر التفليسي، الرجل التركي المتجنس بالايرانية، انشأ أول مطبعة في بغداد سنة 1830 هي، مطبعة دار السلام، التي اقترن تأسيسها بأثرها الوحيد كتاب، دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد ")". ويضيف كاتب آخر مؤكداً هذا الرأي ان " مطبعة محمد باقر التقليسي التي اسسها في بغداد سنة 1830 وهو عام الطاعون المعروف، وذلك أبان حكم الوالي التركي داود باشا ، تعد اول مطبعة تدخل  .
الا ان الحدث الاهم ضمن سياق هذه الحركة، والذي سجل صفحة جديدة في تاريخ العراق، وكانت له نتائجه في تاريخ الطباعة العراقية هو قيام الوالي العثماني مدحت باشا بانشاء مطبعة جديدة في بغداد سنة 1869 سماها ( مطبعة الولاية ) والتي اصدر من خلالها اول جريدة عراقية سميت ( الزوراء ).
وتعد مطبعة الولاية هذه من المطابع الآلية الحديثة التي عرفها العراق آنذاك حيث تم جلبها من فرنسا وقام بالاشراف عليها ملاك متخصص بينهم مدير مطبعة ومهندس لصيانة الآلات جلبهم معه مدحت باشا عند تعيينه واليا على بغداد.
اما في مدينة الموصل، ثاني كبرى مدن العراق، فقد كان هناك نشاط متميز في هذا المجال، ففي عام 1858 اسس الأباء الدومنيكان مطبعتهم في الموصل وكانت مطبعة بدائية حجرية في اول الأمر، الا انهم عملوا على توسيعها بشراء معدات طباعية كاملة، وكان ذلك في عام 1863، وتم في هذه المطبعة طبع العديد من الكتب وبمختلف اللغات.
وفي مدينة البصرة، ثالث كبرى مدن العراق، قامت السلطة العثمانية في سنة 1889 بتأسيس اول مطبعة فيها واصدار اول جريدة في المدينة وبذلك اقترن انشاء المطبعة والجريدة بالعام المذكور  .
    يتبين من هذا العرض، ان نشؤ الطباعة وبدايتها في العراق كان في النصف الاول من  القرن التاسع عشر، وهذا يعني تأخر ظهور الفن المطبعي ليس في العراق وانما في البلاد العربية بصورة عامة، وذلك للعزلة التي فرضتها الدولة العثمانية على البلاد العربية في كل ما هو حديث،  خشية ان تهب الشعوب العربية الرازحة تحت سيطرتهم مطالبة بالحرية والحياة الكريمة، فتأخرت البلاد ثقافياً لمئات السنين وبقيت خالية من الطباعة مدة طويلة رغم انتشارها في وقت مبكر في معظم الاقطار الاجنبية، ومن خلال الاطلاع على اراء الباحثين والمؤرخين والمصادر التأريخية، فأن الباحث يؤيد الرأي القائل ان اول مطبعة شهدها    العراق تأسست في بغداد سنة 1830 وكانت تسمى مطبعة دار السلام وذلك للاسباب الآتية:
1. صدور اول كتاب سياسي تاريخي في العراق بعنوان، دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد، عن مطبعة دار السلام في عام 1830.
2. خلو المصادر التاريخية من الاشارة الى أي نشاط طباعي في العراق قبل التاريخ   المذكور، وانما أغلب المصادر تشير الى مابعد هذا التاريخ.
3. عدم وجود أي أثر لمطبوع صدر في العراق قبل التاريخ اعلاه سوى الكتاب المذكور الذي يعد اقدم كتاب حالياً.
4. تأخر ظهور الطباعة الى العام 1830 يعد امراً طبيعياً بسبب سياسة السلطة المحتلة وانغلاقها الفكري والحضاري.

المطبوعات العراقية خلال حقبة الحكم التركي:
    خضع العراق مدة طويلة للحكم التركي (1917-1535) ضمن مجموعة البلدان التي رزحت تحت الحكم العثماني مدة طويلة من الزمن، وكانت هذه البلدان (الولايات) تعاني حالة من الفوضى والانحطاط في شتى مجالات الحياة، وقد عانى العراق نتيجة ذلك الشيء الكثير حيث تدهورت اوضاعه العامة بسبب سياسة الكبت والاضطهاد التي مارستها السلطات العثمانية، والتي استهدفت فرض العزلة على العراق ومنعه من مسايرة ركب الحضارة الانسانية .
ولغرض الوقوف على ظروف نشأة المطبوعات العراقية وتطورها خلال هذا العهد، سنحاول تقسيم هذه الحقبة الى قسمين يكون تاريخ اعلان الدستور العثماني في عام 1908 حداً فاصلاً بينهما، وذلك لما شكله هذا الحدث من أثر كبير في الحياة العامة للعراق.

المطبوعات العراقية قبل اعلان الدستور العثماني :
    في محاولة لاصلاح ولاية بغداد المهملة قامت الحكومة العثمانية بتعيين (مدحت باشا ) واليا على بغداد وذلك في العام 1869 وقد قام هذا الحاكم باصلاحات مهمة بغية القضاء على عوامل التذمر والشكوى ، ومن اعماله الخالدة قيامه بعد تاسيس مطبعة الولاية باصدار جريدة في بغداد اسماها ( الزوراء ) نسبة الى احدى التسميات القديمة لمدينة بغداد. وقد صدر العدد الاول من الزوراء في يوم الثلاثاء 15 حزيران 1869 باربع صفحات صفحتان باللغة العربية وصفحتان باللغة التركية. واستمرت الجريدة بالصدور المنتظم مدة (49) عاماً حتى احتلال الجيش البريطاني مدينة بغداد في 11 آذار 1917 وبلغ مجموع اصداراتها (2606) اعداد  .
الجريدة الرسمية الثانية للحكومة العثمانية في العراق، صدر عددها الاول في 15 حزيران 1885 في مدينة الموصل باللغتين العربية والتركية، اما الجريدة الثالثة، فقد صدرت في البصرة سنة 1889 باللغتين العربية والتركية).
والصفة الرسمية التي ميزت الصحافة خلال هذه الحقبة، ان الحكم التركي انشأ المطبوعات وجعلها تنطق بأسمه وتعبر عن سياسته وتثني عليه وتخدم اغراضه، فكان هو المشرف على تحريرها وتمويلها وطبعها وتوزيعها، الامر الذي جعلها عاملاً دعائياً للحكومة العثمانية ومرفقاً سياسياً لنقل افكارها واوامرها وقراراتها للآخرين.
اما المجلات التي صدرت في هذه المدة، فكانت ثلاث مجلات دينية مسيحية هي ( اكليل الورود ) التي صدرت في الموصل عام 1902، و ( زهيرة بغداد ) و (الايمان والعمل ) اللتان صدرتا في بغداد عام 1905.
ونرى مما تقدم عدم ظهور مطبوعات وطنية معبرة عن مشاعر العراقيين واحاسيسهم، وذلك لان السلطات العثمانية قد احاطت حركة الانسان في سبيل المعرفة وحرية التعبير بقيود جعلته لا يتحرك الا في الاتجاه الذي تفرضه عليه والمتمثل بمطبوعاتها الرسمية.
كما لم يكن للمطبوعات أي تأثير على الرأي العام نتيجة لظروف التخلف التي سادت العراق انذاك، وانتشار الامية والجهل فيه، ويصف علي الوردي المجتمع العراقي خلال تلك المدة " كان يعيش في عزلة اجتماعية وكان الناس فيه الا القليل منهم، لا يعرفون      عن الحضارة الحديثة واحداث العالم الخارجي الا النزر اليسير "  .
اما المطبوعات الصحفية فقد كانت لا تمتلك مواصفات الشكل الفني وقواعد الاخراج الصحفي فضلاً عن ندرة الملاكات المتخصصة .
يتبين لنا من خلال العرض السابق، اعتماد المطبوعات على الصدور الاسبوعي وعدم ظهور مطبوعات يوميه طيلة هذه المدة، كما ظهر اهمال سلطات العهد العثماني للمطبوعات وعدم اهتمامها الجدي في تطويرها بغية مسايرة المستجدات في هذا الميدان، فبقيت المطبوعات بامكانياتها المتواضعة. فيما تركزت المواضيع المنشورة لهذه الحقبة حول الاخبار الرسمية والتوجيهات والقوانين والانظمة والبلاغات والاخبار المنقولة عن صحف العاصمة العثمانية المنسجمة مع سياسة الدولة ورغباتها.

المطبوعات العراقية بعد أعلان الدستور العثماني :
    ما ان حصل الانقلاب الدستوري العثماني (1908) حتى قام فريق من مفكري العراق باصدار العديد من المطبوعات على اختلاف اتجاهاتها، ولم تعد المطبوعات العراقية مقتصرة على نشر بيانات وبلاغات الحكومة فقط كما كانت في المرحلة السابقة، حيث اصبح بأمكانها ان تتبنى اراء الجمعيات والاحزاب السياسية، بل اصبح بالامكان ان تقوم الجمعيات السياسية نفسها باصدار صحف ومطبوعات ناطقة بلسانها).
وعلى الرغم من صدور العديد من المطبوعات في مختلف الموضوعات السياسية والاجتماعية، فأن اصدارها ظل مقتصراً على ولايات العراق الثلاث (بغداد، الموصل، البصرة ). وقد صدرت معظم الصحف والمجلات باللغتين العربية والتركية لان التركية كانت لغة الدولة الرسمية.
ولم يصدر أي مطبوع باللغة الكردية حتى عام 1913، حين اصدر جمال بابان في بغداد مجلة ( بانكي كورد – نداء الكرد )  .
وعلى الرغم من ظهور صحف كثيرة، الا انها لم تكن تصدر بانتظام وبأوقات معلومة بسبب قلة المطابع فلم يكن في العراق حتى الحرب العالمية الاولى سوى اربع مطابع عربية تطبع فيها الصحف والكتب والمجلات والنشرات  .
كما ان ضعف الامكانيات الماديه يمكن ان يكون سبباً، في عدم انتظام الصدور حيث ان اصحاب الصحف كانوا عاجزين عن دفع اجر كاتبين اثنين فنجد الواحد منهم يجمع في شخصة بين مالك الجريدة ورئيس التحرير والمخبر ومدير الادارة، وقد يكون الموزع ايضاً  .
وقد خضعت المطبوعات العراقية بعد الانقلاب الدستوري الى قانون المطبوعات العثماني الصادر في 16 تموز 1909، حيث اجرت عليه السلطات العثمانية عدة تعديلات ابتداء من عام 1912 حتى عام 1914.
وهدفت السلطات من هذه التعديلات تضيق الخناق على المطبوعات بشكل عام والصحف السياسية بشكل خاص، إذ نشأت في هذه المدة العديد من الاحزاب في مختلف ارجاء الدولة العثمانية وبدأت تطالب بالاستقلال للاوطان التي تنتسب اليها، واصدرت لذلك عدة صحف ومجلات ونشرات وكراسات كانت تدعو فيها الى الأنفصال، فرأى، الاتراك ان هناك خطراً يهددهم .
لذا جاءت هذه التعديلات لتكون رادعاً للمطبوعات السياسية ، وبما ان العراق يعد جزءاً من الدولة العثمانية انذاك، لذا فأن مطبوعاته قد خضعت لهذه التعديلات التي اجريت على القانون الاصلي. والتأليف على ندرته كان محفوفاً بالمخاطر. فكانت المؤلفات تعرض قبل طبعها على المجالس العليا وويل للمؤلف او الطابع ان تغير في الكتاب حرف او زيدت كلمة، وويل له إذا قلل من الدعاء للسلطان وهذا الامر لا ينطبق على الكتب فقط وانما يتعداه الى الصحف ايضاً. إذ كانت الصفحات الاولى من هذه الصحف تبدأ بالدعاء للسلطان، بعبارات طويلة منها  " اطال الله عمر مولانا امير المؤمنين، وخليفة رسول رب العالمين، خادم الحرمين الشريفين، وخاقان البرين والبحرين، السلطان بن السلطان، والخاقان بن الخاقان عبد الحميد خان ادام الله عزه واعز جنده واسعد عهده ونشر على بلاد الاعداء راية نصره… الخ ". ان تلك الاحوال السياسية التي مرت على العراق قد كبلت وطوقت التأليف والنشر ولعل ذلك يعود الى خشي الناس بطش الحكام والاعوان وقسوتهم فانصرف اكثر الناس الى كتب الدين، والفقه ، وكتب الاقدمين يتدارسونها ويلتمسون منها العبرة والذكرى، فأنكمش التأليف في المجال السياسي لأنه ربما يدخل المؤلف في مشاكل هو في غنى عنها. ولقد خشي الناس حتى من المؤلفات التي كانوا يحتفظون بها في بيوتهم خشية الوشاية، وكثيراً ما فتشت الدور لهذا الغرض، فكان اصحابها يلقون بها في النهر او النار للتخلص منها. وقد ضاعت اكثر الكتب الثمينة عن هذا الطريق، وإذا اراد احدهم ان يؤلف كتاباً وبعبارة ادق ان يجلب الشر على نفسه فعليه ان يعرض كتابه على لجان   تنظر في كل كلمة ومدلولها وقد يطول الانتظار شهوراً عديدة في منحه الاجازة قبل طبعة، ومن ينظر في تلك الكتب المؤلفة تجابهه في مقدمتها تلك الادعيه الطنانه للسلطان والتسبيح بحمده وعدله .
وانحسار التأليف في هذه المرحلة يعد امراً طبيعياً بسبب تفشي الامية بين اوساط المجتمع العراقي وقلة عدد المدارس إذ لم يفتح في العراق لغاية عام 1918  سوى عشرون مدرسة ابتدائية للذكور، في حين فتحت خمس مدارس للبنات عام 1920 . استناداً الى ما تقدم، يمكن القول، ان المطبوعات في العراق ومن خلال الظروف التي اتيحت لها قد سجلت تطوراً نسبياً عن الفترة السابقة قبل اعلان الدستور العثماني، وخاصة في مجال منح الامتياز وتعدد الاصدارات ، كما ان المضمون الفكري كان الاكثر وضوحاً من اساليب الشكل الفني سواء في الصحف او المجلات السياسية. وقد ظلت ازدواجية اللغة صفة لازمت معظم الصحف العراقية حتى العشرينيات من القرن الماضي بسبب ارتباط العراق كولاية بالدولة العثمانية. وإذا كان من شيء يسجل في هذه المرحلة هو ظهور الصحافة السياسية غير المرتبطة بالسلطة، ولكن ضعف الوسائل والامكانات الفنية والطباعية وقلة العاملين المؤهلين لانجاز تلك المهام، الامر الذي أثر على عملية الاصدارات الصحفية في تلك الحقبة وادى الى ان تكون مجموعة كبيرة منها تصدر اسبوعياً او شهرياً.

2-4-3  : المطبوعات العراقية خلال الاحتلال البريطاني :
    ان المطابع البريطانية في العراق تعود الى حقبة تاريخية متقدمة عندما كان العراق       تابعاً للدولة العثمانية ، وتنفيذاً لتحقيق تلك الاهداف شرعت بريطانيا بحملاتها العسكرية بهدف احتلال العراق مستغلة ظروف الحرب العالمية الاولى حيث استطاعت احتلال البصرة في 1914 ثم بغداد في 1917 والموصل في 1918 ،وبهذا تكون القوات البريطانية قد اتمت سيطرتها على العراق منهية حكم الاتراك وفارضة في الوقت نفسه، احتلالاً جديداً عليه وفي عام 1920 تقرر وضع العراق تحت الانتداب البريطاني بموجب مقررات مؤتمر سان ريمو. عند زوال الحكم العثماني عن العراق توارت عن الانظار المطبوعات السياسية التي كانت تصدر ابان الحكم المذكور كافة، وتوقفت حركة النشر وشلت المطابع وانعدم التأليف في البلد، ولأهمية المطبوعات الدورية ودورها المؤثر في الرأي العام شرعت السلطات البريطانية بأصدار مطبوعاتها بعد ان سيطرت على المطابع الموجودة واخضعتها لاشراف القيادة العسكرية لقوات الاحتلال البريطاني فأستخدمتها جميعاً في طبع نشراتها لاطلاع الناس وجنود الجيش البريطاني على سير المعارك ولتستعين بها على توطيد سياستها ولنشر شؤون الاحتلال الاخرى ومتطلباته.
وعلى الرغم من المآخذ على المطبوعات الصادرة في عهد الاحتلال البريطاني الا انها قد اضفت ميزة مهمة كان لها اثرها الايجابي على المطبوعات العراقية فيما بعد، إذ تم اصدار المطبوعات الملونه من صحف ومجلات ونشرات وبوسترات، فقد اصدرت السلطات البريطانية في البصرة بعد احتلالها مجلة اسبوعية مصورة باسم ( العراق في زمن الحرب ) حوت صوراً للوقائع الحربية في العراق مع صور الشخصيات العراقية لاسيما شيوخ العشائر ورسوماً ومناظر طبيعية.
كما تم اصدار مجلة اخرى مصورة حملت اسم ( مرآة العراق ) . وبعد صدور هاتين المجلتين، اصبح القارئ العراقي معتاداً على مشاهدة الصور في الصحف والمجلات والكتب.
وتمثلت ابرز سلبيات مطبوعات هذا العهد، شيوع بعض المصطلحات الانكليزية، لاسيما ان ادارة المطبوعات وتحريرها كانت تتم من قبل قوات الاحتلال مباشرة .استمرت قوات الاحتلال تتولى مهمة ادارة وتحرير المطبوعات بنفسها حتى عام 1918، سمحت بعدها لبعض الشخصيات العراقية الموالية لها بتأسيس صحف تظهر بمظهر الصحف الاهلية ولكنها في الحقيقة كانت تدار مباشرة وينفق عليها من قبل المحتلين انفسهم.
لقد شجع هذا الامر بالتالي عدد من المفكرين والكتاب العراقيين على اصدار الصحف والمطبوعات ، في مختلف انحاء العراق، مما ادى الى ظهور تيارين متصارعين، هما التيار الموالي للقوات المحتلة، والتيار الوطني.
فبعد زوال الدولة العثمانية، سيطر الانكليز على المطبوعات وشجعوا كتابها بالسير نحو اتجاه جديد والكتابات تنحو منحى آخر وتسلك تياراً مغايراً، ذلك هو التيار الموالي للاحتلال الانكليزي، إذ اغرت سلطة الاحتلال الكُتاب بالمال واجزلت لهم اجور الكتابة، كما القت قلوبهم وشجعتهم باساليبها المعروفة على انها تروم بث الفكرة العربية وخدمة اللغة العربية وتثقيف الشعب، وبدأت مطبوعات هذا التيار تكيل المدح والاطراء لقوات الاحتلال البريطاني. وفي هذا الصدد لابد ان نشير الى جزء ما كتبته جريدة العرب تحت مقال. الأرض تشقى وتسعد. جاء فيه ( ليس على الله بعزيز ان يطهر بفضل منه تعالى تلك البلاد بسيوفهم الماضية. الاحتلال البريطاني. من سيطرة قوم نسوا الله وتعدوا حدوده في الظلم على خلقه واهانوا العرب.. ويالها من سعادة ثلجت لها القلوب وحظيت بها بغداد بعد شقاء طويل الم بها من قبل الاتراك )). وجريدة الاوقات البصرية كتبت مقال تبين لنا كيف تتحسن امور العراق تحت ظل العلم البريطاني العادل، حيث تقول ( دخلت بريطانيا البصرة فأخذت من اول وهلة تباشر الاعمال فذللت كل الصعاب لتمهد السبيل للعمران والتجارة وهكذا تتحسن الامور، تحت ظل العلم البريطاني العادل). فيما كتبت مجلة دار السلام مقال بعنوان. ذكرى فتح بغداد من قبل الانكليز. وهي ترحب وتهلهل وتتمنى بقاء المحتلين الى الابد ، جاء فيه ( اهلاً بكم وسهلاً يا أيها البريطان فبمثلكم ليفتخر الانسان، إذ جبلتم على كل حسنة، وعلى كل مكرمة تشكر، فنحن لا ننساكم وان طال الامد ونحن نلهج بذكركم وان عشنا عمر لبد، بل الى الابد، فأهلاً بكم وسهلاً فلقد نزلتم على سعة وابقوا بجانبها الى ان تقوم الساعة ) .
من ذلك نستخلص ان المطبوعات الصادرة خلال فترة الاحتلال البريطاني جعلت من المحتلين. اساطين عدل ورواد حرية ورجال علم، ومن ناحية اخرى تلقي مسؤولية كل ما حدث في العراق من ظلم واضطهاد وجهل وفقر واضطراب سياسي وكبت للحريات على عاتق الدولة العثمانية.  اما التيار الوطني الذي يروم الخير لامته ولشعبه فقد عانى من تعسف واضطهاد السلطات المحتلة غير انه ناضل باصرار وعناد وكانت ثمرة صبره ايقاظ الشعور الوطني بثورة العشرين. ولم تشرع القوات المحتلة طيلة المدة الممتدة من عام (1921 – 1914 ) أي قانون للمطبوعات، حيث ظلت المطبوعات العراقية خاضعة لقانون المطبوعات العثماني  وتعديلاته. لان القوات البريطنية وجدت فيه خير وسيلة لفرض هيمنتها على اشكال المطبوعات .
من خلال دراستنا لهذه الحقبة نجد ان المطبوعات كانت وليدة جهود فردية، واستطاع البعض من الاشخاص ان يؤسس دور نشر خاصة، الا انها لم ترتق الى مستوى المؤسسات الانتاجية واسعة النطاق في مجال حركة الطبع والنشر، ومما يلفت النظر لهذه الفترة، هو قصر عمر العديد من الدوريات وذلك لاسباب سياسية، بشكل خاص حيث التعطيل والغاء الامتياز، ثم لعوامل مادية وفنية الامر الذي اثر على برامج وخطط تطوير واقع المطبوعات لاسيما في جوانبها الفنية. وفي السنوات الاخيرة من هذه الحقبة برز تطور ملحوظ في الشكل الفني، تجسد في ادخال الصور، كما اشر عدم وجود المؤسسات العلمية لتأهيل وتكوين الملاكات المتخصصة المعدة لمزاولة المهنة، فأغلب العاملين صقلت مواهبهم تجربة العمل.