من ذكريات خالص عزمي..لقائي الاول مع نجيب محفوظ

من ذكريات خالص عزمي..لقائي الاول مع نجيب محفوظ

خالص عزمي
في الاربعينيات وحتى بداية السبعينيات من القرن الماضي ؛ ترددت كثيرا على مصر المحروسة ؛اما بسبب زيارات خاصة ؛ او لحضور بعض المؤتمرات الصحفية والادبية ؛ وما الى ذلك من نشاطات ثقافية ؛ فقد كانت القاهرة وما زالت المركز الاساسي لعشاق المعرفة المتجددة في الشرق الاوسط . لقد جلت في جنانها المخضلة على نيلها الخالد ومعالمها الشهيرة؛ ومتاحفها ؛ ومعارضها ومسارحها ومقاهيها ؛ وبخاصة تلك المواقع التي رسمها كتاب مصر العظام قي اعمالهم الادبية ؛ا ومخرجو الافلام فيما ابدعوه من صور متحركة ناطقة بتاريخ آثارها وعمائرها ؛

 بل و اهم ازقتها وحواريها واحيائها الشعبية .وكم حمدت الاقدار التي اتاحت لي مشاهدة كل ذلك العالم الواسع من جماليات المكان ؛ والاهم التعرف على العديد من الشخصيات المثقفة التي عاشت بين ظهرانيها فاعطت وابدعت لا لمصر وحدها بل لكل الناطقين بالضاد.

وفي واحدة من تلك الرحلات الستينية حللت في فندق سميراميس القديم المطل على النيل الساحر ؛ وكان من عادتي النزول الى الصالة الكبرى حيث يعرض الفنانون التشكيليون بعضا من لوحاتهم واعمالهم النحتية والادباء بعضا من مؤلفاتهم الجديدة ؛ وفيما انا اجول في المعرض المقام صباح احد ايام الجمع ؛ لاحظت الاديب الكبير توفيق الحكيم وقد اتخذ ركنا قصيا جلس فيه وحيدا ...؛ وقد اتضح بعدئذ انه كان على موعد مع بعض زملاء الحرف وانه حضر متقدما بعض الوقت لزيارة المعرض الذي يشارك فيه احد اصدقائه ؛ تقدمت منه وعرفته بنفسي ؛ فرحب بي ؛ واستأذنته بالجلوس لحين قدوم ظيوفه ؛ فأبتسم عند ذاك وقال ( وهو كذلك ) ؛ ثم دار بيننا حديث عفوي ممتع ( سجلته بعدئذ في مقال من ضمن كتاب لي بعنوان نجوم في سماء مصر ) ؛... كان الحكيم ينظر بين الفينة والاخرى الى الساعة ؛ ثم فجأة قال ( الآن سيطل محفوظ) ؛ فعلمت عندها ان القادم هو( نجيب محفوظ) ....و ما هي الا ثوان حتى دخل الكاتب الكبير ؛ فعرفني الحكيم اليه بايجاز قائلا ( الاستاذ كاتب من العراق ) صافحت الاديبين الكبيرين واستأذنت بالانصراف ؛ وذهبت الى ركن آخر احتسي قهوتي ؛ وقد لاحظت من هناك بانهما لم يجلسا بل توجها نحو الباب الخلفية المؤدية الى فندق شبرد المطل على النيل ايضا و الذي لايفصله عن موقعنا سوى زقاق ضيق .
في مساء ذلك اليوم ؛ اتصل بي صديقي الشاعر عبد الوهاب البياتي الذي كان يقيم واسرته في القاهرة بشكل دائم ؛ واخبرني انه والشاعر المصري الكبير احمد عبد المعطي حجازي سيسهران في غرفتي ذات الشرفة الانيقة المطلة على النيل ؛ فسررت لهذا الاقتراح؛ وفي الساعة الثامنة مساءا حضرالشاعران في الموعد المحدد ثم حضر بعدهما الرسام المصري الكبير احمد مرسي ( الذي كان يدرس الادب الانكليزي لفترة طويلة في بغداد والذي ارتبطنا به بصداقة وطيدة ) ؛ فجلسنا نتجاذب أطراف الحديث على مائدة عامرة بما لذ وطاب ؛ وذكرت لهم شيئا عن جلسة الصباح ؛ وابديت أسفي على قصر مدتها بخاصة وان لقائي مع الاديب محفوظ لم يتجاوز اللحظات ؛ فأنبرى البياتي قائلا ؛ (ستكون لك في القريب العاجل جلسة أخرى تشفي الغليل ) . بحدود الساعة الواحدة صباحا استأذن البياتي ومرسي بالذهاب الى بيتيهما في الدقي حيث يسكنان ؛ في حين فضل الشاعر الكبير حجازي النوم على احد اسرة الغرفة الثانية حتى الصباح ؛ حيث استيقظ مبكرا ؛ وغادر مودعا على عجل دونما افطار .
حينما مررت على البياتي في شقته المتواضعة في حي الدقي كالمعتاد طلب مني ان اجلس قليلا لحين انتهائه من مقالة عنه بعنوان ( الذي يأتي ولا يأتي ) كان قد نشرها عبد المنعم الحفني في مجلة ( الكاتب العربي ) ؛ حيث لصقها في سجل خاص بالمقالات التي تنشر عنه ؛عندها أقترح علي الذهاب الى مقهاه المفضل ( لاباس ) ؛ فرحبت بالفكرة وما كدنا نسير قليلا حتى اشار البياتي الى عمارة على الشارع الرئيس قائلا ؛ هنا يعمل الاديب المعروف جمال الغيطاني ؛ من امامها اخذنا التاكسي الى وسط البلد( قرب مسرح حديقة الازبكية) و انطلقنا نجول بين المكتبات ثم بين الباعة الموزعة كتبهم على الارصفة او سياج الحديقة بعد ذلك سرنا قاطعين المسافة الى شارع طلعت حيث توقفنا عند ( كشك كتب مدبولي ) الذي كان لايبعد عن المقهى سوى بضعة امتار قليلة ؛ دخلنا (لاباس ) الواسعة الانيقة وجلسنا غير بعيدين عن الواجهة نحتسي القهوة المميزة ؛ في تلك الاثناء دخل الشاعر الفنان محمود حسن اسماعيل و توجه نحونا محييا وجالسا قرب البياتي حيث دار حديث ادبي خاص بينهما حول مشاكل الطبع والتوزيع ؛ بخاصة فيما يتعلق بالطبعة التالثة من ديوان ( اشعار في المنفى ) ؛ بعد فترة قصــــيرة غــــادرنا الشاعر اسماعيل ؛ فقام البياتي واتصل هاتفيا ؛ ثم كتب شيئا في دفتره ؛ وعاد ليقول لي دعنا نغادر المقهى الى مكان آخر ستكون فرحا به ؛ عبرنا الشارع وكنت اظن اول الامر اننا سنعرج على كشك مدبولي ثانية ؛ الا انه اخذني من يدي وصعدنا سلم عمارة ؛ حيث اتجهنا بعدها الى مكتب دخلناه فاذا نحن امام احد وجوه الثقافة المصرية البارزة لطفي الخولي؛ فداعبه البياتي قائلا ( لقد قلت لي بانك ستجلب بعض الاوراق فقط ؛ ولكننا سنحولها الى جلسة عمل ..!! ) فضحك الخوري وهو يقول ( لا احد يفلت منك ) ؛ لقد سررت حقا بذلك اللقاء الفريد الذي تكرر معه بعدئذ في مؤتمر الصحفيين العرب الذي انعقد في عام 1968 في مبنى الجامعة العربية ثم في بعض المؤتمرات اللاحقة . بعد جلسة حوارقصيرة ؛ دخل الكاتب التقدمي الكبير محمد عودة فزادت الجلسة بهاءا واشرقا وتنوعا في النقاش ؛ نظر البياتي الى ساعته ثم استأذن بالخروج فقد ازف موعده !!...خرجنا نحو ميدان طلعت حرب ( سليمان باشا سابقا ) ومنه دلفنا الى مقهى ( ريش) ؛ كانت المقهى في ابهى صور المقاهي الاوربية اناقة وهدوء ا وعراقة ؛ تزين جدرانها صور لعظماء الادب والفن والسياسة والصحافة في مصروغيرها ؛ اتجه البياتي مباشرة نحو ركن خاص ... فاذا بي المح من بعيد اديبنا الكبير نجيب محفوظ وقد التف حوله عدد من الشخصيات ؛ سألت البياتي هامسا قبل ان نتقدم خطوة اخرى ؛ هل هم ( الحرافيش ) رد عليّ قائلا ( كلا بالطبع .. انهم ادباء وشعراء وصحفيون ؛ اما عند المساء فانه يلتقي بحرافيشه ) ؛ قام الاديب الكبير ومعه ظيوفه مرحبين ؛ عرفني البياتي الى الحضور ؛ جلست في ذلك الركن الادبي وانا اتملى سيد الجلسة ؛ وجدته عامر البنية ؛ اسمر السحنة ؛ بسيط المظهر ؛ طلق المحيا ؛ شديد التواضع الى حد لايوصف ؛ وفتوته الواضحة تجعله يبدو في الاربعينات من عمره لا على مشارف الستينات كما كانت الصحافة تشير الى ذلك .
بدأ حديثه موجها الكلام لي بقوله ( اعتقد اننا التقينا قبل هذا ) قلت له( هذا صحيح في فندق سميراميس ) الاسبوع الماضي ! ؛ ابتسم وقال ( الآن تذكرت تماما ) ثم التفت الى الآخرين قائلا (الاخ كاتب من العراق ) ؛ بعد لحظات من الترحيب المصحوب بالصمت ؛ واصل محفوظ كلامه ؛ موجزا خلاصة الموضوع الذي كان يدور حوله النقاش وهو ( النص الادبي في القصة والرواية و السينما )...
كنت وانا قريب من هذه القمة الادبية أستمع بكل جوارحي الى ما يقول ؛ وأتمعن بردود الفعل والتعليقات والمداخلات التي كانت تنطلق من هنا وهناك . كان الحديث يدور حول فيلم (بين القصرين ) المأخوذ عن رواية محفوظ بذات العنوان ؛ والذي استمر عرضه لمدة طويلة ؛ وكان السؤال الثقافي المطروح هو هل ان الفيلم يتماشى مع نص الرواية أم لا ؟! وهل ان الممثلين أدوا ادوارهم كما هو مرسوم لهم في الاصل ؟ ام ان هناك خروجا عن النص تجاوز ما كان مكتوبا اصلا .... الخ ؟!
يمكن اجمال تعليقات محفوظ على كل تلك التسآؤلات بما سجلته في حينه على عجل بحدود العبارة التالية : (ان احمد عبد الجواد هو سيد الرواية وحول شخصيته تدور الاحدااث ولكم ـ كما كان لغيركم ـ الحق في تصور هذا السي السيد باية صيغة تتخيلون وترمزون ؛ اما بقية الشخصيات فهي انعكاس لما هو حي وواقعي ؛ فالوالدة زينب والابن الاكبر ا سماعيل وعيشة واصدقاء الانس ؛ بل وحتى العالمة جليلة ؛ هم جزء من العالم الذي تدور الرواية حوله وليس متمما او مجملا الها ؛ لذلك جاء التصور السينمائي في السيناريو ملائما تماما لطبيعة الادوار والصراعات الدرامية التي تحيط بها ؛ لقد استطاع المخرج حسن الامام ان يجسد الرواية سينملئيا باضافة كثير من اللمسات المشةقة والمؤثرة ايضا ؛ واعتقد ان لاسلوب حياته في مثل تلك الاجواء اثره فيما اصاب الفيلم من نجاح ) . وحينما سؤل : ( لماذا لم تكتب انت سيناريو الفيلم في حين انك نجحت كثيرا في بعض الافلام السابقة ( كريا وسكينة ) و ( المنتقم )... الخ ؟ اجاب ..( كان اول من نصحني بضرورة التدرب على كتابة السيناريو وعلمني فنه هو المخرج صلاح ابو سيف ؛ ولكنني لم اقتنع بكتابة اي سيناريو لاية رواية او قصة من تأليفي ؛ اذ وجدت ان مهمتي تنتهي عند التأليف والنشر ؛ لقد اتخذت قراري هذا بدءا من اول رواية لي اخرجت سيمائيا ( بداية ونهاية ) حيث كتب السيناريو وقام بالاخراج صلاح ابو سيف نفسه .) وهنا سأله احد الحاضرين (ان كانت القصص القصيرة تصلح للمعالجات السينمائية كما في الروايات ؟ ) اجاب ( لا شيء يقف حائلا امام السينما ؛ حتى بعض القصائد الشعرية ذات الطابع الدرامي تصلح لذلك ؛ ثم لماذا تذهب بعيدا وامامك بعض قصص همنجواي القصيرة مثلا قد تحولت الى افلام ... وكذلك بعض المسرحيات وحتى الاوبرات ... الخ )؛ وفي خضم هذا النقاش طرح احد الحاضرين رأيا مفاده : ( هل من الضروري ان تكون الشخصية مطابقة للنص المكتوب ...؟)؛ ولما لم يجب احد على هذا التسآؤل ؛ وجدت من المناسب المشاركة في الحوار ؛ فاستأذنت قائلا :
( اي من الشخصيات تلك التي تعني ؛ الشخصية التي رسمها المؤلف ؛ ام الشخصية التي حددها السيناريست ثم المخرج ؛ ام الشخصية التي تخيلها وصاغها الممثل ؛ لاشك ان الشخصية الاولى هي الاساس ؛ ولكي نصل الى جوهر ما عناه واراده المؤلف ؛ يتوجب مشاركته شخصيا في جلسات توضيحية تمهيدية قبلالبدأ بالتنفيذ يشرح فيها وجهة نظره في البعد الواقعي والنفسي لكل شخصية من خلال واقع الاحداث ؛ وذلك لكي يكون كل من الممثل والمخرج والسيناريست على دراية تامه بما رسمه المؤلف من ابعاد لكل شخصية ؛ منعا للتفسيرات المنفردة بخاصة و ان لكل من اؤلئك الثلاثة ؛ ثقافته ورؤيته الخاصة ؛ وهي لاشك تختلف عن تلك التي أختزنها المؤلف من خلال تجربته ومشاهداته وملاحظاته وما اراد ان يقوله على صفحات عمله الادبي والتي قادته الى جوهر روايته واطارها العام ... ؛ وعلى هذا لابد من اجراء تنسيق شامل بين مختلف الاطراف بحيث يؤدي في محصلته النهائية ؛ الى خدمة الهدف الذي من اجله ينتج ذلك العمل السينمائي ..)
دار نقاش مجددا حول ما طرحته ؛ في حين وجدت اديبنا الكبير وهوالحريص على متابعة كل ما يدور بكل دقة وعناية ؛ ينظر الى ساعته بين الفينة والاخرى ؛ وما هي الا لحظات حتى امتدت يده الى علبة سكائرة التي كانت تنتظر على الطاولة منذ امد ؛ فأخذ منها واحدة ؛ وأشعل طرفها بأناة واستنشق عبيرها والابتسامة لا تفارق شفتيه ....ثم علق على ما دار بقوله( ما دام العمل مشتركا ؛ فلا بد من الاتفاق على جوهر الرؤيا بين الاطراف المعنية ؛ اما التفاصيل فانها متروكة لكل واحد منهم بحكم اختصاصه وثقافته واجتهاده في اعطاء احسن ما عنده ....اذ ان النجاح ان تحقق فسيعود ناتجه على الجميع ...)
لم استطع بالطبع ان اسجل كثيرا مما دار في تلك الجلسة الفريدة لتشعب الاحاديث والمداخلات وغنى التدفق الفكري الاخاذ لهذا الاديب الفذ. ولكنني وجدت في اوراقي الصغيرة الخاصة بتلك الجلسة كلمات وعبارات متقطعة قالها بين مضان الحديث كان لها معناها ؛ وقد حاولت جاهدا ان استشف منها مدلولاتها ؛ الا انني منيت بالفشل ؛ فلم اجد بدا من طرحها كما كتبت اصلا ؛ فلعل احد رفاق دربه ـ امد الله باعمارهم ـ من يستطيع فك طلاسمها ؛ وهي كألآتي ( كنا نجتمع كل خميس في الكازينو ؛.... دور السينما يوم ذاك ؛ سينما اولومبيا في العتبة ؛ وسينما بلفدير وجوسيه ؛.... حارة الطبلاوي ؛... كل ساعة واحدة ومستحيل اكثر ولاي سبب ؛ مواعيدي محددة مع نفسي اولا ؛ ... الانضباط وضبط الآخرين ؛....نعم .. بين فترة واخرى قصة او رواية عراقية ؛ ... لا هو ليس من الحرافيش بل قريب جدا منهم ؛ ..... هو الذي علمني تقسيم المناظر ايضا .... ؛ العباسية و العوامة و الكازينو كله واحد؛ المهم ـ اللمة؛ ... بيت القاضي ؛ لا هو مطرب شعبي كبير من الست ؛ لسيدنا ؛ ... الصحف ابدا من صباحية ربنا ؛ .... احب اسمعه وهو يحكي عن نفسه وذكرياته ؟!
في صباح اليوم التالي ؛ كان البياتي على موعد مع دار نشر تعاقد معها على نشر بعض اعماله الجديدة ؛ فاتخذتها مناسبة للتجوال في بعض المقاهي التي اشار اليها اديبنا محفوظ ؛ للتعرف عليها والتعطر بنسائم اجوائها ؛ فكان لي ان مررت ب( علي بابا ) في ساحة التحرير ؛ ثم مجددا الى ميدان طاعت حرب حيث مقهى ( زهرة البستان ) وهناك ايضا بالطبع ( جروبي ) ذات الشهرة الواسعة بالمكانة ـ والحلويات ايضا ـ ؛ ثم اخذت طريقي الى ميدان الجيش لازور مقهى ( عرابي ) .... ولم استطع السير بعد ذاك ؛ فقفلت راجعا الى الفندق لآخذ قسطا من الراحة واستعيد من خلال الخيال ما تصورته من اجواء تلك المقاهي واقعيا ؛ ثم اسقطها على اوصاف ما قرأت من قصص ورويات هذا العبقري .
لقد اعاد لي كل ذلك .... تلك النكهة المحببة من ذكريات الامس البعيد يوم مررت على مكتبة العرفان في الكرخ ؛ لاستأجر بعض الكتب بغية القراءة ؛ فوقعت عيناي على قصة تاريخية هي ( رادوبيس ) لنجيب محفوظ ؛ فقرأتها في ساعة واعجبت بالوصف التاريخي الشيق الذي ساقه باسلوب روائي سلس ؛ فرحت ابحث عن المزيد فلم اعثر الا على ( همس الجنون ) و( عبث الاقدار ) . وحينما انتقلت الى الدراسة الثانوية ؛ قرأت له ( القاهرة الجديدة ) ؛ ثم ( خان الخليلي ) ؛ و اعتبارا من هذه الرواية بالذات اصبحت متابعا دائما لكل ما يصدره هذا المبدع الكبير؛ اسوة بما كنت افعله مع اعمال طه حسين و توفيق الحكيم ؛ ومحمود تيمور والمازني ؛ وبديع حقي ؛ والعقاد ؛ ويوسف جوهر وغيرهم من اساطين الادب المصري المعاصر.
قد يختلف الكثيرون مع نجيب محفوظ في بعض طروحاته ؛ بحسب آيدولجياتهم ومعتقداتهم وانتماءاتهم السياسية او الدينية ؛ ولكن ليس هناك اثنان يختلفان على صدق أدبه الواقعي وجهده الفكري الاستثنائي الذي بذله من اجل ذلك اللون الخلاق من الادب الثري الذي كرس حياته له . حيث طوع موهبته المبدعة وكفاءته النادرة في سبيل رصد الحياة من حوله وجعل المكان اداة لابراز ما اراد تسليط الضوء عليه من خلال غوصه في صميم نفسية ابطال اعماله ؛ قبل الغوص في جغرافية الحدث الذي انتزعهم منه ليجسدهم شخوصا تتحرك في مساحات حية من صميم واقعها ؛ لقد كانت كتاباته وما زالت تتميز بكثير من المكنة الخلاقة ؛ واللغة الغنية با لمفردات و المصطلحات المنتزعة من حياة الناس الذين جال بينهم وعاش اجواءهم ونظر اليهم برؤيا جلية ثاقبة وخيال دفاق خصب .
لم يكن محفوظ مصورا ( فوتوغرافيا )؛ يلتقط واقعه بلغة نظرة العدسة الزجاجية ؛ بل كان رساما ونحاتا بارعا
يعرف كيف ينتزع من سر التكوين ؛ نموذجا حيا ؛ يخلق منه عوالم واسعة من التشكيل الذي يصلح لان يكون درسا وعبرة وارشادا وفانوس حقيقة للبشرية . وسر عظمة هذا الفنان تكمن في انه كان صادقا ؛ وصارما ودقيقا مع نفسه قبل غيره ؛ ومتمردا على ( الخزعبلات ) والعادات الشكلية البالية ؛ ومحرضا صلبا للمقاومة ضد الاحتلال والاستبداد والخيانة ؛ من خلال عشرات الصفحات التي صورت تلك الجرائم الهمجية البشعة ضد الشعب المصري ؛ والتي شاهدناها مجسدة في افلام وطنية ما زالت حية في الوجدان والذاكرة .
لقد فتح الراحل نجيب محفوظ كثيرا من النوافذ على اشراقات شمس الثقافات لتغمر العقول بنورها ؛ فتكتسح من امامها اكداسا من الهيمنة الغاشمة و التبعية المذلة و التخلف والسلبيات والعادات الشكلية المعيبة .