ابن خلدون رائد العلوم الاجتماعية والانسانية

ابن خلدون رائد العلوم الاجتماعية والانسانية

بغداد/ أوراق
اراء متضاربة في شرح مفهوم علم العمران الخلدوني، معظمها اعطت له الأولوية في اكتشاف جوانب عديدة في العلوم الاجتماعية، تبينها دراسة الباحث فؤاد البعلي في كتابه (ابن خلدون ـ رائد العلوم الاجتماعية والانسانية) والصادر عن دار (المدى) للثقافة والنشر. متضمناً عشرة فصول تستعرض مئات التفسيرات المتبانة والمتضاربة في اكثر من ثلاثمئة مرجع،

 تبحث جميعها اسباب التضارب في تطبيق قواعد وخصائص العلم الحديث وفق المفهوم الخلدوني. مبيناً ان كلمة (علم) في عهد ابن خلدون تعني معرفة لها موضوع معين ومنهج بحث. وقد قام ابن خلدون بشرح علوم زمانه بدءاً من القرآن الكريم والحديث واصول الفقه والكلام والتصوف وتعبير الرؤيا والعلم الطبيعي وما وراء الطبيعة الميتافيزيقا، والهندسة والهيئة والموسيقى والفلك والطب والسحر والطلسمات والكيمياء والبيان، مما يدلل على ان الحضارة الاسلامية كانت معروفة بعلومها العديدة. مشيراً الى ان في بداية التاريخ الاسلامي وتحديداً مع دخول الفرس للاسلام كانت هناك طريقة سائدة لتأسيس علوم جديدة، لكنها تضاءلت في عهد ابن خلدون مما جعله يأمل في الأجيال الاحقة كفاءة أعلى من المفكرين السابقين.. كما يذكر الباحث ان ابن خلدون اكد اكثر من غيره من المفكرين المسلمين على اهمية وضرورة السبب والنتيجة في دراسة الظواهر الاجتماعية، وفهم جميع جوانب التاريخ البشري. مشيراً الى انه كان موفقاً الى حد بعيد في تكوين نظريته في الدولة التي اعتمدت على عامل ديناميكي هو مفهوم العصبية، وهذه النظرية لا يمكن تطبيقها في فترات معينة لعلاقتها بمشاهدات ومناهج دراسة الظواهر الاجتماعية الثقافية، ويمكن ان تخضع للتعديل وحتى الرفض. موضحاً ان الخبرة الواسعة لأبن خلدون كدبلوماسي ورحالة وكاتب وملاحظاته الدقيقة عن الحياة البدوية واطلاعه على الحياة الحضرية، جعله يؤكد على اهمية الملاحظة او المشاهدة للامور الاجتماعية، وكان واثقاً من صحة معلوماته لأنها تمت نتيجة فحص دقيق ومطابقة للواقع.. استعمل ابن خلدون طريقة المقارنة من وجوه عدة كمقارنة مدة حياة الدولة مع حياة الانسان، والبدو مع الحضر، ومعلوماته مع معلومات غيره، وجمع معلومات تتعلق بأصل وتطوير الدول، وذهب ابعد من المؤرخين في زمنه حين درس تأثيرات حكم الدول على العلاقات الاجتماعية، كما أكد ان المعلومات التاريخية يجب ان تفحص بحذر، لأن بعض المؤرخين لم يلحظوا اسباب الوقائع والاحوال ولم يرعوها. ويبين الباحث ان علم ابن خلدون تجميعي يخضع المجتمع الى تغيرات خلال العهود، مما يعني ان المعلومات والأخبار التي نحصل عليها قد تخضع الى فحص لأجل التحقيق منها. كما اعتقد ابن خلدون ان أيسر الطرق للحصول على الملكة والحذق في العلوم هو فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية فهو الذي يقرب شأنها ويحصل مرامها. واذا وجد مفكر ما خطاً في كتابات مفكرين آخرين حتى وان كانوا معروفين ومشهورين فان عليه ان يذكر اعتراضه كتابة حتى يستطيع ان ينتفع منها طلبة المعرفة في المستقبل ويتفهموا الفرق. وبصورة عامة اذا كان هناك علم ناقص وفيه عيوب فان من واجب المفكرين تصحيح الاخطاء. ثم يكشف الباحث ان ابن خلدون كان متواضعاً وموضوعياً جداً، وقد اعترف بعيوبه سائلاً طلاب العلم ان يتفحصوا كتاباته بعين الانتقاد لا بعين الارتضاء. وتدل مقارنات الكثير من المفكرين الذين جاءوا بعده ان اسهاماته اصلية وتبدو حديثة، وقد سبقت افكار الكثير من المحدثين والمعاصرين.. وكان ابن خلدون واثقاً بانه اكتشف علماً جديداً فريداً من نوعه، مستقلاً بنفسه وموضوعه اسماه العمران البشري والاجتماع الانساني، وبعض افكاره سبقت بوضوح الفكر الاجتماعي الحديث.. وقد اثبت ذلك علماء غربيون وشرقيون حيث اقروا بأن اعتبار ابن خلدون رائداً في التطور الفكري الحديث ليس بالشيء الغريب، وعليه لا يمكن تجاهل هذه الحقيقة.. ويمكن استعمال نظريات ابن خلدون التي تبدو حديثة لأجل الوصول الى انموذج خلدوني نستطيع تطبيقه على مجتمعات العالم الثالث، بما في ذلك الاقطار العربية. واخيراً لفت الباحث الى انه لا يؤيد من يقول بان ما كتب عن ابن خلدون كثير ولا حاجة بنا الى المزيد، مشيراً الى ان الابحاث التي كتبت عنه لا زالت غير كافية للاحاطة بجميع جوانب مهام واهداف العمران الخلدوني.