التبشير بين الأصولية المسيحية وسلطة التغيير

التبشير بين الأصولية المسيحية وسلطة التغيير

بغداد/ اوراق
بعد نجاح تجربتها، تيقنت القوى الاستعمارية ان حرب المعنويات الثقافية والاجتماعية هي الوسيلة الاكثر ضماناً للسيطرة على الشعوب من خلال التخريب الروحي والقيمي. دراسات في قضايا النهضة ضمنها الباحث عدنان عويد كتابه (التبشير ـ بين الأصولية المسيحية وسلطة التغيير) والصادر عن دار (المدى) للثقافة والنشر.

مبيناً ان السلاح الذي اخترق به الغرب الدولة العثمانية هو التبشير على الطريقة الغربية. حتى استطاع الغرب ان يفتت البنية الاجتماعية للدولة، حيث شكل في صلب هذه البنية كانتونات (ملّية) مغلقة. ومع مرور الايام صارت كل ملّة تشعر بعزلتها عن المحيط الاجتماعي العام الذي نشأت فيه، مثلما راحت ايضاً تنسى تاريخها وقيمها المشتركة، فالتاريخ لم يعد بالنسبة لها الا تاريخ الملة نفسها. وتكسرت جميع القواسم الاجتماعية المشتركة وتشظت حتى تحول الإخوة الى اعداء يحملون لبعضهم الحقد والكراهية والضغينة والتعصب الأعمى.. اذا لم تكن الغاية من التبشير بالمسيحية وتياراتها في البلاد العربية تحت ظل الدولة العثمانية هي نشر المحبة وروح المساواة التي نادى بها المسيح بقدر ما كان الهدف منها هو تحقيق المصالح الاقتصادية والسياسية لأوروبا تحت ستار الدين.. وحول الحركة الوهابية المتزامنة انذاك يبين الباحث انها لم تكن مجرد راية حرب وفتح، وانما هي تبرير فكري للاتجاهات التوحيدية في الجزيرة العربية، منوهاً الى ان افعالهم لم توضع ضمن برامج عمل محددة ومدروسة بشكل مباشر، وما تحطيمهم لأضرحة الاولياء الصالحين الا تحطيم للسند الروحي والفكري للتجزئة العشائرية والقبلية التي كانت تسود الجزيرة، ومن خلال معارضتهم للحركات الصوفية وتطبيقهم للأحكام الحنبلية يتضح رفضهم للمبدأ السنّي الحنفي الرسمي للدولة العثمانية. وبذلك يكونون قد تمردوا على الاسلام التاريخي في صيغته العثمانية، والتي مع مرور الايام اخذت طابعاً عربياً جعل الكثير من الباحثين العرب يهتمون بمن تبنوا افكار هذه الحركة واعتبروها راية للحركة الوطنية العربية التحررية.. وفي دراسة (الاستبداد والاستبداد المستنير) وكما ورد في الادبيات السياسية لعصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر وما بعده ، يتبين ان مشروع الاستبداد المستنير في اوروبا جاء ملبياً للظروف التاريخية التي عاشتها الطبقة الوسطى في القرنين الثامن والتاسع عشر وهي الظروف التي اخذت فيها الطبقة بعد ان وصلت الى مرحلة وعي الذات تطمح في الوصول الى السلطة والخلاص من سيطرة طبقة النبلاء وسلطة الكنيسة معاً، فكان ذلك عن طريق مشروع المستبد العادل الذي جاء ملبياً لطموحات الطبقة البرجوازية، خاصة بعد ان راح بعض ملوك أوروبا يشعرون بأهمية ودور هذه الطبقة في الحياة الاقتصادية للبلاد، ولا بد لهم من التناغم معها والاتكاء عليها للحفاظ على وجودهم امام قوة النبلاء ورجال الكنيسة الذين كانوا يشكلون دائماً قوة ضغط على الملوك. وفي دراسة أخرى يتناول فيها الباحث والي مصر محمد علي باشا كنموذج للزعامة في ضوء الاستبداد  والاستبداد المستنير. مشيراً الى ان أية دولة تقوم دعائمها على أسس ميكافيلية ستكون نهايتها الفشل والانهيار مهما طال بها الزمن، والباشا لم يكن اساساً أكثر من شخصية حملت منذ قدومها الى مصر قناعات وتصورات وصبوات الروح الميكافيلية، فهو لم يكن اكثر من مستبد شرقي استهلم تطورات عصره بفعل احتكاكه مع الغرب الذي لمس فيه شعوباً قادرة على استعمال عقولها في تسيير امور حياتها، فاراد ان يحاكي الغرب الا انه لم يكن اكثر من كومبارس سخر عقله لبناء دولة له ولأولاده من بعده على حساب آلام الشعب المصري وجوعه، فكانت النتيجة خضوع مصر للاستعمار البريطاني قبل الكثير من الولايات العثمانية التي لم يكن حكامها او ولاتها يمتازون بتلك الصفات والخصائص التي يمتاز بها الباشا. واخيراً يبين الباحث ان حركة الاصلاح والنهضة في الوطن العربي وفي ظل الدولة العثمانية لم تستطع ان تشكل نسقاً قائماً بذاته معزولاً عن سياقه العثماني، الا ان حالة التمايز كانت واضحة من خلال النتائج التي حققتها عملية الاصلاح برمتها في بنية الدولة العثمانية. اما ابرز ملامح هذا التمايز الذي تجسد في الواقع العربي آنذاك فهو بروز التيارات الفكرية ذات الاتجاه العقلاني في صيغته الليبرالية التنويرية. وبروز الفكر القومي بصيغته الاسلامية ثم انتقاله الى الصيغة العلمانية في نهاية القرن التاسع عشر. وهذا الفكر نفسه شكل مع بعض الطروحات التنويرية الحرية والعدالة والمساواة وهي الأرضية التي انطلقت منها حركة التحرر العربية للخلاص من سيطرة الاستعمار العثماني والأوروبي بكل اشكاله القديمة والجديدة.