بنات الغابة..

بنات الغابة..

بغداد/ أوراق
الأشجار الكثيرة في الغابة، تنسج من فروعها الكثيفة وأوراقها خلوة لقاء لاطفاء نار الشبق بين الجنسين، لذلك جعل الكاتب سالم العوكلي من عنوان روايته (بنات الغابة) والصادرة عن دار (المدى) للثقافة والنشر دلالة توحي بعدم وجود  بنت عذراء في اماكن اطلق فيها عنان مخيلته لوصف صور ومشاهد من خلال تأملات البطل للبنت القروية (أينك):

 شوك تحصن بالصخر.. يشد الروح بنزيف الوحشة، فطر يربو على تلال الروث، صمته خُلّب القوس.. مفرد العزف على أهبة البوح، بنات البئر منشورات في الماء كعَلَقٍ، والريح متاخمة للأغاني.. تشيّد من الغبار أعمدة السماء، أعبُّ من أوعية الحجر حليب الغيوم العابرة.. سابحاً في بحيرات القمح، أتقي حمو الظهيرة بفحول البصل مطعونةً بماء العين، أذرع مع خيوط النمل دروب الذاكرة، شوك في وبر الدواب يرد الثغاء إلى معطن الدبيب المسترسل في قطن الثياب، ليل نداري معطفه بالكيروسين واحتدام النباح في شراب الحضائر.. وهنا اشارة الى ان تلك الفترة كانت بداية انتاج النفط الذي بدأت لمساته تظهر في حياة الناس.. أينك تنفخين في نار الجسد وتلبسين من الدخان رداء النزوات، مالحة أصابعك، وسابح لسانك في عشب المضايق.. يرتخي الحطب على ردفك مبلولاً، وعلى ظهور الدواب تُهرّبين لذتك، فخذاك مشرعتان للوبر واهتزاز الظهور المتعبة, دم العشب يصيح على ركبتيك.. تمرين إلى الرفاق من صوب خليل  وتمرين إلى الحبيب من طريق التبن المضيء.. وفي الفصل التالي يصف قرية (القيقب) والتي يعني اسمها نوع من الأ شجار المنقرضة حيث كانت تنمو على هذه الأرض بأنها تنام باكراً والندى يتكثف فوق صفيح البيوت: برد ليلك المولع بضبح الصنوبر.. بردٌ وأنا فيك أفلي الخيال الجامح.. أُنقّب في سروك المرسل عن حتف كوابيسي.. أجر الكلاب إلى آخر الطريق.. مخاتلاً نوافذك المواربة. في غرة العام تسلل صوتها هامساً إلى مخدعي.. صوتها يتسقط أوتار القلب المغامر، يشخب كضرع مسمر في جفن القمر.. يمر دافئاً عبر النحاس البارد، ومشافهاً يبيض أوجاعه في تبن صدري.. تعرفنا الغابة، والحضائر ومستساغ البذاءة يحفر في خفر الصبايا نفق الضحك الموارب. يطرز ماؤه اختلاس الفخذ للمسة العابر.. الوراد غسق العيون تحدق في رذاذ السقوف الرطبة معاداً كأسواق القرى يعلق ثيابه الرثة في هجيع المراهقات، ماؤه صَدَف الأرامل الواثقات من ليل كسيح، وشَرَك العابرين من لسانه الرجيم إلى نساء مستحيلات.. وراد القيقب يهذي في مساربها الترابية بسُكّر الحرام يقايض الضحك بالشراب، ويتسرب إلى فساتين البنات العطش. ماؤه ارتجاف النهود في ندى الصباح الباكر.. ماؤه صحو الصباح مدهوناً بعَرَق اللهاث.. وصوتها صندل الأيام الوشيكة. منجل الحقول المضيئة في آخر الصيام.. مرت من شجن الوراد إلى منسكي.. قريرةً تبتهل عيناها الصغيرتان.. يهطل نداها على خشب الأصابع الممدودة في الغبار.. توصد باب غرفتها الخشبي، وتفر كعصفورة سانحة من النافذة.. ومن خلال ذلك كله يبدو واضحاً ان قرية القيقب شكلت سيرة النص وشخصية أينك بمثابة ريشته التي يرسم بها ملامح عالمه وهي تقتحم ضباب القرية راكضةً خلف نهديها، عيناها مغمضتان والحصى يتكسر تحت سباطها، تمر الأشباح تحت جفنيها والجنادب تصدح في وجل الطريق، تحط لاهثة قرب فراشي كفراشة أتعبها الدوران.. جميلة تنشد في أصابعي مغفرة الشبق القروي، تلج البطاطين عارية قدماها باردتان والعرق في إبطيها ملح البحار العنيدة.. خائفة والجسد شراعها الخفاق.. متعبة واللذة عكازها إلى مطرحي.. تلجني كظل أجفله الضوء.. تعصر على صدري فاكهة النهد وتصهل في بئر غوير مقذوفة إلى ما لا تحتمل.. تعلو جوادها الجبلي فيرقص ظلها على الجدار.. هرّبت للشفق الحميم لون بكارتها، وغابت في أغطيتي تفرك الوسائد بخديها، وتريق في عنقي عصير عينيها كانت صغيرة يحبو الصغار إلى ألعابها.. تُصفِّر في حقول القمح وتدنو من الحسك الجارح بجلدها الطازج.. وتبدو صور الرواية ومشاهدها قد تشكلت في نفس الكاتب ومخيلته منذ طفولته بين اجواء القرى وحياة الناس في المدن حيث يقول: كنت طفلاً قروياً مرتبكاً حين حللنا مرة ضيوفاً على أقاربنا في المدينة.. وأرسلتني صاحبة البيت لاحضار ملح من جارتها، وجدت الباب الخشبي العتيق مفتوحاً موارباً فطرقته بهدوء، لكن لا أحد يرد.. وحين هممت بالعودة تناهى الى سمعي صوت تأوه حاد، ترددت قليلاً، لكن قرويتي جعلتني أدلف الى البيت لأن ثمة خطر يلم بصاحبه، ومن باب المطبخ استطعت ان ارى الجارة منطرحة وفوقها زوجها ضخم الجثة ولا يرى منها سوى ساقيها الملتفتين على عقبيه ويديها على اكتافه. وبعد ذلك يتعرف على زوجها فيجده نحيفاً، وانه ليس هو من كان معها، بل هي الخيانة الزوجية.. ويقول: ومن يومها وانا استحضر هذا المشهد في كل مطبخ ادخله.. تولدت لدي حالة تلقائية من اضفاء البعد الجنسي على كل مجاز يفضي اليه، عندما ارى رجلاً ورفيقته يسيران أذهب مباشرة لرسم ما يحدث بينهما في الحياة السرية.. وعندما تقابلني امرأة حامل اتخيل الفعل الذي اوصلها الى هذا النتوء امامها.. وحين امر في الليل بشارع مزدحم بالبيوت والشقق احاول ان احسب كم حالة مضاجعة تجري الآن، وما مقدار ما يقذف من سائل الحياة في هذه اللحظة.