ساسون حسقيل قبل ان يصبح وزيرا

ساسون حسقيل قبل ان يصبح وزيرا

نور محمود العبدلي
ساسون حسقيل ترجماناً لمجلس ولاية بغداد                
اعتمدت الدولة العثمانية في تعاملها مع الدول الأجنبية على المترجمين ، وكان أغلبهم من اليونانيين والأرمن ، ولكن الدولة العثمانية أخذت  تشك بولاء رعاياها اليونانيين ، فعملت على إنشاء ( دائرة الترجمة ) لاستقطاب مترجمين من الأتراك أو ممن يعول على ولائهم من رعاياها .

و كان ترجمان الولاية يدعى بـ(مدير الأمور الأجنبية ) ،ويٌعينه الباب العالي بترشيح من نظارة الخارجية ، ويعد من كبار موظفي الولاية  ، أما فيما يختص بمهام ترجمان الولاية ، فمهمته التفاوض مع قناصل الدولة الأجنبية بأطلاع الوالي وبأشراف منه فيما يخص الشؤون الخارجية للولاية ، كما يعتبر المستشار الخاص للوالي فيما يتعلق بالمعاهدات الدولية والأمتيازات الممنوحة من قبل الدولة العثمانية للدول الأجنبية ويشترك في مراسم أستقبال الضيوف الأجانب الذين يفدون على الولاية . 
وقد شغل ساسون حسقيل وظيفة ترجمان لولاية بغداد ، فبعد أن أكمل ساسون دراسته ونال أجازة ممارسة المحاماة من أستانبول عاد الى بغداد مسقط رأسه عام 1884 وهو لا يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره وبينما هو يستعد للأنخراط في سلك المحاماة تغيرت لديه الظروف فعين ترجماناً للولاية  عام 1884 في عهد واليها تقي الدين باشا ، وقد بقى في وظيفته كترجمان لولاية بغداد لمدة عشرين عاماً ( 1884-1904) ومما ساعده في عمله هو إتقانه لعدة لغات وهوما تتطلبه هذه الوظيفة .
ويروي فريدريك روزن قنصل المانيا في بغداد عام 1898، في عهد واليها ( عطاء الله باشا ) بأنه تعرف على ساسون حسقيل ويقول : "أنه كان المساعد الأول للوالي .... ويجيد الألمانية والإنكليزية والفرنسية إجادة تامة . ولاشك أن التعامل معه كان مريحاً لو كان هنالك أي عمل ، ولكنني سرعان ما وجدت أنه لم يكن لدي ما أعمله مطلقاً ، وكان ساسون يزودني بالجرائد والمجلات التي ترد عليه من بريطانيا  وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية "  .  
في أثناء عمل ساسون حسقيل ترجماناً لولاية بغداد لعشرين عاماً عاصر قسماً من الولاة ممن عمل معهم فأكسبته هذه الوظيفة نفوذاً كبيراً في الولاية، وخبرة واسعة في شؤون البلاد، وأدارتها، وكان بحكم ثقافته وذكائه محل أعتماد الولاة، وثقتهم به ، فمقارنة بين ساسون وبين المترجمين الذين شغلوا هذه الوظيفةوقد أستمر ساسون حسقيل في هذه الوظيفة مدة طويلة  وهذا دليل على ثقة الولاة به ، وبراعته، وأتقانه، وخبرته في التعامل بوصفه يشكل حلقة وصل بين الوالي والقنصليات الأجنبية، ومنها القنصليات البريطانية، والفرنسية، والألمانية، والروسية، والأمريكية، والأيرانية والذين كانوا يفدون على الولاية .  
ساسون حسقيل مديراً للأدارة النهرية الحميدية
اهتم العثمانيون وأداراتهم في المستعمرات بطرق المواصلات النهرية ، ولاسيما في العراق وكان لذلك الاهتمام دوافع وأسباب ، من جملة هذه الدوافع تعاظم النفوذ البريطاني في العراق ، لاسيما بعد التسهيلات والفرمانات التي حصلت عليها بريطانيا من الدولة العثمانية خاصة.
وقد بدأت مظاهر الأهتمام واضحة للعيان في عهد الوالي محمد رشيد الكوزلكي (1851-1856) الذي أسس شركة ملاحة تجارية أسهمت الحكومة العثمانية بنصف رأس مالها، أما النصف الثاني فأسهم به التجار المحليون وقد تعاقد الوالي محمد رشيد الكوزلكي مع شركة بلجيكية على صناعة باخرتين لصالح الشركة ، وقد وصلت الباخرتان ( بغداد والبصرة) الى العراق، وبوصولهما بدأ الخط الملاحي العثماني عمله في نيسان عام 1859. 
ومما زاده من أهمية الخط الملاحي وتطويره هو صدور مرسوم من الأستانة نص على إنشاء شركة الملاحة العثمانية برأسمال قدره مئة ألف كيس ، وبامتياز مدته ثلاثين عاماً ،وتقرر كذلك أن تعمل بواخر الشركة في البحر الأحمر وسواحل الحجاز، واليمن، ومصوع، وسواكن، والبصرة ، فردت بريطانيا على هذا بأن أسست في لندن( شركة لنج للملاحة في نهري دجلة والفرات) بالبواخر عام 1860 وكان في حينها ممثلها في العراق بيت لنج إذ أخذت الدولة العثمانية بالضغط على شركة لنج، ساعدها على ذلك ، هو موافقة الباب العالي على أقتراح نامق باشا (1862-1867) على تأسيس أدارة نقل ملاحية لأدارة شؤون الباخرتين ( بغداد ، البصرة ) اللتين سبق أن أستوردتا من بلجيكا في عهد الوالي محمد رشيد باشا الكوزلكي ، وقد عين نامق باشا ضابطاً كبيراً من ضباط الفيلق السادس ، كان يشغل منصب مدير الأمور الطبية ، ثم شيد لها معملاً للتعمير والإصلاح .
أستمرت الأدارة النهرية في العمل، وأضطلعت بالعمل نفسه في عهد الوالي مدحت باشا ( 1869-1872) بعد أن أزداد عدد البواخر النهرية بإضافة الباخرة رصافة في عام 1870 ، وآشترى مدحت باشا في نطاق جهوده الأصلاحية ، بشراء البواخر البحرية لربط العراق بالعالم الخارجي مبتدئاً بالباخرتين بابل وأثور .
تقرر أن تخصص أدارة ، للسفن البحرية عرفت بـ(إدارة عمان العثماني) وقد أولاها مدحت باشا أهتماماً كبيراً فأصلحها ورتب أمور تنظيمها ، ومن الجدير بالذكر أن الإدارة النهرية العثمانية كانت منفصلة عن أدارة عمان العثماني ، فالأولى تختص بأدارة البواخر، والثانية بالسفن البحرية، وفي عام 1872 دمجت الدائرتان معاً تحت أسم ( أدارة عمان العثماني) وقد أقتصر عمل هذه الأدارة بعد رحيل مدحت باشا على شؤون البواخر النهرية .
وقد أهملت إدارة عمان العثماني بعد منتصف سبعينيات القرن التاسع عشر وقلت كفايتها ، حتى قررت في آواخر ذلك العقد عرض بواخرها للبيع ، ولكن أحداً لم يتقدم لشرائها ، ومن آواخر الثمانينيات حتى عام 1904 ، كانت هذه الإدارة إدارة صغيرة تتألف من مفتش وعدد قليل من الموظفين  حتى أقدمت الأدارة السنية على توسيع نشاطها الأقتصادي ،فاشترت في عام 1904 (إدارة عمان العثماني)، وذلك مقابل مبلغ مقداره (9.500) ليرة وقد سميت (إدارة البواخر الحميدية) وكانت هذه المؤسسة تضم حين اشتراتها الإدارة السنية أربع بواخر تدعى الفرات ، وبغداد ، والرصافة ، والموصل ، وقد أضافت الإدارة النهرية الحميدية باخرتين هما ( الحميدية و ( البرهانية) وقد أنشأتا في أسكتلندا والحقتا بالإدارة في السنة الأولى من عملها .
كانت الهيئة الأدارية للأدارة النهرية الحميدية تتألف من مدير الأدارة، وقلم التحريرات، وقلم المحاسب وكانت هناك إدارة فرعية في كل من البصرة والكوت والعمارة ، فضلاً عن إدارة المعمل، وكان لكل باخرة ربان ومساعد له وكاتب ودليل  .
أختير ساسون حسقيل عام 1904 لاشغال منصب مدير للأدارة النهرية الحميدية وأستمر في هذه الوظيفة لمدة أربع سنوات الى عام 1908 في أثناء هذه المدة شهدت الأدارة النهرية الحميدية تطوراً ملحوظاً فقد أصبحت بواخرها تنافس بواخر شركة لنج البريطانية  العاملة بين بغداد والبصرة .
لقد كان لساسون حسقيل أثر كبير في ما وصلت اليه( الأدارة النهرية الحميدية) ، من تطور وأزدهار ، لكونه مديراً لها فقد وضع خبراته وجهوده في سبيل النهوض وتطوير هذه الأدارة فضلاً عن أن هذه الوظيفة قد زادت من خبرة ساسون حسقيل الأدارية وجعلته ملماً بجوانب كثيرة تخص طبيعة هذه الأدارة وأهميتها الاقتصادية للبلد .

ساسون حسقيل مستشاراً لوزارة الزراعة والتجارة العثمانية
بعد أن شغل ساسون حسقيل وظيفة ترجمان ولاية بغداد للحقبة (1884-1904) ووظيفة مديرالادارة النهرية الحميدية (1904-1908) وبحكم ثقافته وخبراته التي أكتسبها في أثناء عمله ، فضلاً عما أبداه في مدة عمله من كفاية عالية ومكانة محترمة ، أصبح محط أحترام الدولة العثمانية، لهذا عهد لساسون حسقيل في عام 1913 منصباً كبيراً في الدولة العثمانية ،هو منصب مستشارلوزارة التجارة والزراعة في أيلول عام 1913 في عهد وزيرها سليمان البستاني .
وكانت وظيفة المستشار وقتئذٍ ، تقابل وظيفة وكيل الوزارة – أي الشخص الثاني بعد الوزير – ولم تكن مثل هذه الوظيفة لتعهد في عاصمة
( الأمبراطورية)  الى يهودي من بغداد وان لم يكن قد أبدى كفاية حقيقية ، وحصل على مكانة محترمة  .
لم يأت انقلاب عام 1908 من فراغ ، بل كان ثمرة جهود عقود متعاقبة ،
من النشاط السري والعلني قام به الأحرار والمثقفون سواء في داخل الدولة العثمانية أم في خارجها والذي شجعهم على ذلك تردي الأوضاع الخارجية ، بفعل الأعتداءات الأجنبية وسوء الأوضاع الداخلية بعد تعطيل السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909) البرلمان في (13 شباط 1878) وتعليق العمل بالدستور . 
نجحت جمعية الاتحاد والترقي بالانقلاب في (23 تموز1908) وإجبار السلطان عبد الحميد الثاني على إصدار أمر بإعادة العمل بالدستور 1876 .       
وأهتم الاتحاديون بفتح فروع لهم في مختلف أنحاء العراق بعد نجاح انقلابهم وقد أستقبل العراقيون مندوبي الاتحاديين بمظاهر الإكبار والإجلال، وبدأ المثقفون والشخصيات البارزة ينتمون إلى هذه الفروع ويؤيدونها ، فقد افتتحت الجمعية فروعاً لها في بغداد والموصل والبصرة والنجف والحلة ، ألتحق ساسون حسقيل حينها بجمعية الاتحاد والترقي في فرعها في بغداد .
ساسون حسقيل في مجلس المبعوثان العثماني :
بدأت الحياة النيابية في الدولة العثمانية بعد إعلان القانون الأساسي العثماني عام 1876 الذي بموجبه تألف مجلس الأمة من هيئتين تسمى أحداهما هيئة الأعيان والأخرى هيئة المبعوثان . إلا أن انتخابات المبعوثين التي جرت أول مرة في تاريخ الدولة العثمانية لم تكن انتخابات بالمعنى الصحيح ، ففي كل ولاية من ولايات الدولة العثمانية لم ينتخب الناس نوابهم بل انتخبتهم المجالس البلدية في تلك الولايات لعدم وجود قانون الانتخابات الخاص بانتخاب أعضاء لمجلس المبعوثان  ، الذي أفتتح في (19 آذار 1877) لكن سرعان ما أصدر السلطان عبد الحميد الثاني أمراً في (14 شباط 1878) بحل المجلس وتعليق الدستور ، الذي نتج منه تفرد السلطان عبد الحميد الثاني بالحكم . وعودة الحكم المطلق لمدة دامت أكثر من ثلاثين عامآ تكونت في أثنائها جمعيات سرية في داخل البلاد ، وعلنية في خارجها ، لإظهار مساوئ الاستبداد الحميدي ومنها جمعية الاتحاد والترقي التي نجحت في أجبار السلطان عبد الحميد الثاني على أعادة القانون الأساسي وانتخاب النواب لمجلس المبعوثان . 
بدأت الانتخابات لأول مجلس للنواب في ظل الدستورعام1908 ، وكانت جمعية الاتحاد والترقي هي مشرفة على  جهاز الانتخابات وقد تدخلت لإدارة هذا الجهاز بطريقة ضمنت نجاح الأغلبية من مرشحيها.
ومن طريق المندوبين والمراقبين الذين كانوا يتجولون على المنازل ويسلمون الناخبين أسماء من يريدون انتخابهم من أعضاء ومؤيدي ( جمعية الاتحاد والترقي) ،ويبدو أن الاتحاديين لجأوا إلى هذا الأسلوب بسبب خوفهم من منافسة العناصر المناوئة لهم من المحافظين وأعوان السلطان والذين تضررت مصالحهم ومنافعهم ، وكذلك لضمان فوز مرشحي الاتحاديين في الانتخابات وقد هيئت المستلزمات جميعاً لإنجاح أجراء الانتخابات التي حدد موعدها في (24 تشرين الثاني 1908) كما وضعت الشروط لاختيار أعضاء مجلس المبعوثان العثماني.
جرت الانتخابات النيابية لمجلس المبعوثان على وفق قانون الانتخابات لأول مرة ، وحصلت ( جمعية الاتحاد والترقي) على الأكثرية النيابية في مجلس المبعوثان .
 وقد مثل العرب  في مجلس المبعوثان بستين  نائباً عن الولايات العربية للدولة العثمانية وكان اختيارهم ينحصر طوال دورات المجلس الثلاث على أبناء الأسر الموسرة والمثقفين ، و أنتخب ساسون حسقيل نائباً عن لواء بغداد لكونه من المشهود لهم بالكفاية الإدارية والمالية . وأفتتح المجلس في (17 كانون الأول 1908) وحضر السلطان عبد الحميد الثاني حفل الافتتاح.
شعرت جمعية الاتحاد والترقي بأنهيار شعبيتها في الانتخابات الفرعية التي جرت في الإستانة لانتخاب نائب عنها بدلاً من أحد النواب المتوفين ونجح فيها المرشح الائتلافي طاهر خير الدين، الأمرالذي زاد من حدة المعارضة في مجلس المبعوثان ضد الاتحاديين ففكروا بحل المجلس وابتدعوا فكرة تعديل المادة
(35) من القانون الأساسي سبباً لحل المجلس وافق السلطان على حل المجلس تحت ضغط الجمعية واصدر أمره بذلك في (18 كانون الثاني 1912) وبموافقة مجلس الأعيان قرر أجراء الانتخابات في غضون ثلاثة أشهر أبتداءاً من تاريخ حل المجلس . 
وشهدت انتخابات عام 1912 شكلآً جديداً فيما يختص بالدولة العثمانية، فهي أول انتخابات تشهد صراعاً حزبياً منظماً بين ( جمعية الاتحاد والترقي ) و(حزب الحرية والائتلاف) ،جاءت نتيجة الانتخابات بحصول الاتحاديين على أكثرية ساحقة في مجلس المبعوثان،ولم يتعد عدد المعارضين أربعةً أو خمسة مبعوثين وقد أنتخب ساسون حسقيل نائباً عن بغداد  للمرة الثانية . 
كشف ما حصل في انتخابات عامي 1908 و 1912عن عدد من الأساليب والممارسات المرفوضة من كثير من شرائح المجتمع العثماني، فتدخلت المؤسسة العسكرية للوقوف بوجه الاتحاديين ، وكانت هناك مجموعة أطلقت على نفسها
( جمعية ضباط الإنقاذ) الذين اعتصموا قرب العاصمة استانبول في
( 11 حزيران 1912)، وطالبوا باستقالة الحكومة الاتحادية ، وحل مجلس المبعوثان، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة . فأضطرت الحكومة الاتحادية
إلى الاستقالة في (9 تموز 1912 ) وخلفتها وزارة برئاسة أحمد مختار باشا
في ( 17 تموز 1912) ، وحل مجلس المبعوثان في ( 5 آب 1912). وفي
( 13 آب 1912) أصدرت وزارة أحمد مختار باشا بياناً حذرت فيه من التلاعب بالانتخابات ومنعت موظفي الدولة من التدخل فيها ،وحددت كذلك شهر آب موعداً للانتخابات  .
أدى نشوب حرب البلقان (في تشرين الثاني عام 1912 إلى تأجيل الانتخابات ، وقد أستعمل الاتحاديون هذه الحرب لتأليب الناس ضد ( حزب الحرية والائتلاف) ، وشرعوا الى قلب نظام الحكم، وتألفت على أثره وزارة اتحادية في ( 23 كانون الثاني 1913) برئاسة محمود شوكت باشا ،وأصدر الاتحاديون أوامرهم بأجراء الانتخابات في أواخر عام 1913 وأوائل عام 1914, وعادوا إلى أساليبهم في الضغط والإكراه ليضمنوا فوز مرشحيهم. وأعلنت نتائج الانتخابات في ( 4 كانون الثاني 1914)، وانتخب ساسون حسقيل نائباً عن بغداد
وفي مجلس المبعوثان العثماني ، مارس النواب العرب حقهم الدستوري في مناقشة الأنظمة والقوانين ومطالعتها ، وكان المجلس ميداناً خصباً لطرح الأفكار والمطالب العربية  . كان لساسون حسقيل أثراً وموقفاً إزاء القضايا طرحت في مجلس المبعوثان ومنها قضية شركة لنج للملاحة النهرية .

قضية لنج
أدى الانقلاب الذي قادته ( جمعية الاتحاد والترقي ) عام 1908 الى ازدياد النشاط البريطاني السياسي في العراق ، وكان من جرائه أن أهملت البواخر الحميدية في المياه العراقية فتحرج الوضع وصارت الفرصة مواتية لبريطانيا للسيطرة عليها ومن ثم السيطرة على أهم جزء يسير فيه خط حديد بغداد المقترح .
لذا سعت بريطانيا للتباحث مح حكومة حسين حلمي باشا بشأن تحويل شركة لنج إلى شركة عثمانية بحت على أن يكون علمها عثمانياً بدلاً من العلم البريطاني الذي ترفعه على بواخرها ، وأن يكون امتيازها احتكاراً إذ لا يعطى امتياز آخر لشركة أخرى طول مدته البالغة (75) عاماً  ،و يكون للحكومة العثمانية حق فتح أنهار العراق للملاحة العامة لكل الدول بعد مرور (37) عاماً ، على أن تدفع الحكومة ضمانات معتدلة، أو بعد (50) عاماً بلا ضمانات، وأن تكون نصف أسهم الشركة الجديدة في الأقل ملكاً للحكومة العثمانية و37% لشركة لنج و13% للماليين البريطانيين ، وأن يكون مجلس الإدارة مؤلفاً من أربعة عثمانيين وأربعة بريطانيين ويكون الرئيس من هؤلاء وتكون الشركة تحت أشراف وأدارة القوانين العثمانية .
قدم الصدر الأعظم حلمي باشا المشروع إلى السلطان محمد رشاد فنال موافقة السلطان على دمج شركة الملاحة النهرية مع شركة لنجمن غير أن يعرض المشروع على مجلس المبعوثان للإطلاع عليه ، ولما وصلت أخبار هذا الاتفاق إلى ولاية بغداد أحتج أهلها عليه بشدة، ولاسيما التجار الذين أبرقوا إلى العاصمة برغبتهم في شراء بواخر الإدارة النهرية واعتراضهم على بيعها لبريطانيا الذي يخشى سيطرتها على نهري دجلة والفرات واحتكارهم للملاحة ورفعهم لأسعار النقل وشحن البضائع  . 
أدعى الصدر الأعظم في جلسة 28 تشرين الثاني عام 1909 أن منح الامتياز لا يضر بمصالح الدولة خلافاً لما جاء في تقارير النواب ، بل إنه يحقق فوائد جمة لها ،وأكد أن الغاء هذا المشروع سيؤدي الى الاصطدام بريطانيا، مما يسبب مشاكل للدولة العثمانية ، وبين أنه ليس بالمشروع حاجة الى عرضه على مجلس المبعوثان ، فالمادة (100) من الدستور ، تبيح للحكومة حق منح الامتيازات إذا لم تترتب عليها أية تبعات مالية ، وعلى الرغم من المعارضة الشديدة في داخل مجلس المبعوثان لهذا المشروع ، ألا أن الحكومة الاتحادية برئاسة حلمي باشا نجحت في الحصول على (168) صوتاً مؤيداً للمشروع ضد (8) أصوات اغلبها من النواب العرب .
أنتقل صدى موقف النواب العراقيين من امتياز شركة لنج إلى خارج أروقة مجلس المبعوثان ، فتحدثت عنه الصحافة العثمانية ولاسيما بعد إن نظم ساسون حسقيل ، حمله إعلامية في الصحف التركية حذر فيها من مشروع دمج المراكب البريطانية والعثمانية . وقد تعززت الحملة حينما أشارت تلك الصحف إلى أن الألمان سيطالبون بدورهم بامتيازات مماثلة . ولم يقتصر نشاط ساسون على شن حملة إعلامية في الصحف فقط ، فقد تجول في نهر دجلة بدأها من البصرة صعوداً إلى بغداد ، داعياً فيها التجار والأعيان إلى الوقوف ضد هذا الاتفاق ومحذر إياهم من مخاطره على الاستثمارات المحلية في قطاع الملاحة النهرية ، فاحتل عدد من تجار بغداد باحتلال بناية البرق في المدينة وطالبوا بحضور مندوب عن رئيس الوزراء لمناقشته في مسألة إلغاء الاتفاق وظلوا محتلين البناية أيام عدة  . وإزاء اشتداد الضغط على حكومة حسين حلمي باشا اضطرت إلى الاستقالة وخلفها حكومة برئاسة حقي باشا ،وأرسلت الحكومة الجديدة برقية إلى ولاية بغداد أكدت فيها عدم إثارة موضوع الملاحة النهرية في العراق ووعدت بعدم منح الامتياز لشركة لنج . 
ويبدو أن موقف ساسون حسقيل واهتمامه بهذه القضية يعود الى أنه سبق أن عمل لمدة أربعة أعوام مديراً للإدارة النهرية الحميدية، وأطلع في أثناء عمله على طبيعة عمل هذه الإدارة وما تمثله من أهمية فيما يخص العراق وما قدمته من خدمة لنقل البضائع بالنسبة للتجار .
قدم قسم من النواب (3) في جلسة أيار 1910 ومن ضمنهم ساسون حسقيل تقريراً الى مجلس المبعوثان تحدثوا فيه عن أحداث جزيرة كريت (4) وأطماع الدول الاجنبية فيها ولاسيما اليونان ،التي قررت ضم كريت اليها بالتعاون مع الجالية اليونانية فيها(5)،وأستوضحوا في تقريرهم عن ماهية الأجراءت التي ستتخذها الدولة العثمانية لصد العدوان المحتمل على الجزيرة وابقائها ضمن السيادة العثمانية ،وقدموا تقريراً أخر أستفسروا فيه عن الضمانات التي قدمتها الدول الأجنبية الى الباب العالي بشأن تأسيس حكومة مؤقتة في كريت ،وتحدث نواب اليمن عن إستعداد الاف العرب والمسلمين للدفاع عن تربة الولايات العربية .
أنتقد النواب العراقيون والي بغداد والسلطات الواسعة التي يتمتع بها ، فقدم عدد منهم ومن ضمنهم ساسون حسقيل  في 12 كانون الثاني 1911 تقريراً الى المجلس حملوا فيه على والي بغداد ناظم باشا (1910_1911) وعلى الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها وأتهموه بإساءة استعمال تلك الصلاحيات ،ومن الجدير بالذكر أن ولاية ناظم باشا على العراق لم تدم أكثر من أشهر معدودات،قام فيها الكثير من الأعمال والأصلاحات في مختلف الميادين ولما كان جادآ في سبيل الأصلاح كثرت المؤامرات التي كان يحوكها ضده الموظفون الذين عزلهم وعادوا الى الأستانة والتفوا حول بعض خصومه من مبعوثي الديوانية وبغداد في مجلس المبعوثان،وأخذوا يحاربونه ويوعزون صدر الاعظم عليه حتى عزله إعتباطآ. ويبدو أن الحملة النيابية ضده ما هي إلاتعبير عن أحد أوجه الصراع بين جمعية الاتحاد والترقي وحزب الحرية والائتلاف، وقد أستغل الأتحاديون تلك القضية لتحقيق مكاسب انتخابية لهم .
عن رسالة الماجستير
( ساسون حسقيل ودوره... )