مستشرقو المدرسة الإيطالية

مستشرقو المدرسة الإيطالية

بغداد/ اوراق
فنانون من مختلف الجنسيات جذبتهم المدن الايطالية التي شهدت نهضة استشراقية بلغت قمة نشاطها في روما. تفاصيل يرويها الباحث كارولين جولر في كتابه (مستشرقو المدرسة الايطالية) والصادر عن دار (المدى) للثقافة والنشر بترجمة رانيا قرداحي.

 مشيراً الى ان هؤلاء الفنانين كانوا يهوون الموضوعات الاسلامية ولم يكن يسبق للكثيرين منهم ان زاروا العالم العربي. فاسسوا الهامهم على مزيج من خيال وحقائق واقعية زودهم بها التصوير الفوتوغرافي. موضحاً ان الهواء الحبشي لم يكن وحده الذي عبر البحر المتوسط الى ايطاليا في عصر دانتي، لأن البلاد كانت مكاناً لالتقاء بين الشرق والغرب قبل المسيحية بفترة طويلة. وقد عقدت هذه الصلات القديمة علي يد فينيقيي لبنان باستقرارهم في ايطاليا وصقلية خلال القرن الثامن قبل الميلاد، وعلى يد الرومان غزاة شمال افريقيا والشرق الادنى والبيزنطيين ومن ثم العرب من سلالة الأغالبة الذين نقلوا حضارتهم من تونس الى سردينيا في جنوب ايطاليا والى صقلية نحو العام ثمانمائة. وفي وقت متأخر في العصور الوسطى غادر تجار الموانئ الايطالية باتجاه آسيا الوسطى وما وراءها، فيما تمثل مستكشفون مستقلون مثل بييترو ديلا فالي والغامض جياكومو باراتي الذي زار يوحنا ملك الحبشة بين 1656 و 1970 بماركو بولو مسجلين كتابة خبراتهم في الشرقين الادنى والاقصى كي تتعلم منها اجيال المستقبل. وفي القرن العاشر اسس تجار من امالفي جنوب ايطاليا حيهم الخاص في القسطنطينية حيث صنع الجنويون القانون على مدى عدة قرون، ثم عاد معماريون أمالفيون الى ايطاليا بعد ان تعلموا فنهم في الشرق الادنى كي يعيدوا بناء كنيسة مونتيكاسينو عام 1066. وفي عام 1479 زكى دوق البندقية مواهب الرسام جنتيلي بيلليني لدى السلطان محمد الثاني. وفي العام التالي نفذ الفنان عدة لوحات في القصر العثماني منها بورتريهات للسطان نفسه، وقد ظهرت واحدة من هذه اللوحات عام 1916 في مجموعة لايارد في البندقية حيث اقتناها المعرض الوطني في لندن. ومن بين الفنانين المشرقيين الذين استقروا في البندقية خلال عصر النهضة كان هناك حرفيو معادن نشروا اسلوب "الأرابيسك" مصحوبا بموضوعات أزهار متعرجة. وفي نهاية القرن الثامن عشر شهدت العديد من البلدان الأوروبية ولادة تجديد الاهتمام بثقافات الشرق وشمال افريقيا. وكان من اوائل الفنانين الذين اطلقوا هذا التيار الجديد الايطالي جيوفاني باتيستا بيرانيزي الرسام والمزين الحالم الذي الذي نشر عام 1769 بضعة افكار عن الديكور الداخلي مستلهمة من الفراعنة في كتاب اساليب متنوعة في مهنة الزخرفة. وفي العصر نفسه راجت في ايطاليا العمارة والزخرفة الاسلامية.. ومع قرب نهاية القرن الثامن عشر جاءت التاثيرات الشرقية على الفن والزخرفة الايطاليين من الشرقين الادنى والاقصى على حد سواء، ففي عام 1875 غادر الرسام التوريني انطونيو فونتانيزي الى طوكيو حيث درّس فيها طلابا يابانيين خلال ثلاثة اعوام انماط الفن الشرقي. وقد عاد الى ايطاليا متأثراً نهائياً بالمفهوم المكاني في فن تلك البلاد التي بدأ بدمجها في ابداعاته الخاصة. وقام هاوي المجموعات ادوارردو تشيوسوني برحلات طويلة الى الصين واليابان في نهاية القرن التاسع عشر، وبعد وفاته افتتح متحف في جنوة لعرض المواد التي جلبها معه. وزار رسام المناظر الميلاني كارلو مانسيني الصين وروما والهند كما زار مصر. وقد كان للثقافة والفن والزخرفة الاسلامية نفوذ برغم انه لم يأخذ حقه من التقدير على الرسم في ايطاليا خلال القرن التاسع عشر. وقد وجدت كتب ايطالية كانت تدرس نتفاً دقيقة من شعر صقلية العربي، ووجد رسامون مثل دومينيكو موريللي عانوا الكثير كي يتعلموا قدر ما يستطيون عن الشرق الادنى من دون ان يزوروه ابداً، وفنانون درسوا انماط الفن الغربي لطلاب من مصر وسوريا وتركيا وغيرها.. وفي نهاية السبعينات من القرن التاسع عشر بلغت النهضة الاستشراقية قمة نشاطها في روما. ولم يكن ذلك لان العاصمة استاثرت بذلك التيار الفني فقط وانما البندقية وفلورنسا وجنوة ونابولي وميلانو من مدن ايطاليا كانت لكل واحدة منها مدرستها الخاصة.. وفي عام 1882 اسس الرسام التركي المختص بالموضوعات الشعبية عثمان حمدي بيه مدرسة للفنون الجميلة في القسطنطينية، وجند برعاية السلطان العديد من الفنانين الأوروبين كي يعلموا الطلبة الاتراك الشباب، وكان منهم زونارو الذي اعطى دروس الرسم في السفارة الروسية.. وفي عام 1911 طردت حكومة تركيا الكثيرين من ايطاليي القسطنطينية رداً منها على غزو ايطاليا لليبيا، وغادر زونارو مع زوجته وابنائه الاربعة تركيا بأسى شديد كي يستقر في سان ريمو.. استمر زونارو يعمل بنشاط على موضوعات استشراقية ومناظر طبيعية ايطالية ومشاهد بحرية. عرض اعماله في شمال ايطاليا وفي مناسبات عارضة. وبعد الحرب العالمية الأولى تشارك مع الكاتب والشاعر الفرنسي أدولف تالاسو في نشر كتاب مصور عن القسطنطينية بعنوان (ديري سعادات) او اسطنبول جالبة السعد يضم مشاهد من الحياة التركية، وقد ظهر الكتاب في باريس عام 1925. وبعد وفاته نظمت في مدن ايطاليا عدة معرض احياء لذكراه.