في رواية (أرواح ظامئة للحب) البراءة في خضم الصراعات النفسية والتقاليد والأعراف الاجتماعية

في رواية (أرواح ظامئة للحب) البراءة في خضم الصراعات النفسية والتقاليد والأعراف الاجتماعية

بغداد/ أوراق
تولد بسمة بين اجواء ريفية، فتتعرض الى القيام بأعمال مرهقة بالنسبة لسنها كحال الكثيرين من الاطفال في مجتمعاتنا العراقية. لكن ثقافة ابيها تسهم بانقاذها مما تفرضه عليها تقاليد البيئة وأعرافها. احداث نطلع عليها في رواية (أرواح ضامئة للحب) للكاتبة صبيحة شبَّر، وقد جمعت ما بين التقاليد والأعراف البيئية والقبلية من جهة والتعاليم الدينية والأفكار التنويرية من جهة أخرى،

 وأيهما اكثر انصافاً  للطفولة وبراءتها.. فأول تقليد جرت طقوسة على بسمة عند ظهور سن لبني في فكها العلوي قبل السفلي، مما استدعى احضار بساط تمسك النسوة باطرافه كي يتلقفن الصغيرة البريئة وهي تقذف من أعلى السطح، وسط خوف امها ولهفتها متساءلة عن جدوى هذه العادة، فتجيبها احداهن بأنهم يحاربون الشياطين التي أنبتت لها اسناناً في الفك العلوي.. ومن الحالات النفسية التي تتعرض لها براءة بسمة في محيط بيئتها بدافع حبها للماء والاستحمام معتقدة ان جميع النساء كأمها فتدخل الحمام مع قريبة لها طالبة منها تحميمها، ولم يخطر ببالها ان المرأة تتحرج من تقديم عذر تسمعه بقية النسوة فيؤاخذنها به، لذا تظهر استعداتها، لكنها تمارس معها اسلوباً لتجعلها تندم على طلبها فتسكب الماء الساخن على رأسها وجسدها وتحممها بانزعاج وعنف مرددة: لماذا لم تطلبي من أمك ان تحممك.. ثم تظهر لنا الكاتبة جانب التخلف الذي لا يقيم وزناً لمشاعر البراءة، وذلك من خلال اطلاق عبارات ازدراء بحق الطفل من دون خطأ اقترفه حتى ينتبه لتصحيحه، فبسمة تعودت على كلمات الترحيب التي تشعرها بمحبة النساء، ولكن بعد ان تلد امها اختاً لها، تطردت بسمة من مجلس النساء بعبارة قاسية:"اجرجتي من هنا، انت لست جميلة، كنا نظن انك حلوة، ولكن اتضح اننا خاطئون، فانت لا تملكين ذرة من الحسن، اختك هذه أجمل منك". وحسناً فعلت الكاتبة بتقديمها العلاج السريع الذي يعيد لبسمة بسمتها ويخفف من وطء ما وجه اليها وما قد يسببه من كارثة نفسية، لولا اعتذار النسوة لها واقناعها بأنهن كن يمزحن معها. وهنا نجد الكاتبة تقدم المشكلة وحلها لأجل مسار اجتماعي يرتقي بالانسانية، جاعلة من شخصية الأب علاجاً لتصحيح الكثير من السلبيات التي تتعرض لها داخل الأسرة والمجتمع، فيقوم بالتوجيه والنصيحة والملاحظة. ويقول بعد ذلك: شجعت ابنتي على الخروج مع صديقاتها البنات، لتكتسب الجرأة وتثق بتفسها، وتتعلم أصول الحديث. مشيراً الى ان الحياة لا تحب من يغمض عينيه عن الوصول الى حقوقه، ومن يدع الآخرين يسلبون منه ما سال عرقه من اجله. منطلقاً من افكاره اليسارية التي تدعوه للوقوف الى جانب الشعب مطالباً بحقوقه ومناظلاً من اجل الفقراء الذين حرموا من ثروات وطنهم الغني، الأمر الذي يجعله مراقباً وملاحقا. وتلاحظ بسمة اباها يخفي اواراقاً مهمة، تسأله عن السبب فيعلمها بأنه قد يدخل السجن بسببها.. ثم يقول لها: سوف تكبرين يا ابنتي وتكونين مع الجماهير المعدمة ضد من يسرق اموالها.. وبصفتها طفلة تعيش في اسرة محافظة تلعب التعاليم الدينية دوراً مهماً في نهجها واسلوب حياتها في التربية والتعامل، وكلمتا العيب والحرام كثيراً ما تطرق مسامعها وخاصة مخالطة الاولاد وما قد يقع.. وذات يوم تقول لها زميلتها:"هل تعرفين ما يحصل بين أمك وابيك في الليل حين يكونا لوحدهما". ثم تطلب منها ان تنظر عليهما من فتحة الباب، الأمر الذي يجعل بسمة تكثر من اسئلتها باحثة عن اجابات مقنعة، وفي احيان كثيرة تتملك الحيرة امها او النساء المحيطات بها ولا يجد ما يقلن، لكن اباها بالنسبة لها المعلم الذي يرد على جميع تساؤلاتها بما يقنعها ويرضيها وينور افكارها مما جعلها الأولى في دراستها حتى بدت انها تفوق معلمتها بما لديها من معلومات تاريخية وعلمية واجتماعية اهلتها لكتابة المقالات والموضوعات. واحياناً تقوم المعلمة بكتابتها على السبورة، ثم تطلب من الطالبات نقلها الى دفاترهن.. وكثراً ما تطرق مسامعها عبارة انها صغيرة من اين لها كل هذه المعلومات.. ولكن حين طلبت منها المعلمة ان تحفظ لحن النشيد كي تؤديه امام الطالبات بصوتها العذب الجميل، ظهرت بسمة مرتبكة وناسية ومتلكة، وذلك انها لم تتعود الجرأة في اداء الفعاليات الفنية بسبب العرف الاجتماعي الذي تتبعه اسرتها. ولأبيها تعليقه في هذه المسألة، مبيناً انه في طفولته لم يستطع تعلم الفنون، ولكن الآن الدنيا تغيرت، ويجد في نفسه رغبة في تتعلم بسمة المهارات التي لم يتعلمها هو في حياته، برغم انها فتاة وعليها ان تمكث في المنزل كعادة بنات المدينة اللاتي ينتظرن قدوم البعل الذي يقصف لها جناح الارادة.