كيف صدرت جريدة الاهالي ؟ وكيف انضم كامل الجادرجي لجماعة الاهالي ؟

كيف صدرت جريدة الاهالي ؟ وكيف انضم كامل الجادرجي لجماعة الاهالي ؟

سعاد محمد مرهج التميمي
صدر العدد الاول من جريدة الأهالي في الثاني من كانون الثاني عام 1932م بعد ان قدم حسين جميل طلباً الى وزارة الداخلية في السادس عشر من حزيران عام 1931م للحصول على موافقة رسمية لاصدار هذه الجريدة.


حملت ترويسة جريدة الاهالي "جريدة يومية سياسية جامعة يعدها فريق من الشباب" لصاحبها ومديرها المسؤول حسين جميل، جاء في افتتاحيتها الاولى والتي كانت بعنوان "منفعة الشعب فوق كل المنافع" جاء فيها "جريدتنا جريدة الشعب تضع رفاهيته فوق الأهداف الأُخرى كلها، مثل تحسين المستوى المعيشي وتحقيق الاطمئنان المادي والمعنوي، وهي جريدة لا تشايع حزبا من الأحزاب السياسية الحالية، لذلك كان من مراعاة حقوق الشعب وانصافه، ان لا يصدرها الا أناس يؤثرون الشعب على أنفسهم ويرون التفاني في خدمة الامة واجبا محتما عليهم".
صدرت جريدة الاهالي بثماني صفحات تضم الصفحة الاولى المقال الافتتاحي والاخبار والتقارير الصحفية الخاصة باخبار العراق، اما الصفحة الثانية فقد حددت للموضوعات والاخبار العربية والاجنبية فيما جاءت الصفحة الثالثة تحت عنوان صفحة الادب والتي اهتمت بالاخبار الادبية والمطبوعات الحديثة التي تصدر عن دور النشر من كتب ومجلات فضلا عن تخصيص زاوية عن القصة القصيرة جداً وغالبا ما تكون مترجمة من الادب العالمي وقد امتازت هذه الصفحة بعدم الثبات إذ كانت تصدر يوم الاثنين للادب والثلاثاء للعمال والفلاحين والاربعاء تخصص للقضاء.
اما الصفحة الرابعة والتي جاءت بعنوان "محليات" والمخصصة لنشر الاخبار والتقارير المحلية ولم تغفل جريدة الاهالي الاهتمام بالاعلان اذ حددت الصفحة الخامسة عنواناً "خدمات" خاص لنشر الاعلانات الخدمية من قبل الشركات او الافراد او دور السينما وحددت الصفحة السادسة للرياضة وبالفنون الصحفية كلها من خبر وتقرير ومقال وصورة، وافرزت الجريدة صفحة تحت عنوان "خدمات" حملت الرقم  سبعة منها خصصتها الى اعلانات المحامين اما الصفحة الثامنة فكانت تحت عنوان "شؤون عالمية" والتي تناولت الاخبار والتقارير السياسية في العالم.
تعمل هيئة التحرير جميعها في تحرير ابواب الجريدة الا ان اهم فن من الفنون الصحفية التي كانت  تهتم به من دون غيره هو المقال الافتتاحي اذ تميزت كتابته باسلوب خالٍ من التزويقات اللفظية والاستشهادات الشعرية والاقتباسات النثرية، وكُتِبَ بلغة مبسطة تعرض الموضوع من دون  أي مقدمات وتخلص في النهاية الى ابداء الحلول والمقترحات، فضلا عن ان عناوين المقالات تعبر بوضوح عن الموضوع نفسه وعليه تكون المعالجات واضحة ودقيقة.
كانت اغلب موضوعات المقالات الافتتاحية تتناول المواقف السياسية الناقدة والمعارضة للاحداث السائدة في تلك المرحلة، كان من اهم كتاب جريدة الاهالي عبد الفتاح إبراهيم، ودرويش الحيدري، وجميل توما، ونوري رفائيل، ومحمد حديد، وعلي حيدر سليمان، وعبد الله بكر، وعبد القادر إسماعيل. ثم التحق بهم عام 1933م كامل الجادرجي فاصبح عضواً فعالاً في جماعة الاهالي وفي جريدتها.
لقد مثل عام 1931م منعطفا جديدا في حياة الجادرجي حيث شهد انتماءه إلى حزب الآخاء الوطني الذي كان يرأسه ياسين الهاشمي، إذ اختاره الاخير من بين الشباب ليكون عضوا في اللجنة العليا للحزب وأوعز له بتولي مسؤولية جريدة الآخاء الوطني التي كان يصدرها الحزب لطرح أفكاره والتعبير عن مواقفه.
وظهر اسم كامل الجادرجي في العدد التاسع عشر الصادر يوم الاحد 23/آب/1931م بوصفه المدير المسؤول للجريدة، وكتب المقال الافتتاحي لذلك العدد بعنوان "عيد الجلوس الملكي عبر غالية" الذي سلط فيه الضوء على الذكرى العاشرة لارتقاء صاحب الجلالة الملك فيصل الاول عرش العراق في 23/آب/1921م، فقد كانت لهذه الذكرى صداها  في النفوس لان يومها ذو قيمة في تاريخ العراق الحديث جاء فيه "يتفانى الشعب في الاخلاص لمليكه اذ يرى في ذاته حاميا لدستوره ويصون بصدور ابناءه عرشه اذ يجد في العرش رمز جهاده وعنوان سعيه في الخلاص من السيطرة الغربية ...".
لم يكتف الجادرجي بذلك، فقد حاول ان يعيد الذاكرة عندما توج الملك فيصل على عرش العراق وإثارته موضوعاً في غاية الأهمية تمثل في السيادة والحكم وعلاقة ذلك في العلاقات السياسية بين العراق وبين حليفته بريطانيا والتي يجب ان لا تتعدى صلات الدول المتحالفة المتحدة المصالح.
أراد الجادرجي ان يؤكد في مقاله ان الانتداب هو اللون الجديد من الاستعمار يتقمص ثوب معاهدة التحالف فظل الشعب من ذلك اليوم في نضال عنيف مع حليفته بريطانيا، ويتساءل هل  المصائب ان تعقد الوزارة السعيدية بعد ذلك النضال معاهدة 30 حزيران 1930 وترجع بها البلاد من الانتداب إلى الاحتلال وتحكم على العراق بأن يبقى راضخا لسيطرة اجنبية مثلوم السيادة ربع قرن؟.
بينّ كامل الجادرجي في مقال افتتاحي نشر على اربعة اعمدة وكانت الصفحة بأكملها بستة اعمدة فقط تحت عنوان "معنى السيادة في عصر الديمقراطية" دعا فيه إلى ضرورة مشاركة الشعب في ديمقراطية برلمانية صحيحة من اجل تحقيق التقدم .
اشار فيه إلى أنّ وضع الملك في الامم الديمقراطية دقيق للغاية لا يتم له الكيان الا عندما يتمتع الفرد بحقوقه كافة الاجتماعية والسياسية فالملك في الدولة الديمقراطية – ما عدا القيام بواجباته الدستورية – يجب ان يكون ممثلاً لروح العدل بكل ما تشتمل عليه الكلمة من معان دقيقة فيجب ان يحتفظ بحياده التام تجاه الأحزاب والكتل السياسية ويجب ان يراقب تطبيق القوانين بنظر حكيم وامعان تام ويجب ان يقر بالحق وينتصر له دون سواه، ويرأف بزيد كما يرأف بعمرو وبذلك دون سواه يستطيع القيام بواجبه تجاه الامة....
وبعد اندماج الحزبين [حزب الاخاء الوطني والحزب الوطني العراقي] وإصدار وثيقة التآخي بينهما كتب كامل الجادرجي مقالا افتتاحيا تحت عنوان "احتجاج الحزبين حزب الاخاء الوطني والحزب الوطني على تصرفات الوزارة من جمعية اصحاب الصنائع".
"يأسف الحزبان المتآخيان ان يصدفا من وقت لاخر حوادث مؤلمة تأتي بها الوزارة بصورة مخلة بحريات الأفراد المكفولة بالدستور مما تضطر إلى تكرار التصديع لجلالتكم بالاحتجاج عنها، إذ تأسست في هذه البلاد جمعية اصحاب الصنائع لتنظيم امور ارباب المهن وتهذيبهم والمدافعة عن مصالحهم ... وذلك لما قامت به ضد هذه الجمعية من المأساة المحزنة منها القاء القبض على رئيس هذه الجمعية، ومنها تدخل الوزارة في شؤون هذه الجمعية".
طلت علينا جريدة الاخبار في العدد (80)، إذ حملت التسلسل نفسهُ لجريدة الآخاء الوطني أي كانت امتداداً لها ونشرت في ذلك مقالا افتتاحيا بعنوان: "عطلت جريدة الآخاء الوطني" وذلك بناءً على امر وكيل وزير الداخلية إذ لم يرق في نظر وزارة الداخلية ان تستمر جريدة المعارضة على معارضتها فرأت في مقالة "ومع ذلك يجتمعون"، تحديا لمجلسهم وذكرت الجريدة (نحن لم نصف هذا المجلس بأقل من حقيقته ولم نقل فيه أكثر من رأي الحزب الصريح، والغريب ان الوزارة القائمة لا تنفك في كل انذار توجهه بأنها تتهم الجريدة المعطلة بأنها تنشر مقالات واخبارا من شأنها اثارة الكراهية على الحكومة والاخلال بسلامة الدول إلى آخر ما هنالك من غرض واتجاهات)(*) فتم تعطيلها لمدة شهر واحد.
انضمام كامل الجادرجي إلى جماعة الأهالي:
تأسست جماعة الأهالي في السنوات الأولى في ثلاثينيات القرن الماضي، فقد قدم حسين جميل طلبا إلى وزارة الداخلية في 16/حزيران/1931م لإصدار صحيفة سياسية يومية بأسم الأهالي، نيابة عن مؤسسي المشروع للحصول على امتياز بإصدار الجريدة .
ان ذلك الاختيار كان رغبة في ان يكون الاسم مشتقا من معنى الشعب، فضلا عن تأثر الجماعة التي اصدرت الجريدة بحزب الوفد المصري، وصحافته التي كانت معروفة بكفاحها الوطني، ومن ابرز جرائد الحزب آنذاك جريدة الأهالي لصاحبها عبد القادر حمزة، والتي كانت تصدر في مدينة الإسكندرية بمصر.
وبالنظر لإعجاب كامل الجادرجي بنوعية الجريدة الجديدة اذ كان المدير المسؤول لجريدة الآخاء الوطني آنذاك كتب كلمة في جريدته الأخيرة يرحب بالجريدة الجديدة ويتمنى لها التوفيق في مساعيها، وبعد مدة قصيرة شعر كامل الجادرجي انه اقرب إلى جماعة الأهالي منه إلى حزب الآخاء الوطني هذا ما اكده رفيق دربه محمد حديد في مذكراته، وروى كامل الجادرجي ذكرياته مع جماعة الأهالي قائلا : "... وقد حصلت رغبة من الجهتين على ما اعتقد فمن جهتي كنت اود الاتصال بهذه الجماعة وكانت نفس الرغبة من جهتهم فاتصلت اولا مع عبد الفتاح إبراهيم ثم عبد القادر إسماعيل وكلما اتصلنا توثقت صلتنا، واجتمعنا يوما بداري وكان الحاضرون عبد الفتاح إبراهيم ومحمد حديد وعلي حيدر وبحثنا في لزوم وضع منهج اجتماعي سياسي يكون اساساً لجمعية سياسية وخطة تسير عليها جريدة الأهالي وكان ذلك في اوائل 1933".
صدرت جريدة الأهالي و كانت تدعو إلى خطة معينة ومبدأ مقرر هو الشعبية وذلك في اوائل عام 1933م إذ اصدرت جماعة الأهالي كراسة صغيرة من ثمان صفحات تحت عنوان الشعبية المبدأ الذي تسعى الأهالي لتحقيقه و كان لعبد القادر إسماعيل دور في اعدادها. اوضحت فيه مفهوم الشعبية ومبادئها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ورغبتها في ارضاء الشعب من دون تمييز بين الأفراد، حسب الطبقة او المولد او الدين، وإلى ضرورة القيام بإصلاحات اجتماعية سريعة في العراق.
كما اكدت الحرية الشخصية و حرية الرأي و تكافؤ الفرص، وذكر عبد الغني الملاح أن الشعبية هي اقدم وثيقة سياسية واقتصادية معروفة في تاريخ العراق، وربما في تاريخ المنطقة العربية و تصلح لتكون – النواة – التي تحمل شروط النمو كلها من اجل تطور الحركة الاشتراكية والنظرة العلمية لها في العراق وما جاوره.
حوّل الجادرجي ورفيقاه جعفر ابو التمن وحكمت سليمان أفكار جماعة الأهالي، من مرحلة المثالية إلى الواقعية، اذ استطاع هؤلاء ولأنهم أكثر خبرة وتجربة واكبر سنا وأكثر معرفة بأمور السياسة، ان يحولوا جماعة الأهالي من مجرد فكرة سياسية إلى عمل سياسي بحيث اصبحت الجماعة تهتم بالسياسة اليومية، ويمكن القول انها ارتفعت إلى قوة سياسية عن طريق صحيفة الأهالي والموضوعات التي تنشر فيها والإسهامات الكثيرة لكاتبها حول القضايا التي تهم المجتمع.
لم يكن المقال موقعا باسم كاتب معين، وهذا نهج دأبت عليه الجريدة في مرحلتها الأولى التي امتدت حتى عام 1937م، ومما يدل عليه هذا النهج ان كتابة المقالات الافتتاحية في جريدة الأهالي لم يكن عملاً فرديا، وانما كان عملا جماعياً.
وعلى اثر نشرها مقالاً افتتاحيا في العدد 146 الصادر في 6/تموز/1932م، بعنوان "الأصل واحد وان تعددت الالوان" اصدرت حكومة نوري السعيد، امرا بتعطيلها لمدة ثلاثة اشهر، ولما عادت إلى الصدور نشرت في العدد 148 الصادر 8/كانون الثاني/1933م مقالا افتتاحيا بعنوان "نحن شعبيون" فقامت الحكومة بتعطيلها مرة أُخرى لمدة ستة اشهر وتوالت اوامر التعطيل إلى ان توقفت الجريدة عن الصدور في عهد وزارة جميل المدفعي في 12/آذار/1934م.
حصل كامل الجادرجي على امتياز لجريدة صوت الأهالي في 11/شباط/1934، فصدرت جريدة صوت الأهالي بدلا عن جريدة الأهالي ابتداءً من يوم 14/آذار/1934، وهي تحمل اسم كامل الجادرجي كصاحب ومدير مسؤول لها، فخصصت جريدة صوت الأهالي المقال الافتتاحي لعددها الاول للحديث عن تعطيل جريدة الأهالي.
وبسبب تعرض جريدة صوت الأهالي في ابداء الرأي في التطورات السياسية ولا سيما عن العلاقات العراقية – الإيرانية بسبب نشرها مقالين افتتاحيين ذكرت فيها المشاكل الحدودية بين البلدين تعرضت للتعطيل لمدة عام كامل حسب قرار مجلس الوزراء المؤرخ في 22/مايس/1934م لما عُدّ خطرا على سلامة الدولة.
بعد تعطيل صحف الأهالي، وجدوا من الضروري إصدار صحيفة تغذي الرأي العام، وتهاجم الوزارة فصدرت جريدة "المبدأ" إذ نشرت جريدة المبدأ مقالا افتتاحيا "خطورة الوضع الشاذ وما تتطلبه المصلحة العامة" وقد عدت الحكومة ذلك المقال خطرا على سلامة الدولة فأقدمت على غلق الجريدة.
وفي يوم 12/آذار/1935م صدرت جريدة البيان لتحل محل جريدة المبدأ وبعد صدور العدد الاول منها قامت الحكومة بتعطيلها لمدة شهر، وذلك في زمن حكومة المدفعي اذ لم تسمح لجماعة الأهالي بأية صحيفة لهم.
حصل الجادرجي في 16/تموز/1935م على امتياز إصدار صحيفة باسم الفكر الحديث، الا انها لم تصدر.
عادت جريدة صوت الأهالي إلى الصدور ولكنها ما لبثت ان عطلت لمدة سنة كاملة في يوم 12/آب/1936م(. وقد كتب كامل الجادرجي مع جعفر ابو التمن وحكمت سليمان، احتجاجاً مشتركاً إلى الملك، وقدمه إلى رئيس الديوان الملكي في يوم التعطيل نفسهُ جاء فيه :
إلى صاحب الجلالة الملك المعظم
"بدلا من ان تتعظ الحكومة من الاستياء العام الناشئ من تصرفاتها في تلك الحادثة [ويقصد بها اغلاق جريدة البيان] فتكفر عن ذلك باحترام القوانين والحريات عادت واصدرت امرها اليوم إلى الشرطة فاحاط أفرادها بمطبعة الأهالي وانتزعوا بالعنف والشدة والضرب اعداد جريدة صوت الأهالي من ايدي المتأهبين لبيعها اثناء خروجها من دار المطبعة".
توقفت جريدة الأهالي عن الصدور اثناء المدة 1937م-1942م أي بعد استقالة كامل الجادرجي وزملائه من وزارة حكمت سليمان واقتصرت العلاقة بين جماعة الأهالي على اللقاءات الشخصية. وفي 23/أيلول/1942م عادت جريدة صوت الاهالي الى الصدور، إذ أشارت في مقالها الافتتاحي "الشعب والحكومة" إلى أهمية الثقة المتبادلة بين الحكومة والشعب بوصفها العنصر الأساس الذي يقوم عليه الحكم الوطني، كما استمرت الجريدة في دعوتها لمعالجة مشاكل البلاد الاقتصادية والإجراءات الواجب اتباعها لتخفيف وطأة الأزمة الاقتصادية والدعوة للحريات الديمقراطية والتنظيم السياسي.

عن رسالة ( كامل الجادرجي واسهاماته الصحفية )