إنذار إلى العائلة الملكية..إنذار إلى العائلة الملكية

إنذار إلى العائلة الملكية..إنذار إلى العائلة الملكية

تسلمت قائممقامية خانقين عام 1926 وبعد شهرين ترامى إلى ان اصحاب المزارع والبساتين مستاؤون من مأمور توزيع المياه وذلك لإعطائه المزرعة الملكية حصة أكثر بكثير مما تستحقه. عليه أحضرت المأمور المذكور واستوضحت منه حقيقة الواقع فاعترف بذلك واعتذر مشيراً إلى انه مضطر على ذلك مجاراة لوكيل المزرعة شاكر بك فأمرته بألا يترك مجالا لتقولات الناس

 وتذمرهم وأفهمته بان (جلالة الملك) لو سمح بذلك لاستاء جدا لأنه لا يرضى بمثل هذه الأعمال مطلقا ثم طلبت ان يقسم المياه بصورة عادلة فصدع للامر.
بعد مرور شهر واحد ورد منشور وزارة المالية الذي يضمن الإلحاح على تحصيل الديون المتراكمة بذمة المكلفين، وعند تدقيقي لقائمة المكلفين وجدت ان اكبر مبلغ من بقايا الديون هو بذمة المزرعة الملكية على الفور احضرت وكيل المزرعة المرحوم شاكر بك وطلبت اليه اتخاذ ما يلزم لتسديد هذه البقايا فأجابني بشيء من العنف انا لست مسؤولا عن دفع البقايا وإنما انا وكيل إدارة المزرعة التي خفضت انت حصتها المائية التي كانت مستمرة قبل مجيئك وهناك صفوت باشا العوا رئيس الامناء في البلاط الملكي ويمكنك إخطاره كما تخطر المكلفين الآخرين.
حينما بلغ الاستخفاف الى هذا الحد قلت له: واني على استعداد الآن لإخطاره كما اخطر المكلفين الآخرين (واني واثق من عدل جلالة الملك) هنا أخذت القلم وكتبت برقية هذا نصها:
بغداد
رئيس الأمناء صفوت باشا العوا
المزرعة الملكية مدينة لصندوق جلالة الملك بمبلغ قدره (3500 روبية) ارجو دفعه خلال عشرة ايام.
بعد مرور ثلاثة ايام على هذه البرقية وصلتني حوالة مستعجلة بكامل المبلغ فتسلمها مدير المال وادخلها القيود الخاصة بذلك
مر شهر على هذا الحادث الذي صار له وقع كبير لدى الاوساط الشعبية، وصل جلالة الملك فيصل الاول الى خانقين بالقطار وعند مثولي بين يديه في المحطة امرني بالحضور الى المزرعة عصرا وفي الوقت المحدد تشرفت بمقابلة جلالته: فسألني عن حادث سلب البريد على حدود ايران والذي اتهم به بعض رؤساء القرى، فعرضت عليه تفصيل ذلك وما انتهت اليه اجراءاتي بعد العثور على المسروقات واعتراف المتهمين بجريمتهم فظهر ارتياحه لهذا الاجراء الحازم ثم فاجأني جلالته مباشرة باسئلة متلاحقة وهذا نصها:
س: كيف حال المزرعة؟
ج: اخذت بالتقدم بهمة شاكر بك وعنايته.
س: وهل تأخذ حصتها من الماء كاملة؟
وهناك فاجأني جلالته مبتسما بأسئلته التالية:
س: هل وصلت الحوالة بالمبلغ المستحق للخزينة العامة ومتى وصلت بعد برقيتك الى رئيس الامناء؟
ج: نعم سيدي وصلت بعد ثلاثة ايام (كان جوابي فيه من الدهشة اذ كيف تسرب مضمون البرقية الى جلالته).
س: اما قلت في نفسك من اين طلعت عين الشمس كما في المثل العراقي وحول صفوت باشا هذا المبلغ بتلك السرعة وهو المشهور بالتقتير.
ج: بلى يا سيدي
س: اتدري كيف تم تحويل المبلغ؟
ج: لاسيدي وقد تحيرت في تعليل ذلك لاني اعرف صفوت باشا وتقتيره المعروف وكما تفضلتم جلالتكم قلت من (من اين طلعت الشمس).
ضحك جلالته وقال الآن اشرح لك ما حدث ونحن نشرب الشاي.
شاهدت من على بعد صفوت باشا وهو يتسلم من احد الموظفين برقية ثم اخذ يقرأها بامتعاض بعد ذلك وضعها في جيبه.
ولما عدت إلى غرفتي طلبته وقلت له (يا صفوت إن كانت البرقية شخصية لك فلك ألا تذكر لي مالها. وان كان على العكس فأرني إياها فقدمها لي ولما اطلعت عليها سألته لماذا تبقون ذمتنا معلقة؟ فأجاب ننتظر تحسن سعر الحنطة والشعير في الأسواق لنبيع ما لدينا ونسدد بعد ذلك ديوننا فاستأت من هذا العذر الواهي وقلت له بالضبط نحن لسنا تجار يا صفوت ثم أقسمت إن لم يحول المبلغ فورا وخلال ثلاثة أيام فانه سيفقد عطفي عليه وهكذا حول إليك المبلغ بهذه السرعة ثم ابتسم ابتسامة مرحة.
وعقبت على ذلك أن كل ما ارجوه من سيدي أن يضع ثقته بي لأني احرص كثيراً على تطبيق رغباته السامية من عدل ومعالجة صحيحة لحقوق الناس ليتركهم دوما يلهجون بالدعاء له.
فابتسم مرة أخرى وقال: اطمأن إنني، أرى كل فرد من أبناء الشعب بمثابة ولدي ولا أريد منك سوى معاملتهم بالحق وتقديرهم على احترام الأنظمة والقوانين وثق باني إن لم اعتمد عليك وعلى أمثالك من المخلصين الذين يمثلونني في الوحدات الإدارية فكيف استطيع أن احكم البلاد.
هنا انتهى الحديث وانصرفت من المزرعة وكل جوارحي مملوءة بالإعجاب لهذه المزايا الكريمة والروح السامية.

يوميات 4 نيسان 1952 خليل عزمي