كيف اختير احد الموظفين الشباب رئيسا للتشريفات الملكية ؟

كيف اختير احد الموظفين الشباب رئيسا للتشريفات الملكية ؟

شريف خشن الشويلي
شكل جميل المدفعي  وزارته الثانيـة (21 شباط 1934) ، وعين جلال بابان ، وزيراً للمعارف، وقد عمل على نهج السياسة التعليمة على وفق البرنامج الحكومي السابق، وكان إجراءها الأول نقل عبد الكريم الأُزري من سكرتارية وزارة المعارف إلى وظيفة معاون رئيس البلاط الملكي، أن المكانة المرموقة التي يمثلها البلاط الملكي،

 تأتي من كونه يمثل الواجهة الرسمية للدولة العراقية، والمقر الرسمي للملك، ويؤمه كبار موظفين الدولة مدنيين وعسكريين وموظفو السلك الدبلوماسي، فضلاً عن الزوار والضيوف من مختلف أنحاء العالم، وقد حتم ذلك وضع شروط دقيقة عند تعيين العاملين في البلاط الملكي من رئيسه حتى أصغر الموظفين حيث كان اختيار الموظفين يتم على وفق اختبارات عديدة، فأما أن تزكيه بعض الشخصيات المعروفة لدى البلاط أو أن يكون حاصلاً على شهادة علمية تؤهله لشغل الوظيفة، أو بسبب تراكم خبراته الوظيفية، ويشترط للمتقدم بالتعيين أن يكون من ذوي الأخلاق الجيدة وغير محكوم عليه بجنحه سياسيه، ويفضل عند التعين من يجيد أكثر من لغة،على أن يوضع الموظف المعين تحت التجربة لمدة سنة واحدة. 
بعد التشاور مع علي جودة الأيوبي ، صدرت الارادة الملكية بتاريخ السابع من أيار عام 1934 وتحمل توقيع الملك غازي ، بنقل عبد الكريم الأُزري من منصبه وتعيينه معاوناً لرئيس الديوان الملكي في السابع من أيار من العام المذكور ،على الرغم من كونه في بدء حياته الوظيفية ، وعمره لم يتجاوز الخمس والعشرين سنة .
تتمثل مهمة الأُزري بمساعدة رئيسه في الاعمال والواجبات التي يتطلب القيام بها ، كما أنه حل محل رئيس الديوان وكالةً عند غيابه مرات عديدة، فضلاً عن أن الأُزري كان يقرأ التقرير الأسبوعي السري الذي تصدره شعبة التحقيقات الجنائية التابعة إلى مديرية الشرطة التي كانت ترسل نسخة منه إلى رئاسة الديوان الملكي لاطلاع الملك عليها، ويوضح التقرير وضع البلاد خلال الأسبوع الماضي من تاريخ إصدارها، فيتناول نشاط التيارات السياسية وأهم الحوادث التي تشهدها البلاد، وعلى معاون رئيس البلاط أن يلفت النظر إلى المسائل المهمة الواردة في التقرير عند عرضها على الملك.
انصرف لأداء الأعمال الروتينية التي يتطلبها منصبه الوظيفي، وقد هيأ له ذلك وقت فراغ كبير أنكب فيه على قراءة الأوراق الخاصة بالملك فيصل التي احتوت على مذكرات ورسائل متبادلة بين الأمير فيصل قبل تتويجه ملكاً على العراق وضباط وقادة الثورة العربية الكبرى، أو تلك التي تبادلها الملك مع المندوبين الساميين منذ العام 1921 وحتى دخول العراق في عصبة الأمم عام  1932، وغيرها من الأوراق الأخرى التي تخص تاريخ العراق خلال تلك الحقبة.
لم يترك شاردة ولا واردة في أوراق البلاط الملكي إلا وقرأها، واتضح له الدور الريادي والجهود الجبارة التي بذلها الملك فيصل، والصعوبات والمشكلات التي واجهها وتغلب عليها في تكوين العراق وتحقيق استقلاله النسبي، وقد مارس الأُزري عمله بكل كفاءة، الامر الذي أستوجب منحه وسام الرافدين من الدرجة الخامسة ومن النوع المدني في العاشر من تشرين  الأول عام 1934.
عدّ الأُزري شاهد عيان على ما يجري داخل أروقة البلاط الملكي ، ثم أنه قد اطلع على خفايا الأمور التي كانت تدار خلف الكواليس السياسية، وتمت له معرفة مجريات الأمور السياسية والاقتصادية، كما انكشفت له وبشكل لا يقبل الشك أسرار أواصر الصداقة المبنية على مصالح شخصية مع الملك غازي ويعتقد الأُزري أن الصداقة الوثيقة بين رئيس الديوان الملكي علي جودة الأيوبي ورئيس الوزراء جميل المدفعي قد شكلا جبهة حازت ثقة الملك على حساب جبهة المعارضة والتي تتألف من ياسين الهاشمي ورشيد عالي الكيلاني .
من ذلك يتضح بأن الأيوبي له تأثير كبير في الملك غازي مستغلاً قلة دراية وخبرة الملك بأمور الدولة، وجهله بشؤونها فشكل تحالفاً مع السيد كورنواليس، لتأليف الوزارة، فكان له ما أراد، وفي هذا الصدد يذكر الحصري قائلاً: " استحق عن جدارة لقب المستشار البلاطي الأول".
ومن نتائج تحالفاته المتكررة مع العديد من الساسة البريطانيين والعراقيين استطاع تشكيل الوزارة في (27 آب 1934-23 شباط 1935) ، وعلى أثرها أصبح الأُزري رئيساً للديوان الملكي بالوكالة في السابع و العشرين من اب عام 1934  ، كما أكدته وثيقة عراقية صادرة من الديوان الملكي وموجهه إلى سكرتارية مجلس الوزراء في 30 اب 1934 ضم محتواها أمر الملك غازي بإسناد وكالة الديوان الملكي والسكرتير الخاص إلى عبد الكريم الأُزري بدءاً من تاريخ إسناد منصب رئاسة الوزراء إلى الأيوبي، كما طلب من الخزينة المركزية اعتماد توقيع الأُزري على الأمور المالية المتعلقة بالبلاط الملكي.
شغل الأُزري منصب رئيس الديوان الملكي وكالةً، وبذلك عدَّ من كبار موظفي الدولة وهو المسؤول عن إدارة شؤون البلاط بوجه عام والديوان بوجه خاص، حيث أخذ على عاتقه عرض القضايا والمخاطبات الرسمية وكل ما يتعلق بأمر الدولة على الملك، وأصبح سكرتير الملك الخاص كما أنه الواسطة الأولى لتبليغ الإرادات الملكية. امتاز عبد الكريم الأُزري بجملة من المؤهلات كان لا بد من توفرها برئيس الديوان هي: الحياد التام وعدم الانحياز لأية جهة كانت، والإخلاص للعرش كونه فوق كل الاعتبارات السياسية، ويجب أن ينظر اليه بوصفه رأس لقمة الهرم السياسي، وأن يوجهه نحو الصالح العام، لا أن يتخذ منه وسيلة للكسب المعنوي والمادي، ومن واجباته أن يكتب الخطابات التي يلقيها الملك في المناسبات، ويرد على مكاتباته الخاصة، كما يستمتع الأخير بنفوذ كبير وسلطة توازي سلطة رئيس الوزراء أو وزير الداخلية وله الحق للبت في القضايا المهمة كطلبات التعيين وفك الاختناقات المالية الموجودة داخل الخزينة المركزية والنزاع حول الأراضي.
يبدو أن أحد هذه الشروط لم يكن الأُزري ملتزماً بها ألآوهيه، اغتنامه فرصة إجراء انتخابات جديدة، وبحكم عمله رئيساً للديوان الملكي، فذكر الأيوبي بتقصير الوزارات السابقة بحق والده عبد الحسين الأُزري، فساعدت تلك الوزارة على انتخابه نائباً عن لواء الديوانية .
والسؤال الذي يطرح نفسه هل  عبد الحسين الأُزري لا يستحق أن يرشح في المجلس النيابي؟ وهو صاحب سجل وطني زاخر بالتحديات ضد الاحتلاليين العثماني والبريطاني إذ كان صحفياً من الطراز الأول وكاتباً وشاعراً وسياسياً ووطنياً ، وهناك من يعمل داخل أروقة البرلمان وهو لا يمت للوطنية بشيء. إلا لكونه من كبار رؤساء العشائر أو الإقطاعيين، ويجهل أموراً كثيرة أبسطها التكلم باللغة العربية الفصحى.
اتخـذ عبد الكريـم الأُزري سلسلة مـن الإجراءات خـلال ترأسه لديوان الملكي واتصفـت أعمالـه بالمطالبـة المشروعـة، وكـان فـي مقدمتـها ترفيـع الموظفين ذوي
الاستحقاق والذين لم ينلهم الترفيع منذ مدة طويلة وكان في مقدمتهم تحسين قدري، رئيس التشريفات الملكية، معللاً ذلك أن ما يتطلبه هذا المنصب من مؤهلات خاصة على جانب من الدقة ولاسيما بعد إلغاء منصب كبير الأمناء الذي كان يشغله عبد الله الدملوجي، مما جعل رئيس التشريفات ينفرد في مسؤولية اشغال المنصبين كاملةً، وأضاف الأُزري أن هذا المنصب له أهمية ومركز كبيرين في البلاط الملكي ولاسيما فيما يبذله اتجاه الهيئات الدبلوماسية، ونظراً للمشاكل التي كانت تعاني منها الخزينة لم يؤخذ باقتراح الأُزري.
لم يشهد ملاك موظفي البلاط الملكي وعماله أيةّ تغيرات تذكر عند تولي الملك غازي العرش، لأن الميزانية العامة للسنة المالية 1933 كانت قد أقرت في نيسان من العام المذكور، فطلب رئيس الديوان الملكي، وضمن الاستعدادات الجديدة للسنة المالية 1934 من وزارة المالية استحداث وظائف جديدة، مثل وظيفة مدير إدارة البلاط، ومساعد ثاني لرئيس التشريفات الملكية، وملاحظ وكاتب، وأوضح أن السبب يعود إلى تضاعف أعمال البلاط الملكي عما كان عليه في السنوات السابقة، نتيجة كثرة المسؤوليات المناطه به تجاه الملك، مما أنعكس سلباً في العمل الإداري للبلاط الملكي، غير أن وزارة المالية لم تلب طلب الديوان الملكي، بعد أن أجرت مقارنة مع الدوائر الحكومية الأخرى المشابهة لإعمال الديوان الملكي، وفي حقيقة الأمر كان هذا عذراً قد تذرعت الوزارة به لأنه لا توجد دائرة حكومية في الدولة تشابه في إعمالها الديوان الملكي.
وإزاء ذلك قرر الأُزري تقديم ميزانية البلاط الملكي في الثامن و العشرين من تشرين الأول للسنة المالية 1935، التي حددت الإيرادات المخمنة وقدر عبد الكريم الأُزري نفقات البلاط المقدمة لها بـ(340) ديناراً، جاء (140) ديناراً منها ضريبة الدخل، في حين يستحصل القسم الآخر وقدره 200 دينار من التوقيفات التقاعدية، وقدر الأخير مصروفات البلاط بـ57809 ديناراً.
من ذلك يتضح أن الأُزري عالج موقف ميزانية البلاط بصورة دقيقة جداً حيث قدم ميزانية البلاط للسنة المالية الجديدة لعام 1935على وفق دراسة متأنية ودقيقة، وجاء في دقتها أنها كانت متقاربة مع ميزانية العام السابق وأن انخفضت عنه بمقدار قليل جداً ومقداره 49 ديناراً.
لم يرضخ الأُزري أمام قطع الطريق عليه من وزارة المالية، وإنما بقى يمارس مهماته الوظيفية بصفته رئيساً للديوان الملكي بالوكالة مشدداً على الوزارة المذكورة بإجراء اللازم من أجل تعيين موظفين جدد، يعملون على خدمة البلاط عن طريق تعيينهم في البلاط الملكي، ثم أنه مارس سلطاته بمنتهى الدقة والالتزام والحرص والأمانة وعمل في ضمن إطار الأنظمة والقوانين الوظيفية، زد على ذلك إبداءه المساعدة لكل من يطلبها ولاسيما موظفي الديوان.
إن عدم رضوخه أمام ما أصدرته وزارة المالية قد عرضه لعقاب مادي هذه المرة وهو تخفيض راتبه من 42 ديناراً إلى 36 ديناراً ، وقد تذرعت الوزارة المذكورة بأن الموظف الذي عين لإشغال هذه الوظيفة يتقاضى راتباً من الدرجة الخامسة وليس من الدرجة الثالثة.
يتضح من ذلك أن إجراءات الأُزري التي أكد بها على ترفيع الموظفين لكفائتهم ونشاطهم في العمل بوصفه جزء من التكريم والامتياز عن أقرأنهم في دوائر الدولة الأخرى، وهو ما تعارض مع توجه وزارة المالية، التي أصرت على بقاء الموظف في درجته مدة خمس سنوات، هي المدة القانونية المحددة لتعديل درجات الموظفين ترفيعاً برأيها.
وعلى الرغم من بقاء الأُزري رئيساً للديوان الملكي بالوكالة، إلا أن رئاسة الديوان الملكي أصبحت شاغرة مما جعل السياسيين الكبار يتهافتون على إشغال هذا المنصب لما يشكله من مكانه مرموقة بالقياس مع بقية دوائر الدولة الأخرى، وكانت المبادرة الأولى من نوري السعيد ، الذي اقترح تعيين جعفر العسكري وزير العراق المفوض في لندن، رئيساً للديون الملكي، وقد أيدت السفارة البريطانية هذا الاتجاه، أن لم تكن هي صاحبة الاقتراح، الذي استهدفت من وراءه الاشتراك في السيطرة على الملك غازي، وذهبت هذه المحاولة إدراج الرياح بعد أن أهمل الملك غازي طلباً تقدم به العسكري بهذا الخصوص.
توجهت الأنظار نحو إيجاد بديل مناسب عن الأيوبي،لاسيما أن الملك غازي وكثير من الشخصيات السياسية المؤثرة كانت ترى في رستم حيدر الحل الأنسب لتهدئة خواطر المعارضة السياسة لوزارة الأيوبي، وسرعان ما اكتسب هذا التوجه الصدى الحسن لدى السفارة البريطانية.
فصدرت الإرادة الملكية في الخامس والعشرين من تشرين الثاني عام 1934بتعيين رستم حيدر رئيساً للديوان الملكي وسكرتيراً خاصاً للملك ،على الرغم من محاولات الأيوبي التي كانت تصب في اتجاه معاكس، حيث حاول إسناد منصب سياسي مهم له خارج العراق، حال من دون رفض رستم حيدر هذا الإسناد.
ويرى عبد الكريم الأُزري أن تعيين رستم حيدر رئيساً للديوان الملكي يعدَ من محاسن وزارة علي جودة الأيوبي، وأنّه اختيار موفق لما تمتع به رستم حيدر من مزايا وخبرات متراكمة تجمعت لديه من خلال المدة الطويلة التي شغلها في هذا المنصب سابقاً، مضيفاً أن الأيوبي رضخ لصدور الإرادة الملكية وقبلها على مضض وكان مجبراً على تنفيذها .
كما اعتقد الأُزري أن تعيين رستم حيدر سوف يغلق الأبواب بوجه خصومه السياسيين من الاستيلاء على هذا المنصب المهم والذي بواسطته يمكن التأثير في الملك، تسلم الأُزري مهام عمله معاوناً لرئيس الديوان الملكي على أثر تعيين رستم حيدر رئيساً للديوان الملكي.
شعر الأُزري منذ بداية تعينه بأن الملك غازي شخص قليل الخبرة لم تصقله أو تعده التجارب للاضطلاع بمسؤولية الحكم، وكان بعيداً عن شؤون الدولة ومنصرف إلى حياته الخاصة، ومتمسك برأيه فكانت تلك الأمور كما اعتقد الأُزري سبباً في عدم التأثير في الملك من الشخصيات الإصلاحية، ولاسيما عدم تأثير رستم حيدر عليه بشكل فعال ومؤثر كما كان عليه في عهد أبيه الملك فيصل.
زاول الأُزري أعماله الروتينية بكونه معاوناً لرئيس الديوان الملكي منذ تاريخ الخامس و العشرين من تشرين الثاني عام 1934، وأضيفت إليه مهمة الإشراف على أموال السلف الخاصة بالموظفين وإيداعها مرة ثانية إلى الخزينة المركزية ، خلال مدة عمله في وظيفته حصل الأُزري على إجازة أمدها شهرين، سافر إلى لبنان فلسطين.
وأخذ الملك غازي يفكر بأنه من الضروري تأليف وزارة قوية تحضى بثقته من جهة، وثقة رجال العشائر من جهة ثانية، ونتيجة لذلك ألف ياسين الهاشمي وزارته الثانية (17 آذار 1935 – 29 تشرين الاول 1936).
أراد ياسين الهاشمي كسب ود شيوخ العشائر عموماً، كما أراد الحصول على الأكثرية التي تؤازره في مجلس النواب، فأقدم على حل البرلمان في التاسع من نيسان عام 1935، وأجرى انتخابات جديدة ونجح في كسب ود كل من جعفر العسكري ونوري السعيد بإشراكهما بالوزارة واعتقد أنه تمكن من تجميد المعارضة التي يمثلها الساسة التقليديون أمثال علي جودة الأيوبي، وجميل المدفعي، وحكمت سليمان، ولما كانت هذه المعارضة تتمتع برصيد بين بعض العشائر أو رجال الدين مكنها من تحريكهم ضد الحكومة فأنه استخدم الجيش في إخماد المعارضة الجديدة.
انتقد الأُزري الأوضاع القائمة مشيراً إلى عدم إدراك السياسيين بأن القوة العشائرية لها أثر فعال في تغيير مجريات السياسة ولابد من استعمال الحلول الدبلوماسية لحل القضايا العالقة، كما انتقد الإجراء الذي أقدمت عليه وزارة الهاشمي ضد زعماء الفرات الأوسط ـ حتى ضد من آزروه، ونتيجة لاتخاذ ياسين الهاشمي العديد من الإجراءات التي قيد بها سلطة الملك، قدم الأُزري اقتراحاً من شأنه أن يعيد ثقة الشعب بالملك الا وهو، تزويد كل متصرف "محافظ" حينما تصدر الإرادة الملكية بتعيينه، بكتاب يتضمن بياناً من الملك، يقرأه علناً على الناس في اجتماع حاشد يدعوا إليه الأهالي من مختلف الطبقات ويبلغهم فيه باهتمام الملك والحكومة بشؤونهم، و يبلغهم فيه عن المهمة التي بعث من أجل انجازها، وعن المشاريع الإصلاحية التي سينهض بها، وعن مبادئ العدالة والمساواة التي سوف تطبق وفقاً لإحكام الدستـور،والتي سوف يعامل بها النـاس، كما وضح الأُزري بـأن يكتب في جمـلة
الخطاب أو البيان بأن يكون باب المتصرفيه "المحافظة" مفتوحاً لجميع المظلومين ، وفي هذه المناسبة، أكد أن البيان سوف يكون منهاجاً يلتزم به متصرف أمام الناس كما وتلتزم به الحكومة التي يمثلها ، وقد نال اقتراحه استحساناً كبيراً من رئيس الديوان الملكي رستم حيدر الذي عرضه بدوره على الملك ورئيس الوزراء الا انه لم ينفذ .
انتقد الأُزري مديرية التحقيقات الجنائية، نتيجة قراءته لتقاريرها الأسبوعية ومن ثم عرضها على الملك ، فوجد أن هذه المديرية قد أصبحت مشغولة بشكل كامل بالحركات العشائرية بين عامي 1934-1936 والتي شحنت الجو بحالة سياسية مزرية، حيث أولت اهتمامها بمراقبة تحركات مجموعة من الشخصيات العشائرية وكان القسم الأعظم منهم ليس لهم أي شأن في السياسة ولم يسبق لهم أن مارسوا أي نشاط فيها، كما أكد الأُزري أنها تحاشت عن قصد بعدم مراقبة الأشخاص المهمين ذوي الشأن السياسي وذوي الباع واليد الطولى في حبك المؤامرات وعقد الاجتماعات السرية مثل حكمت سليمان وبكر صدقي .
إن استخدام الجيش ضد المعارضة قد مهد لبروز ظاهرة متميزة في تاريخ العراق المعاصر هو اندفاع الجيش والدخول في المعترك السياسي إذ أدت كثرة استخدام الجيش في إخماد الحركات العشائرية إلى الشعور بمقدرته على أن يكون أداة للتغير السياسي لاسيما أن قوة الجيش قد زادت في عام 1936 عما كانت عليه في السابق وظهر أن العشائر لم تعد احدى الوسائل الفعالة للوصول إلى السلطة أمام الأسلحة الحديثة وقوة النار الشديدة التي أصبح يمتلكها الجيش وساعد التذمر في أوساط الضباط باستخدام الجـيش في ضرب المواطنين على
 تبلور فكرة استخدام الجيش لإحداث انقلاب ضد وزارة الهاشمي وحدث فعلاً في التاسع و العشرين من تشرين الأول عام 1936 بقيادة الفريق بكر صدقي، وكانت نتيجة الانقلاب تشكيل حكومة برئاسة حكمت سليمان  (29 تشرين الأول 1936 – 17  اب 1937) ، أثر الانقلاب سلباً على رستم حيدر وأدى به إلى التغيب عن البلاط، ويعزو الأُزري السبب الحقيقي إلى تغييبه بسبب التعاون الوثيق الذي كان سائداً بين رستم حيدر وياسين الهاشمي خلال وزارته الثانية، وكان يضمر في أعماقه تقديراً كبيراً وعقيدة لا تتزعزع في شخص الهاشمي، فكان يعده الشخص الوحيد المؤهل بعد وفاة الملك فيصل الأول القادر على النهوض بأعباء الحكم وتحمل مسؤولياته ، وإيجاد الحلول المناسبة لمشاكله(، تلقائياً أصبح عبد الكريم الأُزري وكيلاً لرئاسة الديوان الملكي (9 تشرين الأول 1936 – 16 تشرين الثاني 1936) ، حتى صدرت الارادة الملكية بتعيين إبراهيم كمال ، رئيساً للديوان الملكي في السابع عشر من تشرين الثاني 1936.
نتيجة لذلك مارس الأُزري مهامه بوصفه معاون لرئيس الديوان الملكي بأكمل وجه، واستمر في مواصلة أعماله بكل همه ونشاط، لكن وصول إبراهيم كمال إلى رئاسة الديوان الملكي قد أضفى جواً جديداً على هذه الاعمال، حيث أن الأخير لم يفتأ بمباشرة إعماله بوصفه رئيس الديوان الملكي حتى أقدم على محاولة فرض شخصيته بقوة على موظفي دوائر البلاط الملكي، وكان إجراؤه الأول تقليص عمل معاون البلاط الملكي ومباشرته شخصياً بتصريف الأمور، حيث أن الأمر لم يسلم من وقوع الخطأ، الذي كشفته مديرية المحاسبات العامة، التي بينت مدى دقتها في متابعة كشوفات حسابات الديوان الشهرية، فقد لوحظ عند تدقيق حسابات رئاسة الديوان الملكي في الرابع والعشرين من كانون الأول 1936، أن المبلغ 352 فلساً المستحق خلال تشرين الثاني الماضي عن ضريبة الدخل على راتب الملاحظ فيكتور بحوشي لم يستقطع عند دفع راتبه في الشهر المذكور، فأوعزت باستقطاعه من الراتب   القادم.
الأمر الذي أدى برئيس الديوان الملكي فيما بعد إلى معرفة أهمية منصب معاون رئيس الديوان الملكي وما توضع عليه من مهام، لذلك طالب تعديل درجة معاونه من الدرجة الخامسة إلى الدرجة الرابعة، واسهب في ذكر المبررات التي أنطوت على أن الدرجة الحالية للأخير لا تتفق والمسؤولية الملقاة على عاتقه، لاسيما أنه ينيب رئيس الديوان عند غيابه ولأجله أنيطت مسؤولية هذه الوظيفة بشخصية قديرة لها إلمام واسع في شؤون الدولة تتوافر فيها صفات تؤهله لإشغال هذا المنصب.
على أثر تعيين ناجي الأصيل ، رئيس التشريفات الملكية وزيراً للخارجية في وزارة حكمت سليمان في التاسع و العشرين من تشرين الأول عام 1936، صدرت الارادة الملكية باسناد المنصب الشاغر إلى عبد الكريم الأُزري معاون رئيس الديوان الملكي في الثلاثين من تشرين الثاني من العام نفسه، وباشر الأُزري إعماله في (2 كانون الأول 1936- 24 اذار 1937) .
والراجح أن هذا التعيين جاء بسبب أهمية المنصب المذكور، وضرورة عدم تركه شاغراً، لخطورة المهام التي يقوم بها شاغله، أو أن وزارة حكمت سليمان أرادت فرض سطوتها على البلاط الملكي من خلال تغيير العاملين فيه لاسيما أنها أقدمت على إجبار رستم حيدر لتقديم استقالته قبل هذا الحين، وأحلت إبراهيم كمال محله.