موقفان مشرفان على أثر وفاة الرصافي

موقفان مشرفان على أثر وفاة الرصافي

حارث طه الراوي
في السادس عشر من آذار 1945 رحل شاعرنا الكبير معروف الرصافي حراً مغضوباً عليه من السلطة الحاكمة انذاك لاسيما من لامير عبد الاله الوصي على العرش الذي عناه الرصافي بقوله في تحيته لثورة 1941:"تباً لمن قد خان عرش مليكه".


وبعد سنة من العاصفة التي اثارتها عليه السلطة بسبب كتابه"رسائل لتعليقات".
فمن يجرؤ، في هذا الجو المكفهر المكهرب في ان يذيع نبأ وفاته من دار الاذاعة ببغداد؟ انها المجازفة غير مأمونة لعواقب لا يقدم عليها في تلك الظروف الحالكة الا الرجل الجريء الذي ياتمر بامر الوفاء ولا يخفض الرأس للعواقب.
كان الاستاذ الشاعر الكبير ناجي القشطيني – رحمه الله – مديرا للمطبوعات في مديرية الرعاية العامة فلم يكد سمع النبأ الاليم حتى طلب من المسؤول عن الاذاعة نعي الرصافي في صبيحة يوم رحيله فاذيع نعي شاعر العراق فروعت جماهير الشعب. وزحفت الى الاعظمية لتشييع الشاعر الجريء الذي عاش حراً ومات حراً وترك دوياً واي دوي في الافاق العربية ولنترك الاستاذ القشطيني يروي لنا صدى هذا الموقف المشرف الذي وقفه تجاه شاعر الشعب، فقد روى في (اللهفات – ديوان شعر ونثر"مطبعة شفيق بغداد 1968 ص 275 ما يلي:
".. ففي صباح 16/3/1945 طلبت من المسؤول عن الاذاعة ان يذيع نعيه ليشترك الناس في تشييعه. وفي اليوم الثاني طلبني وزير الداخلية المرحوم مصطفى العمري فرأيت  عنده السيد عبد المهدي عضو مجلس الاعيان فقال لي الوزير – ان السيد يريد ان يكلمك بشأن اذاعة وفاة الرصافي فقال لي حضرة السيد: الا تعلم ان الرصافي عدوّ البيت الهاشمي.. فكيف اذعتم نبأ وفاته؟ وطلب ان امنع الصحف من الاطناب في تأبينه فاجبته: اننا لا نستطيع منع الصحف من اظهار شعورها نحو شخص قد مات وترك حسابه الى الله فسكت ثم خرج ممتعضاً.. هذا ما اردت بيانه الان تاركاً ما عداه الى ذمّة المؤرخين.
***
واما الموقف المشرف الجريء الاخر فهو موقف الدكتور ابراهيم عاكف الالوسي – رحمه الله – الذي كان انذاك وزيرا للمعارف فلم يكتف بحضور التشييع – وهو ما لا يرضاه الامير عبدالاله – بل كتب افتتاحية منصفة جريئة يؤبن فيها الرصافي ويشيد بمزاياه في عالم التدريس والشعر والوطنية نشرتها جريدة"الزمان"في العدد 2276 من سنتها الثامنة الصادر في 18 آذار 1945 تحت عنوان مثير"استاذي معروف الرصافي"وحسب ان اقتطف من هذا المقال التاريخي ما يلي:
".. ولقد كان من الطبيعي – والرصافي صاحب فكرة مثالية كبيرة – ان ينقسم الناس في فهمه الى طبقتين. هذا شان الناس في سائر عهودهم ومختلف ادوارهم.
لقد نشأ عن تباين التفكير وطرائف الثقافة التي اقتبسوها ان نظر البعض الى الرصافي كرجل ثائر على مجتمعه متمرد على مألوف الناس. خارج على القواعد ومن هؤلاء طائفة لم يرق لها هذا الي اتى به الرصافي فاجمعوا على محاربته وهذا ليس بجديد على رجال الفكر وقادته. فالمتفق عليه ان المعري لم ينل الا طغيان الناس وعقوقهم وتجرؤهم عليه واستخفافهم به وما جاءه به الجوزي المؤرخ"من التهم والافتراءات اكبر دليل.
اما الطبقة الاخرى فقد نظرت الى الرصافي كشاعر وهبته الطبيعة احساسا رقيقا وشعوراً مستفيضا، فاولى الطبقة الفقيرة دموعه وبكاءه وجزع لليتيم في العيد، والارملة البائسة ورأى ان قومه نسوا انفسهم فعمد الى اللغة يجدد شبابها ويبعث رميمها. ورأى ان الشعب العربي وقد بهرته الوان الحياة الخاطفة احوج ما يكون الى ما يحرك الهمم الهامدة ويحيي موات الامال الخامدة ويذكي عزائمه النائمة. فنشأ عن هذا الشعر الوطني الذي اتاح للرصافي ان يتغنى بامجاد الوطن وان يقف كالسنديانة الشاهقة التي لا تزعزعها الاعاصير. ويظل عاتبا لا يابه بالصدمات ولا يحفل بالمأسي التي تضعف اعظم القلوب.
وتوهن اشد العزائم، وبين هذه الحوادث التي غام بها سماء الوطن. وجد الرصافي الشاعر الفحل الذي سيظل قائما في كل نفس. باقيا مخلداً في كل قلب. حيّاً في كل خاطر وفكر..".
ويواصل وزير المعارف الجريء انذاك الاشادة الصادقة بجرأة الصريح المنصف حيث يقول:
"يلتاث عليّ القول وتضطرب نفسي اضطراباً لم القه من قبل اذ اذكر الرجل الذي وصل حاضر الامة بماضيها فكانت مهمته التوجيه، وميزة هؤلاء الكتاب او الشعراءالموجهين ان يذللوا كل مرتقى ويسهلوا كل سبيل. ويركنوا الى الامل في كل موقف جازع.. وما عرفت الرصافي الا عاتبا جباراً! كان لا يابه لهذا الادقاع والفقر الذي يحيطه من كل جانب ولا يحفل بالمآسي ولا يخضع للمرض او يضعف او يتخاذل، بل  ان"معروف"الذي استطاع ان يهز الطغيان والدكتاتورية هو اول من ارتفع صوته في الدعوة الديمقراطية ليكون اول دعاة الحرية للعرب في العصر الحاضر.
وكم تضطرب نفسي ان اذكر الرجل وصلته بالالوسي الكبير. كم تضطرب نفسي وتذهل عندما اجد ان"معروف"قد خطا خطى السيد محمود شكري الالوسي فبهر بالمعيته، واشرق بذهنيته الخصبة، وظهر على رفاقه، ولعل القليلين هم الذين يعرفون ان الالوسي اثر في الرصافي تاثيرا بارزاً، فقد كان مثله حديد الذهن، قوي اللسان، بارع النكتة، ولكنه كان يدعم ذلك كله من الجانب الثاني بصفة العالم الصابر الذي خلق ليوجه وكافح ليبني ويعمّر.
واني اتذكر استاذي الرصافي الذي تلقيت عنه اللغة العربية في الاعدادية الملكية قبل التحاقي بمعهد الطب في الاستانة اذكر فيه اتزانه ووقاره، والله.. لقد كان التلميذ منا يفرق لطلعته هيبة ويشعر بالاحترام والطاعة ويستجمع شتات افكاره ليصغي ويسمع وقد ظلت حلاوة الفاظ الرصافي بعد هذا العهد الطويل تتماثل لي في مختلف ادوار حياتي وانها تتجدد الان فكانها قيلت اليوم.
ويختتم الدكتور ابراهيم عاكف الالوسي كلمته الرائعة بتحية مؤثرة يوجهها لاستاذه الرصافي ان دلت على شيء فانما تدل على صدق الوفاء وحب الانصاف حيث يقول:
"فيا ايها الرصافي العظيم الذي لفظناك حياً وبكيناك ميتاً.. الف تحية والف سلام..
***
ولا يسعني وانا انفض الغبار عن هذه الوثيقة التاريخية بمناسبة ذكرى رحيل شاعرنا الحر معروف الرصافي – رحمه الله – الا ان اشيد بكثير من الاعتزاز بها الموقف الرجولي الذي وقفه الدكتور ابراهيم عاكف الالوسي الذي ذهب الى رحمة ربه في اليوم الاول من تشرين الثاني 1985 بعد حياة حافظ فيها صاحبها على النقاء والوفاء طوال تسعين عاما.