رسائل من الصحراء..بداية دخول الدول الأوروبية مرحلة التقنية الجديدة

رسائل من الصحراء..بداية دخول الدول الأوروبية مرحلة التقنية الجديدة

بغداد/ أوراق
كان حريصاً على رؤية القارة الافريقية من مختلف جوانبها.. فبدأ ملاحظاته بالجانب الغربي من ساحل العاج والخليج الغيني متقدماً شرقاً نحو الصحراء جامعاً مذكراته التي نشرها على شكل مقالات بين الأعوام 1975الى1980 في صحيفة (كورييري ديلا سيرا)..

 ثم جمعها فيما بعد في كتاب بعنوان (رسالة من الصحراء) الصادر عن دار (المدى) للثقافة والنشر بترجمة الدكتور عماد حاتم.. انه الكاتب الايطالي ألبرتو مورافيا الذي اشتهر برواياته وقصصه العاطفية والفضائحية أحياناً.. لكنه هنا يكشف عن مشاعره ومشاهداته حول الأرض والناس، إذ نرى الوجه الإنساني لدى مورافيا وهو يكتشف في الصحراء ما لايراه سكان الصحراء نفسها.. عند اطلالة العصور الحديثة بدأت القارة الافريقية تستقبل أعداداً وأصنافاً من الرحالة والمستكشفين بحسب اختصاصهم، بينهم الباحث والمبشر والعسكري والتاجر والمغامر والعالم والرسام، وكانوا جميعاً يقطعون المسافات الطويلة ويخوضون ضروباً من المغامرات.. وكان منهم من يعود سالماً الى بلاده ومنهم من يرقد الى الأبد في التراب الافريقي.. الا أنهم كانوا حريصين جميعاً على تسجيل المذكرات ورسم الخرائط وتقديم النصائح والمشورات الى الهيئات المختصة من أجل تيسير الطرق والمسالك نحو احكام القبضة على القارة البكر التي كانت الأوساط الأوربية المعنية تختصها بنظرة متميزة وتعقد عليها أكبر الآمال، فقد كانت تلك الفترة تمثل نقلة نوعية في تاريخ الاستعمار اذ دخلت الدول الأوربية مرحلة التقنية الجديدة وبدأت تطبيق العلم على الصناعة فسخرت البخار والبحار وأحلت الاقتصاد الصناعي المعقد محل الاقتصاد المنزلي البسيط وبدأت دورة الرأسمالية الجديدة وازدادت شراهة المصانع الى المواد الأولية الخام في الأسواق التجارية الجديدة.. كما ازداد الطلب على الأراضي الزراعية في العالم الجديد وتوظيف الأيدي العاملة خلال مرحلة تواكبت فيها الثورات العملية والصناعية والمواصلات وتعززت بتطلعات الهيئات الاستعمارية نحو ارتياد الأراضي الجديدة، واكتشاف الأراضي التي لم تكتشف بعد.. وانطلاقاً من ذلك تدفق الرحالون والمكتشفون على العوالم الجديدة وكان حظ القارة الافريقية منهم وافراً.. وقد دون هؤلاء انطباعاتهم وأوصافهم ومشاعرهم ومذكراتهم في مجلدات كبيرة كانت جليلة الفائدة بالنسبة لعلماء الاجتماع والجغرافيا ودارسي عادات الشعوب ومخططي الحملات العسكرية فكانت بمجموعها تصطبغ بالصبغة النفعية وتستظل براية المد الاستعماري الذي كان سائدا آنذاك, ولم تخل في معظمها من نظرة التعالي العنصري المعروفة التي ترسم سمتاً محدداً لكل ما هو غير أوروبي وعلى الرغم من وجود بعض الأقلام النزيهة التي كتبت عن القارة بواقعية وتعاطف فقد استلزم الأمر الانتظار عندما قام الكاتب الايطالي ألبرتو مورافيا بزيارته للقارة الافريقية ليقدم لقرائه صفحات مهمة تختلف في مضمونها ومنهجها وبالروح الذي كتبت به عن كل ما خطته أقلام الرحالة السابقين وهو يمضي في رحلته معرجاً على كينيا وبحيرة رودولف.. ثم انتقل الى الزائير حيث اخترق نهر الكونغو ووصل بلاد الأقزام وأنهى انطباعاته بحدائق الحيوان في أوغندا، واذا كانت المناطق الشمالية لم تستوقفه باستثناء الواحات فربما لأنها قد ربطت علاقاتها التاريخية من زمن بعيد بالجارتين الآسيوية والأوروبية، فمن الناحية الزمنية تعود هذه المذكرات الى أيامنا الحاضرة وهي من الناحية المكانية تغطي المناطق الأكثر افريقية في افريقيا. أما من الناحية المنهجية وزاوية الرؤية فالكاتب يعدنا بأنه سيلتزم فيها منهجا يذكرنا بمنهج ابن بطوطة في الوصف فيدون مشاهداته عبر نظرة المتفرج المحايد الذي يجعل مسافة بينه وبين ما يراه من خطر يتمثل في (أوربة) الأفارقة بمختلف الطرق. فلوحات الدعاية التي رفعت على طريق المطار لا تهدف الى تربية الأذواق او الوعي بل الى غرس غريسة الاستهلاك من اجل الاستهلاك، وهذا ما يساعد الأوربيين المحدثين على حل مشكلة ظلت مستعصية على الغزاة الفرنسيين وأضرابهم على مدى عشرات السنين في الجزائر او ساحل العاج او غيرهما من المستعمرات وهي مشكلة تحويل اهلها الى أوربيينسمر البشرة، وبكلمة أخرى تجريدهم من شخصياتهم الفردية المميزة. وهذه الظاهرة لا تجري في المدن الكبرى فقط، فاحتفالات رأس السنة بكل بهرجتها الأوربية تجري في كورهوغو أيضا وهي من اكثر المناطق أصالة وعمقاً في ساحل العاج.. وفي تلك المنطقة يرى تمثلاً سطحياً ظاهرياً لملامح الحضارة الأوروبية الخارجية واستعارة لعناصرها الاستهلاكية التي يتبناها قوم من كبار التجار وملاكي الأراضي والموظفين، وقد تكلفت بنشرها وترسيخها في العقلية الأفريقية لوحات الدعاية وأجهزة الاذاعتين المرئية والمسموعة والسينما، وكان ذلك بخاصة في ساحل العاج غربي القارة وفي كينيا شرقها، وهما اللتان أريد لهما ان تكونا الواجهتين الأوروبيتين للمجتمع الاستهلاكي.. ويواصل الكاتب طرح كل ما يتعلق بالواقع الأفريقي في ماضيه وحاضره ومستقبله من خلال الشعوب التي التقى بها اللوبي والبوكوت والكيكويو والتوركانا والأقزام وسواهم.. اما عن ايمانه بالمستقبل الزاهر الذي ينتظر القارة تعكسه نظرته العميقة الى الكيكويو فيقول: لم يكن بوسعي الا ان اندهش لتلك السرعة المذهلة التي حقق بها هذا الشعب قفزته، فمنذ ما يقل عن قرن وصفتهم الكاتبة كارين بليكسين في كتابها، وكانوا قبيلة بدائية تماماً لم تخضع لتأثيرات الغرب. أما الآن فهم يمثلون الطبقة البرجوازية الصغيرة الحاكمة في كينيا. وقد بلغ تغربهم حداً كبيراً ادى بهم الى رفض الغرب والعودة الينابيع، واليهم ينتمي نغوغي واتهينغو احد كبار كتاب العالم المعاصر.. وتظل قضية الانسان ماثلة امام عيني الكاتب وهو يسجل تأملاته الطريفة في مختلف المواقف، فالدورب الممتدة في الصحراء تذكره بدروب الحياة البشرية وتقاطعاتها، وتشابك الأشجار واختلاطها وتفاعلها يذكره بتشابك المصائر الانسانية في الغابة البشرية.