امين الريحاني في بغداد سنة 1936

امين الريحاني في بغداد سنة 1936

■ علي أبو الطحين
كان أمين الريحاني في حيفا يتهيأ لمغادرة فلسطين في نهاية تشرين الأول عام 1936، بعد إخماد الثورة الفلسطينية، حينما قرأ في الصحف العربية عن الثورة في العراق. يقول الريحاني كانت تلك التقارير مثيرة ومفزعة، عن سقوط حكومة ياسين الهاشمي، وقيام حكومة بلشفية وسيطرة الجيش على الحكم، وعن ضعف الملك غازي واحتمال إعادة احتلال بريطانيا للعراق!

 


لماذا الانقلاب العسكري؟ هل الحكومات الدستورية محكومة بالفشل في العالم العربي؟ أليس هناك آلية برلمانية لتغيير السلطة؟ كان هذا مدعاة استهجان في الصحافة العربية في سوريا وفلسطين ومصر التي تدعو إلى الوحدة العربية والقومية العربية. وحتى الصحافة البريطانية كانت قلقة ومشككة بما يحدث في العراق، من ثورة الكرد والتدخل التركي والمناورات الإيرانية والنفوذ الروسي الشيوعي.
لكن شيئا واحدا خفف من روعي عن تلك الأخبار المفزعة، ففي عصر اليوم السابق (يوم الثورة) كنت مع القنصل العراقي في حيفا، الشيخ كاظم الدجيلي، وذهبنا سوية لزيارة مرفأ تصدير النفط العراقي التابع لشركة النفط العراقية، فلم يقل القنصل ولا أي أحد في مقر الشركة عن تلك الأخبار لما حدث في بغداد، فلابد أن تكون الأمور مبالغا فيها.
بعد ورود التقارير العديدة في الصحافة العربية والبريطانية وكلها تصب بالهجوم على الطبقة العسكرية في الحكومة الجديدة، على رئيس الأركان بكر صدقي ورئيس المعارضة حكمت سليمان، وتأكيد تلك الإشاعات قررت الطيران على وجه السرعة إلى بغداد.
يقول الريحاني وصلت إلى بغداد بالطائرة من دمشق، وكانت ملامح البشرى والسعادة ترتسم على كل من صادفته في بغداد، من سائق السيارة إلى الحمال إلى مدير الفندق والخدم، وحتى صباغ الأحذية في الشارع والعطارين، بل وحتى الموظف الأجنبي في مكتب السياحة المقابل للفندق. فكانوا يرددون "أصبحنا اليوم أحرارا، والحمد لله، هذه الحكومة ستكون حكومة عادلة" .. والى غير ذلك. 
لكني حملت شكوكي إلى الناس العارفين، إلى أصدقائي السياسيين، مثل رئيس الوزراء السابق المعتدل جميل المدفعي، والى الوزير والسياسي الألمعي والمحنك ناجي السويدي، فكان كل منهما يهز رأسه أسفاً وطالباً من الله المغفرة إلى رئيس الوزراء ياسين الهاشمي وبطانته، لقد كانت انتهاكات حكومة ياسين لا تطاق.
وحتى عضو مجلس الأعيان الهادئ الصوت السيد محسن أبوطبيخ، المشهود له بالأمانة والاستقامة، أوضح، كانت هناك "شواذات"، قالها وبصوت مرتفع "وشلون .. شواذات". أما عضو الأعيان السابق فخري الجميل فكان مصدوماً، وقالها بوضوح، كان هناك فساد، وتلاعب بالمال العام، واستيلاء على الأراضي، ومن ثم إصدار القوانين الجائرة وتطبيقها بالقوة، وباختصار، على نهج الحكومة العثمانية السابقة.
عضو الأعيان مولود مخلص كان أكثر وضوحاً، فقال أن الآلية البرلمانية لا يمكن لها أن تغير السلطة في العراق، لأن البرلمان ببساطة بيد الحكومة. فطريقة الانتخاب (الثانوي) كانت بالمحصلة توصل ممثلي الحكومة إلى البرلمان، ولا تستطيع المعارضة مهما كان حجمها أن تؤثر في ذلك. فالبرلمان خادم مطيع لرئيس الوزراء، وهذه هي معضلة الحكومة العراقية.
نفى بطل الانقلاب بكر صدقي ولمرات عديدة أن يكون هناك توجه لإقامة حكومة عسكرية دكتاتورية. وكذلك رئيس الوزراء حكمت سليمان الذي أتهم بالفاشية أو النازية أو بالتعاطف مع تركيا، أوضح بالقول وبالفعل بأنه عراقي عربي أولاً وأخراً. (وكان أول عمل للحكومة هو توقيع معاهدة مع ابن سعود لدعم حقوق العرب في فلسطين). "أن هذه الحكومة" كما قال لي، "ليست بلشفية أو نازية، -أنها تقف بين الاثنين- حكومة ديمقراطية".
كانت أحد الانتهاكات المفضوحة لحكومة الهاشمي هو منح اللزمة وتوزيع الأراضي السنية. ففي العهد العثماني كانت 75 بالمئة من الأراضي المزروعة هي من أملاك الدولة، والتي كانت تؤجر إلى أصحاب النفوذ والمقربين من الحكومة. وهذا يعني بالتالي المنافسة للحصول على النفوذ السياسي والمنافسة في رشاوى المسؤولين. رشاوى للحصول على التزام الأراضي بالتواطؤ والفساد. وقد أخبرت، بأن انتهاكات حكومة ياسين الهاشمي كانت أسوء مما كان في عهد السلطان عبد الحميد.
وأحد هذه الأمثلة. عندما عقد حفل زفاف لأحدى بنات ياسين الهاشمي، كانت أحدى الهدايا من بين العديد من هدايا الزواج، تمثال لنخلة مصنوعة من الذهب الخالص قدمها أحد شيوخ العشائر في مدينة العمارة إلى العروس، وكان الشيخ يرغب بالتجديد له للزمة الأراضي الخصبة والمربحة في تلك المنطقة.
هذا إضافة إلى أن رئيس الوزراء وحاشيته منحوا أنفسهم أفضل الأراضي السكنية. فياسين أصبح يملك عدة مزارع في مناطق تمتد من تكريت شمالاً وحتى الكوت جنوباً. وكل وزير، وكل صديق متنفذ لوزير، وأغلب رؤساء العشائر المتنفذة، أصبحوا أغنياء بسوء استخدام قانون الأراضي الذي شرع قبل استلام الهاشمي للسلطة، والذي قصد منه منح وتوزيع الأراضي للفلاحين الفقراء والمستأجرين في أنحاء البلاد. وكان دمج وزارتي العدل والداخلية تحت إدارة وزير واحد هو أسوء ما في الأمر، والذي لا يمكن أن يتم حتى في الأنظمة الديكتاتورية. فقد ساهم ذلك في استغلال القوانين وسوء تطبيقها للحصول على الأراضي.
وحينما أحتج مدير الطابو إلى رئيس الوزراء على هذه الإجراءات من قبل المتنفذين والفساد المستشري، لم يحرك ياسين الهاشمي ساكناً، بل أخبر مدير الطابو "يبدو لي أنك متعباً، سأعطيك أجازة من العمل .. لكي ترتاح".
ويقال أن ياسين قال بعظمة لسانه مخاطباً أحد دعاة الاشتراكية القليلين في العراق: "تريدون الوصول إلى السلطة حتى تستولوا على جميع الأراضي وتوزيعها بينكم. سوف لن نسمح لكم بذلك. أن الإنسان بطبعه طموح، أنظر إلي، أنا أقوم ببناء قصر لي في أطراف بغداد، وقصر آخر على ضفاف دجلة، وسوف أقوم ببناء قصر ثالث في أحد المزارع. وعندما يحتاج المزارعون في مزارعي إلى مضخات الماء للسقاية، سأوفر لهم المزيد من المضخات. الإنسان بطبعه طموح، واشتراكيتكم لا تختلف كثيراً عن طموح الناس الآخرين". فبينما كان ياسين يحصل على المزيد من الأراضي، ويشتري المزيد من المضخات، ويبني المزيد من القصور، كان معارضوه في الجيش يعملون بصمت تحضيراً للانقلاب.
كانت الحكومة من الناحية السياسية والناحية العملية ذات بنية مهزوزة وبإدارة معطلة، فبالرغم من وجود اثنين من الجنرالات العسكر إضافة إلى رئيس الوزراء في الحكومة، لم يعلم أحد منهم ماذا يجري وراء ظهورهم في الجيش حتى ساعة وقوع الانقلاب.
قامت طائرتان من سلاح القوة الجوية بالإغارة على بغداد في صباح يوم الانقلاب ملقية في شوارع العاصمة الرئيسة وفي سراي الحكومة منشورات لإنذار الحكومة، موقعة من قبل الجنرال بكر صدقي، بينما كان في الوقت نفسه يسلم بعض الضباط باليد نسخا من هذا الإنذار إلى الملك والوزراء. كان الإنذار يطلب استقالة الوزارة في خلال ساعتين، وإلا فأن الجيش الذي لا يبعد سوى عشرين ميلاً عن بغداد سيدخل العاصمة وأن القوة الجوية ستقصف السراي.
في تلك الأثناء طلب الملك غازي، وكان مازال في قصر الحارثية، باجتماع عاجل للوزارة بالإضافة إلى حكمت سليمان زعيم المعارضة، وبحضور السفير البريطاني في بغداد. بين حكمت الاستياء العام للشعب من هذه الحكومة، بينما أتهم وزير الدفاع، جعفر العسكري، قادة الانقلاب بالخيانة، أما ياسين فأوضح أن الدستور هو الحصن والضمان لحقوقهم الدستورية. طلب ياسين من السفير البريطاني مساعدة القوة الجوية الملكية البريطانية ضد تحرك الخونة من ضباط الجيش، لكن السفير لم ير هناك سبباً لتدخل حكومة جلالة الملك، خصوصاً وأن المعاهدة العراقية-البريطانية هي لحماية العراق من التهديد الخارجي وليس التدخل في الشؤون الداخلية. فأيد الملك غازي ذلك. فأقترح ياسين عندها بنقل مقر الحكومة إلى الموصل، ولم يوافق الملك على ذلك. فتقرر أن يحرر الملك رسالة إلى بكر صدقي يطلب فيها تأكيد الولاء إلى الملك والى الوطن. وأظن أن هناك من الأسباب ما يجعلني أشعر بأن الملك كان متعاطفاً مع الانقلابيين. كان جعفر العسكري مصمماً على أن ينقل الرسالة بنفسه، فهو مازال محبوباً بين أفراد الجيش، وكان يعتقد بأن حضوره وكلامه سيؤثر في الضباط للعودة إلى الطاعة والولاء، وأصر على القيام بتلك المهمة بعد نقاشات طويلة.
بعد انقضاء الساعتين المحددة، ظهرت الطائرات مجدداً في سماء بغداد، وبدلاً من رمي المناشير كانت في هذه المرة ترمي القنابل. ثلاث قنابل بالضبط، سقطت أحداها بالقرب من مكتب رئيس الوزراء محطمةً زجاج النوافذ، فتعالت الفوضى في أطراف السراي ونقلت خطوط الهاتف إلى قصر الحارثية الأخبار المفزعة، قنابل ... قنابل ... كان الصدى في الاجتماع. فتنازل ياسين الذي رفض في البدء الاستقالة، وتسلم حكمت سليمان الإرادة الملكية ليكون رئيساً للوزارة. وفي خلال ساعة تشكلت الحكومة الجديدة، وباشرت أعمالها في عصر اليوم ذاته.
كان يمكن أن تكون هذه نهاية سعيدة لولا وصول خبر مفزع آخر. حينما كانت القنابل تسقط على السراي، كان بكر صدقي قد اتخذ بعض الاحتياطات لحماية الجيش، فأرسل اثنين من الضباط الى بغداد مع بعض الجنود للتحذير من جهة وللاستطلاع الأخبار من الجهة الثانية، وأصدر لهم الأوامر برمي أي شخص من الحكومة يواجههم في الطريق.
من المحتمل جداً أن بكر صدقي كان يعلم بقدوم جعفر حاملاً رسالة الملك، رغم أن جعفر في الحقيقة لم يكن تهمه الرسالة قدر اهتمامه بمقابلة الضباط لما يشعر به من منزلة واحترام بين صفوف الجيش. ربما كان احتمال نجاح جعفر في تلك المهمة ليس بالشكل الذي تصوره، ومن المحتمل أيضاً أن يؤدي هذا إلى الانقسام في صفوف الجيش، وهذا يعني بالنتيجة ثورة حقيقية في العراق. وربما لم يكن بكر صدقي يفكر بكل ذلك، لكن كان له هاجس مما سوف يحدث مما دفعه إلى إصدار ذلك القرار القاتل.
فبينما كان جعفر في الطريق الى المعسكر أوقفه رجال بكر صدقي الذين كانوا في ثلاث سيارات في طريقهم الى بغداد وعلى بعد خمسة أميال من العاصمة. بادر جعفر بالتحية، ورد الضباط بالتحية وأمروا جعفر بالنزول من السيارة والذهاب معهم، لم تكن كلمات جعفر الودية أو كلمات الإقناع والتهديد ذات نفع. كان الضابط المرافق لجعفر قد بقي في السيارة وقد رآهم عن بعد يحيطون بجعفر ويمسكون به ومن ثم شكلوا حلقة من الرماة حوله وبدأ الرمي فترنح جعفر ليسقط على الأرض. 
وصلت أخبار تلك المأساة في عصر ذلك اليوم الى بغداد، فأصاب مقتله الحزن في العديد من الأطراف، فجعفر وكذلك عديله وزير الخارجية نوري السعيد، ليسوا كياسين الهاشمي، كانت مازالت لهم شعبية كبيرة. لهذا لم يهرب نوري كما فعل ياسين في تلك الليلة حين هرب الى سوريا. توفي ياسين بالسكتة القلبية في بيروت بعد ثلاثة شهور في كانون الثاني 1937.
لا أحد يعرف ماذا كان يدور في ذهن نوري السعيد عندما قرر البقاء، لكن رئيس الوزراء الجديد لم يكن ليقامر بنوايا نوري. لجأ نوري وأفراد عائلته إلى السفارة المصرية، وأنتقل في اليوم التالي الى السفارة البريطانية، وحين علم حكمت سليمان بالأمر أتصل بالهاتف بالسفير البريطاني، قائلاً له: "علمت بأن نوري موجود في السفارة، وأود من سعادتكم أن تخبروا نوري، من آجل مصلحة البلد ومن آجل مصلحته الشخصية، أن يغادر العراق فوراً". أجاب السفير: (وكان نوري يسمع) "أذا صادف والتقيت به، سأخبره ذلك".
في فجر اليوم التالي كانت طائرة من سلاح القوة الجوية الملكية البريطانية تنقل وزير الخارجية العراقي نوري السعيد وعائلته إلى مصر.
كانت هناك قصة طريفة أخرى تروى في مقاهي بغداد، ففي ليلة الانقلاب كان نوري السعيد قد أقام وليمة عشاء على شرف بعض من الوزراء الأفغان الذين كانوا في بغداد بطريق رحلة العودة من اسطنبول إلى كابل، وكان حكمت سليمان أحد المدعوين الى هذه الوليمة. من المعروف عن حكمت سليمان بأنه قليلاً ما يضحك، لكن في تلك الليلة كان يضحك من كل قلبه حين أعتذر الى سعادة الوزراء الزوار عن عدم أمكانه العشاء معهم. قائلاً: "أن بعض الشؤون الرسمية تتعارض مع متطلبات اللياقة والأتكيت"، وسعادتكم، أردف قائلاً، "معتادون على مثل هذه الاضطرابات كما في بلدكم".
يمتاز حكمت سليمان بقامة طويلة ومستقيمة، وله ملامح شبابية رغم أنه في الخمسينيات أو الستينيات من عمره، وبحسب مزاجه يبدو عمره محيراً مثل ابتسامته. وحتى في تعبيرات وجهه الاعتيادية فأن له سيماء مغايرة لكل الساسة العراقيين. له حنك مربع وبشكل مميز، عيناه العميقتان لها لون أزرق متلألئ، كث الحواجب بشكل لا يتناسب مع الصلعة اللامعة إلى الأعلى. كان يعتاد لبس القبعة الإفرنجية، فكان موضع انتقاد خصومه السياسيين لذلك، فهو متأترك كما يقولون، ويود أن يدخل في العراق التغيرات التي أدخلها كمال أتاتورك في تركيا. لقد كان بالتأكيد يكره السدارة كما يكره الطربوش، ولأنه لا يريد أن يمنح خصومه الفرصة ليجعلوا من الحبة .. كبة، قرر أن يكون حاسر الرأس. كذلك يمتاز حكمت بالبساطة والتواضع، ويحب أن يطلق عليه لقب الحفار.
في أيام الحكم العثماني خدم حكمت في العراق كمدير للتعليم، وبعد الحرب أصبح وزيراً للداخلية ووزيراً للمواصلات. وقام فعلاً بتحويل أقوال الحكومة إلى أفعال، فبدأ العمل لإكمال مشاريع سكك الحديد من مناطق آبار النفط إلى الموصل ومن هناك إلى الحدود السورية لربط بغداد مع حلب ومن ثم مع أوربا. قام بزيادة ميزانية التعليم، وحين كنت في بغداد كان رجاله يقومون بحفر الأسس لثلاثة مدارس حديثة، فهو حكمت الحفار!! وسيكون مسروراً، كما أخبرني وبكل تواضع، أذا استطاع أن يقوم بثلاثة إصلاحات، في الزراعة، في الاقتصاد وفي التعليم، ربما يمكنه أن يحقق أكثر من ذلك لو أستطاع البقاء في السلطة لفترة كافية.
كتب الريحاني هذه المقالة في مجلة آسيا الأمريكية ونشرت في حزيران من عام 1937، وكما نعلم أن حكومة حكمت سليمان سقطت بعد مرور حوالي شهرين، في منتصف آب من ذلك العام، بعد اغتيال بكر صدقي.