ملك العراق الصغير فيصل الثاني..أصغر ملك في العالم

ملك العراق الصغير فيصل الثاني..أصغر ملك في العالم

■ علي أبو الطحين
في الرابع من شهر نيسان سنة ١٩٣٩أصبح الطفل الصغير فيصل الثاني ملكاً على العراق، بعدأن تعرض والده الملك غازي لإصابة بالغة في الرأس أدت الى وفاته، إثر حادث اصطدام لسيارة كان يقودها. كان فيصل لم يبلغ – بعد- الرابعة من عمره، فأصبح –حينها- أصغر ملكاً في العالم. 

ولد فيصل في ٢ من شهر مايس(أيار) سنة١٩٣٥، وكانت ولادته - وهو الطفل البكر- عسيرة. فعين له -منذ ولادته- ممرضة إنكليزية تدعى الآنسة دورا بورلاند لتعتني بتربيته ونشأته وقد لازمته لفترة طويلة. وعندما بلغ الخامسة من عمره استقدمت المربية والمعلمة إليزابيث سولمان لتعليم فيصل مبادئ القراءة والكتابة والحساب، وبعد مغادرتها العراق سنة ١٩٤٣، جاءت مربية بريطانية أخرى، تدعى روز أليندا راميريس، وأستمرت معه بضعة سنوات أخرى، حتى أنتقاله للدراسة في بريطانيا سنة ١٩٤9. وخلال تلك الفترة، كان هناك مجموعة من الأساتذة العراقيين والبريطانيين، من يساعدون في تعليم فيصل، وإعداده لمهمامّه الدستورية المقبلة؛ ليتربّع على عرش العراق عند بلوغه الثامنة عشر من عمره في ٢ من مايس(أيار)سنة ١٩٥٣.
هذا الكتاب هو مجموعة من ما نُشر من ذكريات وبعض مقالات في طفولة الملك فيصل الثاني، ومجموعة من الصور الفوتوغرافية عن تلك المرحلة الأولى من حياته.
القسم الأول من الكتاب هو مذكرات المُربية الأولى إليزابيث سولمان والتي أصبح اسمها أليزابيث موريسون بعد زواجها في بغداد من جون موريسون في سنة ١٩٤٢. في العادة؛ يكّنى اسم إليزابيث في بريطانيا باسم بَـتي Betty وكانت إليزابيث موريسون  تنادى بهذا الاسم، فأصبح أسمها المتعارف بَتي موريسون.
أما القسم الثاني من الكتاب؛ فهو صفحات من ذكريات مايكل آرنولد، الذي صاحب فيصل في طفولته في بغداد لبعض الوقت. والاسم الحقيقي لمايكل آرنولد هو أندري كرونمان، وكان طفلاً في الثامنة من عمره حين جاء من بولندا الى العراق سنة ١٩٤0، بصحبة والدته هرباً من الإحتلال الألماني.
والقسم الثالث هو ملاحق تضم مجموعة من مقالات نُشرت عن فيصل الثاني في طفولته، إضافة الى صفحات مصوّرة من مجلات وجرائد من تلك الفترة، وصور فوتوغرافية منها- ربما- لم ينُشر من قبل.
نَشرت بَتي موريسون ذكرياتها في كتاب صغير، صدر سنة ١٩٩٥، ويقع في تسعين صفحة، يضم ذكرياتها في مهنة التعليم في الهند قبل وصولها الى العراق كمُربية للملك فيصل الثاني بين السنوات ١٩٤0-١٩٤٣، وكذلك مذكرات لجَدتها الكبرى عن رحلة إلى الهند.
تتضمّن ذكريات بَتي موريسون في العراق عملها في قصر الزهور كمُربية للملك فيصل، وما واجهته من مشاكل مع المُمرّضة البريطانية بورلاند والطبيب سندرسون باشا؛ في إهمال تربية فيصل تربية بدنية صحّيّة وصحيحة وعزله في داخل القصر، وعدم أختلاطه بالأطفال من عمره، وإحاطته بالقطن كما تقول. إضافة الى الأجواء السياسية المعقّدة في ظروف الحرب العالمية الثانية، وبالأخص الأيام العصيبة للعائلة المالكة خلال ثورة مايس سنة ١٩٤١.
أما مايكل آرنولد فيصف في ذكرياته التي طُبعت في سنة ٢00٣ زيارته الأولى لقصر الزهور واللعب والتسلية مع فيصل ومرافقيه من الحرس، وكذلك مشاركة فيصل برحلة لمدة أسبوعين إلى مدينة راوندوز في كردستان العراق. إضافة الى الزيارات واللقاءات مع الملكة عالية والأمير الوصيّ وخالات الملك؛ الأميرات الثلاث.
لابد من الإشارة إلى أن كلاً من بَتي موريسون ومايكل آرنولد قد وضعا تلك المذكرات بعد مضي أكثر من خمسين عاماً على تلك الوقائع والأحداث، وهي - كما يبدو- وُضعت من الذاكرة، أو من رؤوس أقلام مُبتسرة، كما يتضح من بعض الأخطاء الثانوية التي وردت في ذكرياتهم، وكذلك وجود فجوات تاريخية طويلة بين الأحداث وغياب بعض التفاصيل، وإن كانت هناك بعض الوقائع وُضعت بتفاصيل وحوارات دقيقة للغاية.
ومن ناحية أخرى يجب أن لا نغفل أن كلاً من موريسون وآرنولد ينطلقان من ثقافة ورؤية للأحداث قد لا تتطابق بل قد تتناقض مع فهمنا وتفسيرنا لتلك الأحداث والوقائع، فمن الطبيعي أن تكون المُربية البريطانية مرتابة –مثلاً- من ثورة مايس سنة ١9٤١، وان تستغرب من كره العراقيين الى عبد الإله، الخ.
تم -قدر الإمكان- المحافظة على النص كما ورد في الذكريات، وتصحيح بعض الأخطاء التي لابد منها. فعلى سبيل المثال، سمّى مايكل آرنولد قصرَ الرحاب بالقصر الأبيض في ذكرياته، فكان لابد من تصحيح ذلك، وفي مكان آخر وضع تسلسل العمر للأميرات الثلاث، أخوات الملكة عالية ، بديعة وعابدية وجليلة، والحقيقة أن عابدية هي الكبرى، وكانت أكبر من عالية، ثم تليها بديعة والصغرى جليلة. وقد تُرك هذا الخطأ كما هو؛ لأن المؤلف بنى فكرته عن الأميرات على هذا النحو، لكي تُحفظ فكرة المؤلف، كما في النص، وتم الإشارة للخطأ في الهامش.


  زيارة الأمير عبد الإله

بعد يومان من عودتنا إلى بغداد، جاء الوصيّ الأمير عبد الإله للعشاء فى بيت خالتي، علمتُ أول الأمر من خادمنا، أخبرني أن الصحون ستصل من القصر صباح هذا اليوم، مع مجموعة الطبّاخين والخدم. "أية صحون"؟ سألتُ، "ولماذا؟ خالتي لديها تلك الصحون الفضية الرائعة". نظر الخادم إلى السماء، "الأمير سوف يأتي للعشاء، وبالعادة؛ يرسلون الصحون المذهّبة والطبّاخين والخدم، يظنون أن طبّاخينا علي وحسين وأنا لسنا بالمستوى المطلوب."
ذهبتُ الى خالتي مستفسراً: "ما هذه الصحون والخدم القادمون؟" فردّت بهياج "اذهب من هنا، لا تزعجني الآن"
"صاحب السمو الأمير عبد الإله، الأمير الوصيّ، تكرّم مسروراً بتشريفنا للحضور للعشاء" قالت أمي بصوت لاهث. "إنه من العائلة المالكة". أنا وفيصل - في الحقيقة - لا نحبّه، وقد تفاجأتُ بأن أمي - وبالخصوص خالتي - في كل هذا الهرج والمرج من أجل أطعامه. قالت خالتي إنني غير مدعو، لكني إذا كنت هادئاً بشكل تام، يمكنني المراقبة من السطح، فالعشاء سوف يُقدَّم في حديقة المنزل.  
في وقت الضحى، وصلت الصناديق الثقلية المحمّلة بالصحون والأطباق الكبيرة مع ثلاث من الطبّاخين وعشرة من الخدم من القصر الملكي. جلستُ القرفصاء في إحدى زوايا المطبخ، أراقب ما يحدث، عندما بدأ تحضير الطعام من قِبل طبّاخي القصر، يشاركهم طبّاخنا علي الذي يعرفونه جيداً، كما بدا من مزاحهم معه، كان هناك أسماك مع طيور ودراج وغزال، إضافة الى لحوم الماعز والغنم، وعدة أنواع من الخضروات والفاكهة، صناديق من النبيذ مبرّدة في قوالب من الثلج وُضعت في صناديق معدنية كبيرة، وعدة مكائن لصنع الآيس كريم (سُمح لي بملء صحن من آيس كريم المنغو الذي أحبّ، على وعد بأني أغسل الصحن بعد ذلك). وأيضاً كان هناك حوالي خمسة عشر رطلاً من كافيار البيلوجا مع الخبز الخاص المحمّص. كل ذلك لحوالي خمسين مَدعوّاً للعشاء.
في الحديقة، كان الخدم منشغلين بنصب موائد الطعام على شكل قوس، يشبه حذاء الفرس، ثم تمّ تغطيتها بفرش المائدة البيضاء الطويلة. بعدها؛ وُضعت أدوات المائدة (وكلّها – بالطبع - من القصر)، مع العديد من الأقداح  والصحون وهزازات الملح والفلفل الفضية ومناديل المائدة الدمشقية والأباريق المزخرفة وتنظيم مبهر من الفاكهة والزهور. أما الكهربائيون؛ فكانوا منشغلين في نصب سلسلة من المصابيح الملوّنة على علو، من شجرة إلى أخرى، وفي إحدى الزوايا يهيئون منصة لفرقة موسيقية ثلاثية قادمة من فندق سميراميس. وأخيراً، الصحون المذهّبة المنقّشة واللامعة، والتي وُضعت حسب المراسم أمام كل مقعد من الكراسي الحمر المخملية الأنيقة التي جاءت من الفندق.
استطعتُ المكوث هنا وهناك متحاشياً عرقلة أو إعاقة التحضيرات حتى بدء الزوار بالوصول، جميعهم كان في أناقة تامة، الرجال في البدلات الرسمية الخطافية وقد عُلّقت الميداليات على الصدر، والسيدات في الفساتين الطويلة، مكشوفة العُنق، والأذرع المحفوفة بالمجوهرات. حضرت شخصيات مهمة من المجتمع البغدادي في تلك الأمسية، وكنتُ أعرف العديد منهم، على الأقل، نوري باشا السعيد (رئيس الوزراء وصديق عمّي ماكس) إضافة الى الكابينة الوزارية، وبعض من السفراء والضباط الكبار، والعديد من الأجانب. كنتُ أراقب وصولهم من شبّاك المطبخ؛ حيث كان الطبّاخون يُحضّرون طبق الحلويات الرائعة بحجم ثلاثة أقدام، تضم أنواع الحلويات على شكل حيوانات وطيور في غابة ملوّنة من الجاتو والجيلي والمعجنات، وُضعت على منضدة كبيرة.  
على حين غرة، دخلت خالتي إلى المطبخ للتأكّد والتحقّق من سير الأمور، طلبت مني بالذهاب على الفور إلى الطابق العلوي. في هذه الأثناء، دخل خادمنا حسين مضطرباً قائلاً وبعجل: "سيدتي، سيدتي، وصل سموّ الأمير"، لحقتُ بخالتي الى الطارمة الأمامية، فكان هناك الأمير بملابسه الرسمية الرائعة الموشّحة بالأوسمة والميداليات والضفائر المذهّبة، تقدّم نحو خالتي ماداً يده، فقدّمت خالتي يدها، فقبلها بكياسة، وكنتُ واقفاً إلى جانبها، فاستدار إليّ ماداً كفّه للمصافحة، وحين رفعتُ يدي سحب هو يده بسرعة إلى خلفه قائلاً "آه ..أنت" واستدار إلى خالتي، التي انتفخ وجهها بالغضب، بسبب وجودي، قائلاً لها : "شكراً لدعوتك الكريمة"، واتجها إلى الحديقة حيث كان رئيس الوزراء مع عمّي ماكس في الانتظار.
أسرعتُ نحو الطابق العلوي، وإلى السطح، وقضيتُ ثلاث ساعات بالجلوس على السياج بخطورة بالغة، أراقب ما يحدث تحت. كان منظر دخول الحلويات في محمل يرفعه أربعة من الخدم عرضاً رائعاً استُقبل بالتصفيق من قِبل الحاضرين، استطاع خادمنا تهريب صينية كبيرة لي، تحوي على كل ما أشتهي منه.
كانت الأمسية ناجحة بشكل كبير ونُشرت مقالة طويلة عنها في الصحفية الإنكليزية في بغداد، وعندما أخبرت عمّي ماكس بأني راقبتُ كل شئ من سطح المنزل، قال: "كلّ هذا هراء، ربما هذا يسعد خالتك، والناس الذين يحبون الشرب والأكل في تلك الصحون المذهبة والأشياء الأخرى، لكن؛ هناك الكثير من الفقراء في هذا البلد".
كنتُ أتسأل فعلاً إذا كان هناك ضرورة لمثل هذه الحفلات على الإطلاق؟
كانت الحياة في بغداد بسيطة ومريحة أستمتعتُ فيها بأيامي، ومضت الأيام دون أن أشعر بها، وبالطبع؛ تلك الأيام الجميلة لا تدوم. فجائت الطامة الكبرى حين كنتُ عائداً بعد الظهر من النادي في أحد أيام صيف      ١9٤٣، أخبرتني والدتي بأنها قرّرت مع زوجها الجديد السيد آرنولد، من شركة النفط في العراق، إرسالي للدراسة في كلية فكتوريا الإنكليزية في مصر، وهكذا أنتقلت إلى القاهرة ثم الإسكندرية للدراسة. 
عدتُ الى بغداد في عطلتي الصيفية في العام التالي، لكني لم أزر فيصلاً خلالها سوى مرّتين، استقبلني العريف عبد الله والجنود بحرارة، وكان هناك بعض التغيّرات، فكانت هناك مُربية إنكليزية جديدة لفيصل، وأصبحت ناني في الخلف بعض الشئ، أم فيصل كانت مريضة. أخبرني فيصل بأنه يشعر بالمزيد والمزيد من الذين حوله أصبحوا في الجانب الآخر، لقد حزنتُ عليه.
رأيت – بعدها - فيصلاً في إنكلترا بعدما أنتقلتُ أنا إلى كمبيردج للدراسة، وجاء فيصل ليلتحق بكلية هارو، وُجّهت لي دعوة للقاءه في فندق كلاريدج في وسط لندن، كان اللقاء قصيراً، فكان هناك العديد من الزوّار في الانتظار، وبعد التحية والسؤال أخبرني بأنه مشغول الآن، وربما سنتحدث في وقت آخر. وكان اللقاء الأخير معه عند زيارتي لبغداد بعد عدة سنوات، قبل فترة ليست طويلة من مصرعه، ولم يكن هناك شئ يجمعنا بعد هذه السنين سوى ذكريات وحنين الطفولة، فأصبح له أصدقاء في هارو، وأيام الطفولة أصبحت من الماضي البعيد.
في زواجي بعثتُ له بطاقة دعوة لحفلة العرس، لم يحضر، لكنه بعث لي بهدية عرس جميلة، وهي مزهريّتان من الفضة، وقد نُقش عليها التاج الملكي، وأسمه باللغة العربية، وهي على الرف بجانبي – الآن - وأنا أكتب هذه السطور.