في رواية (كأس من ذهب) القارة الجديدة.. أرض المفاجآت وتحقيق الأمنيات

في رواية (كأس من ذهب) القارة الجديدة.. أرض المفاجآت وتحقيق الأمنيات

بغداد/ أوراق
هنري مورغان، بطل أسطورة يعيش مع والديه في منزل ريفي في ويلز بإنجلترا.. ينتابه شعور برتابة حياته وهو يتطلع برغبة عارمة الى تحقيق أحلام ينطلق من خلالها نحو فضاءات واسعة من النجاح والتألق. أحداث نعيش تفاصيلها في رواية (كأس من ذهب) للكاتب الأميركي جون شتاينبك والصادرة عن دار (المدى) للثقافة والنشر بترجمة سليم عبد الأمير حمدان..

 يتخذ الروائي من الأجواء التي سادت أوروبا في أعقاب اكتشاف كريستوف كولومبوس للقارة الجديدة في عام 1492 فيوظفها كمادة رئيسة تدور حولها أحداث الرواية، وبذلك يجعل مسوغاً للأحلام التي تراود البطل إذ كان الأوروبيون في القرن السابع عشر يتطلعون بشغف للوصول إلى تلك القارة البكر مصحوبين بمشاعر الفضول والثراء، وهنري مورغان يعد واحداً من هؤلاء المغامرين الذين يحزمون حقائبهم وتوجهون في سفر طويل الى الأرض الجديدة المملوءة بالمفاجآت لعلها تحقق لهم احلامهم وامنياتهم، وهذا الشعور نفسه راود روبرت ازاء ابنه وهو يخاطبه مبتسماً: متى ستنتطلق يا هنري؟ سنحس بالوحدة هنا بدونك.. مما يؤسفني أنني لا استطيع ان اغضب وامنع رحيلك.. ثم يجلس لوحده يفكر: لماذا يريد رجال مثلي الأبناء؟، لابد انهم يأملون في ارواحهم المسكينة المهزومة ان هؤلاء الرجال الجدد الذين هم دماؤهم سيفعلون اشياء لم يكونوا هم من القوة ولا الحكمة ولا الشجاعة بما يكفي لأن يفعلوها. انها مثل فرصة أخرى من الحياة، مثل حقيبة جديدة من المسكوكات على مائدة الحظ بعد ان يغادرك الحظ.. ربما كان الغلام يفعل ما كنت سافعله لو انني كنت شجاعاً بما يكفي في السنوات الماضية، اظن ان ابني هذا يجد في نفسه القوة ليطوي الجبال قفزاً ويسير حول العالم.. إنها الرغبة في الوصول إلى جزر الهند تلبية لنداء خفي قادم من وراء المحيطات.. يصل هنري مورغان إلى تلك الجزر لكنه يكتشف بأنه تعرض لخدعة من صاحب السفينة التي اقلته، إذ يقوم بيبيعه للعمل في أحد المزارع التي يملكها جيمس فلاور بتلك الجزر النائية التي جذبت في تلك الأزمنة الكثير من الإسبان والبرتغاليين والإنجليز والفرنسيين، بالتزامن مع سفن تنقل الأفارقة كأيد عاملة إلى تلك البلاد الغنية بثروات غير مستثمرة وأراض خصبة. لكن فلاور يرى في هنري شخصاً مختلفاً، فهو اقرب إلى السيد منه إلى العبد، فتنشأ بينهما صداقة نادرة حتى عندما يقرر هنري الرحيل بعد أن جمع ثروة طائلة يطلب منه صاحب المزرعة البقاء بأي شروط لكنه يرفض مؤكداً انه خرجت إلى البحر ليصنع مصيره واسمه.. وكان هنري ينظر محدقاً في ما حوله ويعرف انه يجب أن يكون راضياً، ولكن عينيه لم تفقدا قط حيلة النظر الى البعيد، وقلبه يبحر خارجاً بعيداً مع كل سفينة عابرة. فيخوض هنري في تلك الأرض النائية مغامرات غير مشروعة بعد يضم الى قراصنة العالم الذي ضموه اليهم مندفعين إلى شهرته.. فأمضى معهم عشر سنوات من القتال والنهب والحرق كقبطان لا يجاريه أحد في القدرة على سلب الغنائم وتكديس الثروات، لكنه كان وحيداً في مجده. وتمضي حياته في هذه الدوامة القاسية التي تزيد من ثروته وشهرته إلى أن يتناهى إلى سمعه ذات نشيد عذب جديد يوقظ في نفسه مرة أخرى روح المغامرة لديه، فثمة امرأة في بنما فاتنة كما الشمس يسمونها قديسة بنما الحمراء. يتهافت عليها الرجال راكعين تحت قدميها، فأغواه نداؤها مشكلاً لديه متعة الحياة الرئيسة بعد ان وجد فيها امرأة بارعة الجمال تملكت كل جوارحه وصارت أهم مطالبه.. وكانت بنما مدينة عظيمة فاتنة في سنة 1670 قوية وثرية تسمى كأس الذهب ما كان لمكان في العالم الجديد البدائي أن يقارن بها في الثراء والجمال. محصناً عصياً على الاستسلام لكنه يقرر اقتحامها وينجح. غير أن نجاحه بقي ناقصاً حين لا تستسلم له سانتا رويا بل تفصح له عن أفكار لم يكن يعلمها، ويصاب بخيبة أمل، لكنه مع ذلك يحظى برضى الملك في إنجلترا وينال لقباً نبيلاً ويتزوج من ابنة عمه اليزابيث ويصبح قاضياً في تلك الجزر النائية، فيصدر الأحكام القاسية على من يقومون بأعمال قام هو نفسه بها في ما يشبه الانتقام من ماضيه ليحتضر وحيداً دونما رضاً على رغم ما حققه من نجاحات لم يكن أحد ليتوقعها من صبي لا يعي ما يريد بالضبط.. فبرغم إنجازاته الكبيرة إلا انه يبقى مهموماً يحتضر وحيداً بين ذكرياته متسائلاً: لا ادري لماذا هربت كانت تحركني قوة منسابة من كل العوالم، ان ذكرياتي تتركني الواحدة تلو الأخرى مثل مستوطنة بجع عجائز تطير مبتعدة الى جزيرة منعزلة في البحر لتموت.


المؤلف في سطور

ولد الروائي الأميركي جون شتاينبك في ساليناس - كاليفورنيا سنة 1902، يعد من اشهر أدباء القرن العشرين في قصصه حول الحرب العالمية الثانية.. انتسب الى جامعة ستانفور ليدرس علم الأحياء البحرية لكنه لم يكمل دراسته فترك الجامعة ليعمل في ميادين مختلفة، وصار يتنقل من مهنة لأخرى.. وحين أراد ان يقوم بأعمال حرة في نيويورك لم يواته الحظ فعاد الى كوخ منعزل في كاليفورنيا ليفرغ للكتابة.. اصدر روايته الأولى"كأس من ذهب"عام 1929 وفيها تجلت سماته الفكرية التي لازمته خلال حياته وهي كرهه للظلم وإعجابه بالفقراء والتزام جانب الضعفاء.. وفي عام 1940 فازت روايته"عناقيد الغضب"بجائزة بوليتزر التي تمنح سنوياً لأهم الكتب وأفضل الروايات.. ومنح عن جميع رواياته وأعماله عام 62 جائز نوبل للآداب، وتوفي بنيويورك عام 1968.