ساعة مع حقي الشبلي

ساعة مع حقي الشبلي

■ عبد الوهاب الشيخلي
صحفي راحل
كنت على موعد مع حقي الشبلي، الفنان العراقي الذي كان له الفضل الأول في دعم الحركة التمثيلية في العراق..
كان منكبا على الأوراق..
رفع رأسه وأزاح النظارة عن عينيه فبدت علامات الإجهاد على وجهه بأجلى معانيها.. وراح يحدثني عما يعانيه ويتكبده هذه الأيام.. قال:


- أنا اشعر بالحاجة إلى الراحة والدعة بعد أن بلغت هذه السن..
* ولكنك مازلت صغير السن نسبيا..
- هذا صحيح.. ولكني اعتقد أن السبب فيما يبدو على من تعب وإرهاق هو العمل المرهق الذي أزاوله.. والذي يتطلب مزيدا من الجهد والدقة في الإدارة..
* انه الثمن.. ثمن المركز الذي نحتله اليوم.. مركز عميد معهد الفنون الجميلة وان كان "بالوكالة". فهز رأسه وقال:
- يا له من ثمن فادح.
وبعد لحظة من الصمت سألته.
* هل استطيع معرفة الشعور الذي انتابك وأنت تقرأ ما نشرته عنك "الاسبوع" بقلم "ابو بتار" قبل عدة اشهر..
- الفنان الذي يفكر بماضيه لا يمت الى الفن بصلة وانا في الحقيقة افخر واعتز بجميع الصور التي نشرت ضمن تلك "الحلقات".. كنت انذاك في عنفوان الشباب.. وانا حاليا احتفظ بـ 32 صورة من ذلك النوع الذي نشرته الاسبوع واخص بالذكر صورة "الحاكم بأمر الله".
واستطرد حقي قائلاً:
شيء واحد أثارني في تلك "الحلقات" هو المغالطات التي تضمنتها.
* هل نستطيع تصحيح تلك "المغالطات".. بذكر الحقائق؟
- من ضمن تلك المغالطات إنني حصلت على "شهادة" لا قيمة لها.. وأنا لا ادري كيف سمحت الجهات المسؤولة بتعيني وأنا احمل مثل هذه الشهادة.. ثم ما قيمة الشهادة اذا كنت جاهلا بأصول الفن.. أنا افخر بكفاحي وممارستي الأولى للفن أكثر مما تعنيه كلمة "الشهادة".. يقولون إن الذي كان يجب أن يسافر إلى باريس هو فاضل عباس.. وليس لي جواب على هذه "المغالطات" سوى السجلات الحكومية وفاضل عباس نفسه.. الذي مازال حيا يرزق.. باستطاعة كل من يتحرى الحقيقة الرجوع اليهما للتأكد من صحة ما نشر عني في الاسبوع.
انا لم اسافر الى باريس الا بعد اداء امتحان أمام لجنة عينتها الحكومة ولا اعترف بفضل احد علي بل انني اتحدى كل من يدعي ذلك الفضل.
وسحق حقي سيكارته ورد على التلفون واستطرد قائلاً:
ان الذي نبه المسؤولين هو النشاط الذي ابديته على مسرح الاعدادية المركزية والذي كان يحضره عليه القوم من وزراء ونواب وشخصيات بارزة.. لقد شعر المسؤولون بضرورة تقويه الفرقة التمثيلية فاقترحوا ارسال عدة طلاب الى باريس لدراسة هذا الفن ولاسباب عائلية رفض الزميل فاضل عباس السفر الى باريس.. فذهبت وحدي بعد ان اديت امتحانا في مسرحية "الحاكم بامر الله"..
نسمع نع تأسيس الفرقة القومية للتمثيل والموسيقى .. نرى متى يتم تأسيس هذه الفرقة وما هي العقبات التي نقف في طريقها اليوم؟
- ... في السنوات الاخيرة لاقينا معاونة ملموسة من المسؤولين فيما يتعلق بالفن عامة ومعهد الفنون خاصة وقد قررت الجهات المسؤولة اخيرا تشييد دار للاوبرا وبناية جديدة لمعهد الفنون الجميلة.. وقد جاء ذلك بفضل جهود المرحوم محمد امين حيدر وما قدمه المعهد من "نشاط" فني خلال السنوات الماضية لا سيما امام وفود الدول التي ابدت اعجابها بكل ما قدم على مسرح معهد الفنون الجميلة. ولا شك في ان انشاء دار للاوبرا ومسرح وبناية جديدة لمعهد الفنون الجميلة سيبعث روحا جديدة في الاوساط الفنية المفتقرة الى التشجيع. وكانت للمعهد اليد الطولي في تحقيق هذه الفكرة.. هذا من جهة ومن جهة اخرى فان هناك عقبات عدة تقف دون تحقيق امنية "الفرقة القومية للتمثيل والموسيقى" منها.
* عدم وجود مسرح دائم تقدم عليه الفرقة انتاجها بصورة مستمرة..
* الافتقار الى العنصر النسائي المثقف الذي نحاول جهد طاقتنا ايجاده ليساهم في دعم حركة التمثيل مع بقية الطلاب المتخرجين والفنانين العاملين.
* رصد مبلغ كاف لتشييد المسرح وتاليف الفرقة وضمان مستقبل الفنانين من ممثلين ممثلات واختصاصيين الى جانب تشجيع المؤلفين العراقيين والادباء المهتمين بترجمة واقتباس الروايات العاليمة وتاليف المسرحيات المحلية.
وارجو ان يتاكد الجميع بان المعهد لن يتاخر في سبيل ازالة هذه العقبات بعد ان نشأت في العراق طبقة مثقفة تتذوق الفنون الجميلة على اختلاف الوانها.. هذا فضلا عن ان الشعب العراقي يميل الى الفنون الجميلة على دلت تجاربي الطويلة على ذلك منذ اكثر من ربع قرن.
* ما هي الانجازات التي ستتم بالنسبة لمعهد الفنون الجميلة؟
- بعد ان صدر النظام الجديد هذا العام وتاسس القسم العالي لجميع الفروع الى جانب القسم الاعدادي.
لاعداد المدرسين مع بقاء القسم المسائي على حاله.
سيلمس الجمهور العراقي خلال السنوات القادمة نهضة حقيقية شاملة لن تقتصر على العاصمة وحدها بل ستشمل جميع انحاء العراق.
وهذه النهضة ستكون من نوعين داخل المدارس وخارجها.
* كم هي عدد الفروع الفنية بمعهد الفنون الجميلة؟..
- هناك القسم النهاري وهو خاص باعداد المعلمين ويتألف من اعدادي وعال والعالي يبدأ من السنة القادمة. اما الفروع الفنية بالنسبة الى القسمين النهاري والمسائي فهي:
* الموسيقى الشرقية .. الموسيقى الغربية.. التمثيل .. الرسم.. النحت والفخار.. الزخرفة والخط العربي.
* قال لي مسؤول في الاذاعة العراقية ان المعهد مقصر في تقديم العناصر الفنية للاذاعة وان العناصر الحالية لا تنفع في ملء البرامج؟
 فقال لي بلهجة بدت غير عادية.
- ان دار الاذاعة العراقية تعتمد اليوم في الدرجة الاولى على العناصر التي اخرجها المعهد الى الوجود.. وليس ادل على ذلك من ان نسبة الفنانين العاملين فيها والذين تخرجوا من المعهد تزيد على 75% سواء كان في الغناء او الموسيقى او التمثيل.. ولولا هؤلاء لاضطرت الاذاعة الى التعاقد مع فنانين اجانب او تغلق ابوابها فنيا وتقتصر على تقديم المناهج الاخرى..
والمعهد ما زال يمد الاذاعة كل سنة بعدد من الفنانين قدر المستطاع للمساهمة مع الزملاء السابقين. والعمادة تعتبر الاذاعة والتلفزيون دائةر فنية منها واليها..
اما اذا عجز بعض الفنانين عن مجاراة ما يتطلبه الاداء الاذاعي فمرجع ذلك الى الدراسة العالية التي يتلقاها تلميد المعهد .. انا اعترف بان خريج قسم الموسيقى في المعهد لا يستطيع مصاحبة مطربة الملاهي بل انني لا احبذ مثل هذا المبدأ.
ان معهد الفنون الجميلة لا يشبه الملهى بحال من الاحوال وهو ينظر الى الفن نظرة اكبار واجلال وكل فنان حريص على فنه وسمعته بريا بنفسه ان ينزل الى مستوى الاداء في الملاهي وصالات الرقص.
اما اولئك الذين ساهموا وما زالوا يساهمون ف العزف الرديء فانهم اضطراو الى ذلك لسد الفراغ في المناهج الفنية وحسب توجيه بعض الفنانين ممن لم يتلقوا الدراسة المنهجية.
مجلة الشعب 1957