الصراع بين التجديد والقديم في العراق ابان الايام الاخيرة للعثمانيين

الصراع بين التجديد والقديم في العراق ابان الايام الاخيرة للعثمانيين

■  محمد جبار ابراهيم
أكدت الاضطرابات التي تسبب بها قرار إقالة الوالي ناظم باشا الثاني (1910-1911) حقيقة مهمة مفادها إن القوى المحافظة كانت لا تزال قادرة على إثارة المتاعب للسلطة الحاكمة التي كانت مستنفرة ومتهيأة لاعلان الاحكام العرفية في بغداد  ، مما أعانهم في دفع الحكام الجدد على عدم تفعيل المواقف النظرية المضادة لهم ، فالقرار القاضي بوضع كل الاوقاف المستثناة من الضرائب على قدم المساواة مع بقية الاوقاف ،

 والذي كان ينطبق على أوقاف القادرية في بغداد التي كان يديرها عبد الرحمن الكيلاني بقي بلا تنفيذ. كما لم تستطع أول لجنة للاتحاد والترقي في بغداد أن تستمر في مواقفها الراديكالية طويلاً ، فحلت لصالح لجنة أخرى أواخر العام 1909 وصفت بأنها "أكثر تعقلاً" والتي نالت تأييد عبد الرحمن الكيلاني وبقية عوائل "السادة"  . بل ونجحوا في فرض سيطرتهم على المجلس الاداري لعموم ولاية بغداد ، الذي جاء أعضاؤه على الضد من إرادة الاتحاديين ، وذلك في أيلول 1913.
وهكذا إحتفظت عوائل "السادة" في العراق بمواقعها بعد إنتصار الثورة الاتحادية في تركيا ، وذلك على العكس تماماً مما حصل في تركيا نفسها التي مَثَّلت الثورة لها انتصاراً لقوة اجتماعية جديدة هي الطبقة الوسطى التركية ، وأدت الى هيمنة رأس حربة هذه الطبقة ، أي ضباط الجيش الذين ينتمون اليها  ، على حساب باشوات تركيا أصحاب الامتيازات .
الوعي المختلط للعمال الموسميين (الزراعيين) الذين كانوا يؤلفون الجانب الاكبر من أفراد "الطبقة العاملة الوليدة" احتفظوا بايديولوجية العلاقات الاجتماعية الريفية ، وعوقهم النفسي ، مما ساعد على استغلال هذه الفئة بجرها للوقوف ضد مصالحها الاجتماعية والاقتصادية في كثير من الاحيان . ففي حوالي العام 1876، مثلاً ، تمكن متصرف المنتفك من جمع عدد كبير من العمال من بين فلاحي المنطقة لبناء سد على الفرات بأجور زهيدة لمجرد كونه أحد شيوخ المنطقة . وكان المشرفون على مشروع سدة الهندية يتصرفون مع العمال كما يشاؤون ليس لمجرد توفر الايدي العاملة الرخيصة ، بل لأنهم كانوا يدفعون للشيوخ أيضاً ليرة تركية في الشهر عن كل خمسين رجلاً يزودون المشروع بهم(.
وبحكم هذه الظروف والعوامل التي تفاعلت معها ، ساد الاتجاه التوفيقي في طروحات المثقفين العراقيين ، لاسيما السياسية منها ، من أجل التوفيق بين رغبتهم العارمة بالتغيير الشامل ومصالح الفئات المتنفذة العراقية ، والذي سهل تفاعل هذه العملية إن العديد من المثقفين توصلوا الى نتيجة تمخضت تحت وطأة عدم انسجامهم مع المؤسستين العشائرية والدينية ، وخيبة أملهم بنتائج مؤسسات المجتمع الثقافية الحديثة ، فلم يبق أمامهم الا المؤسسة السياسية التي أصبحت خياراً وارداً بفضل ثورة الاتحاديين التي كان من شأنها ان تمكنهم من اكتساب وزن سياسي كاف لموازنة النفوذ الاجتماعي للقوى المحافظة ، وقد يتيح لهم ذلك الفرصة لتفعيل دورهم المفترض بوصفهم نخبة قائدة في المجتمع العراقي ، وكان يحدوهم الى ذلك أيضاً أملهم في تحقيق طموحاتهم الشخصية المشروعة .
وفي الوقت نفسه أدرك العديد من أفراد الفئات المتنفذة تدريجياً إن في ظل حكومة بورجوازية متمثلة بالضباط الشباب الاتراك ذات ميول علمانية لم يعد من المفيد لهم تجاهل امكانيات فئة الانتلجينسيا العراقية ، والتقارب أو التعاون الوثيق الذي حصل بين طالب النقيب والمحامي سليمان فيضي خير إنموذج لما تقدم .
كان معروف الرصافي من أوائل المثقفين العراقيين الذين طالبوا بالحكم الجمهوري من خلال قصيدته "رقية الصريع" التي نظمها في العهد الحميدي ، عندما قال :

إن الحكومة وهي جمهورية
كشفت عماية كل مضلل
سارت الى نجح العباد بسيرة
أبدت لهم حمق الزمان الأول

وعند إعلان الدستور العثماني 1908 احتدم النقاش حول نظم الحكم ونظرياته الفلسفية والاجتماعية ، منها الحكم الملكي الاستبدادي المطلق ، والحكم الملكي الديمقراطي الدستوري ، وكذلك الحكم الجمهوري . ففي النجف ، مثلاً ، ولأن جميع الأنظمة الجمهورية والديمقراطية المعروفة في ذلك الوقت كانت علمانية ، لذلك برر التيار الرافض لفكرة الجمهورية على أساس كونها تمثل إحدى شعارات الغرب الذي يريد "إنهاء الإسلام" في البلاد من خلال اشاعة المظاهر الغربية في الحياة ، وتعطيل أحكام الشريعة الإسلامية في المجتمع  . بينما احتج المؤيدون للحكم الملكي الديمقراطي الدستوري ان كل أنواع الحكم وأشكاله ونظرياته من الأمور الوضعية ، ويحق لكل مسلم أن يأخذ بما يوافقه منها تمشياً مع نظرية "حجية العقل" في كل الشؤون الدينية ، الأصول منها والفروع ، مع ثبوت عجز الملكية المستبدة عن المحافظة على بيضة الإسلام ، والصمود في وجه المستعمرين الغزاة  . وقد اطلقت تلك الآراء المتعلقة بانظمة الحكم المفضلة مناقشات سياسية أخرى كالتي حدثت في المنطقة الكردية ، ففي السليمانية ، مثلا ، أوضح الرحالة الانكليزي ، والخبير في شؤون الاكراد ميجر سون ، الذي زار المنطقة متنكراً بشخصية وهمية ، نتيجة تلك المناقشات بالقول :
"وعلى غرار أغلب الاكراد اظهر القوم عطفاً على الملكيين بأكثر من العطف على الجمهوريين الذين كانوا يعتدونهم نفراً من الجماعات الناشظة في سبيل الشر، مجردين من أي موهبة تؤهلهم لحكم بني جلدتهم" .
وهكذا في حال حصر الخيار بين الملكية والجمهورية فان الاخيرة كان تأييدها ضعيفاً بين سكان الولايات العراقية ، لأنها كانت تعني عملياً الانفصال عن الدولة العثمانية ، لذا فان مطالبي اللامركزية حرصوا على تأكيد استمرار تأييدهم لكون العراق "أرضاً عثمانية" تحت راية الهلال ، وسلطة الخلافة  .
إن فكرة اللامركزية التوفيقية التي جمعت بين بعض خصائص جوهر الجمهورية التي تلخصت في حق المشاركة في الحكم بصورة أوسع مما يضيق به النظام المركزي ، مع المحافظة على رابطة الخلافة التي تتيح إدامة شكل الحكم الاسلامي للولايات الثلاث ، كانت من أكثر الافكار السياسية انتشاراً بين العراقيين، حتى إن "سياسة اللامركزية أصبحت مرمى أبصار الجميع" حسب تعبير جريدة "صدى بابل". وباستثناء البصرة أصبحت بغداد من أنشط مدن العراق الداعية الى اللامركزية من خلال "النادي الوطني العلمي" منذ العام 1913، على الرغم من إن النادي تأسس أوائل سنة 1912 من قبل الانتلجينسيا البغدادية ، غير إن شعار اللامركزية هو الذي أعطاه بريقه ، ومنحه التأييد المادي والمعنوي للعديد من الشخصيات العراقية المتنفذة مثل يوسف السويدي وعيسى الجميل وعبد الرحمن الكيلاني وطالب النقيب.
ليس المهم في الصيغة التمثيلية للامركزية التي ضمنها الدستور سلفاً ، ولكن في صلاحياتها الواسعة الممنوحة للمجالس الادارية للولايات التي حرصت الفئات المتنفذة على ادامة السيطرة عليها ، والتي يمكن تفسيرها بانها جاءت كرد فعل تجاه مشروع الاتحاديين السياسي لتكريس "السيادة الوطنية" لاستكمال مقومات الدولة الحديثة ، أو بشكل دقيق تجاه الجزء الذي يخصهم منه ، المتضمن العمل على تمفصل المواطنة في قواعد الدولة لتكون المعيار الوحيد المحدد لشكل علاقتها مع أفرادها من مختلف الفئات والطوائف ، وعلى أساس إن الحكم هو "احترام إرادة الشعب"  ، وبطلان شرعية أي حالة تمايز خارج نطاق قانون الدولة وإنْ كانت قد اصبحت عملياً تحت سيطرة السلطة التنفيذية للضباط الاتراك.
ولو حاولنا أن نفهم أكثر طبيعة فلسفة مطلب اللامركزية الادارية من خلال طروحات أحد أبرز المشاركين في صياغتها ، وهو سليمان فيضي معتمد "جمعية البصرة الاصلاحية"  ، لتوصلنا الى إن حماية مبدأ التمايز الاجتماعي والعمل المشترك لاجل ذلك ، لاحقا ، على تحويلها الى سلطة هرمية محلية ، الوالي العراقي رأسها والمجالس الإدارية قاعدتها ، أي أن التمايز
الاجتماعي السياسي كان هو الاساس الحقيقي لوجودها . فبعد أن حدد سليمان فيضي ماهية حرية ممارسة الفرد لحقوقه حسب رأيه ، وهي الحرية الشخصية والحرية المدنية والحرية السياسية التي نشرها في أحد أعداد جريدته "الايقاظ" الصادر في آب سنة 1909 ، حدد مفهومه للمساواة بقوله : "وهي أن يكون الغني والفقير ، والكبير والصغير ، والمسلم وغير المسلم في الحقوق الشخصية سواء لا فرق بينهما ، وفي سائر الاحوال بمقتضى التطبيق لأصول التربية والآداب والعرف العام ، ويلزم أن يعرف كل أحد مقامه" . وواضح في الجملة الاخيرة دور الحرية التكييفي الذي يعتمد التراتبية الاجتماعية ، لاسيما وأنه جعل أصول التربية والآداب والعرف العام المعايير المحددة لطبيعة وطريقة تفعيل مبدأ المساواة في المجتمع ، مسقطاً دور القانون من حساباته . لكن هذا لم يمنع من وجود أكثر من نقطة طموحة في برنامجه ، أهمها دعوته "لأن يكون كل فرد حراً بتشكيل كل نوع من أنواع الشركات المتعلقة بالتجارة والصناعة والزراعة ، وليس لأحدٍ حق المعارضة ، ويكون مفوضاً على فتح مكتب باسم التدريس خصوصياً كان أو عمومياً بشرط مطابقته للقانون" ، أي أنه دعا الى تطبيق الحرية الاقتصادية وحرية التعليم ، والتي عكست رغبات البورجوازية العراقية من الكومبرادور والملاك وفئة الانتلجينسيا العراقية معا ، ولان طروحاته حافظت على اعتدالها قدر تعلق الامر بمصالح المراتب الاجتماعية العليا ، أصبحت أهمها جزءا أساسياً من برنامج "جمعية البصرة الاصلاحية"  ، الذي كان عبارة عن وثيقة مساومة ، وحل وسط لتحالف عناصره المتباينة .
إن قدرة الافكار السياسية الغربية على التعايش بين المجتمعات المتخلفة ، أذن ، كان يعتمد على مدى قابليتها على التماهي مع الوقائع الاجتماعية السائدة فيها ، وبالذات تلك التي تثير الحساسية أكثر من غيرها . لذا لا يمكن أن نطمئن فقط بتعليل الدكتور عامر حسن فياض ، الذي عزا عدم انتشار الديمقراطية الليبرالية بوصفها إختياراً ثقافياً في تلك المجتمعات ، الى شيوع الامية ، وتشرنق الاغلبية فيها بالاطار المعرفي الموروث  . وهنا نستعير الحوار التالي الذي تم بين أحد شيوخ شمر جاء لزيارة نقيب بغداد السيد عبد الرحمن الكيلاني رئيس وزراء العراق  ، وهو أفضل مثال عن وجهة نظر أحد اصحاب السلطات المحلية : "سأله النقيب : هل أنت ديمقراطي ؟ أجاب الشمري بعد أن أحس بشىء من الاهانة : كلا والله ! أنا لست مقراطي . ماذا تعني بذلك ؟ قال النقيب منشرحاً: أنا شيخ الديمقراطية ، فما كان من الشيخ الذي أحس بأنه ارتكب خطأ بجوابه إلا أن قال : استغفر الله ، إذا كنت شيخ المقراطية فانا واحد منهم ، وانا رهن اشارتك. لكن ما هي المقراطية ؟ . قال النقيب : الديمقراطية تعني المساواة ، لا كبير ولا صغير ، بل الكل متساوون في السلطة . هنا افاق الشمري من ذهوله وقال ، بعد أن وجد سلطته العشائرية قد جردت عنه بهذا التعريف ، يشهد الله عليّ اذا كان الأمر كذلك فلست مقراطي"  .
كانت الاشتراكية من أكثر الافكار الراديكالية التي لم يكن بالامكان أن تتحقق في المجتمع العراقي ، لأنها كانت تعني ببساطة الثورة على البنية الفوقية (النظام السياسي) والبنية التحتية (المجتمع) معاً ، في الوقت الذي كانت فيه أدواتها وقواها غائبة تقريباً ، مع ذلك فعلى أثر قيام ثورة الاتحاديين طرح عدد من المنتمين إلى الانتلجينسيا ، في احد اجتماعات "حزب الاتحاد والترقي" ببغداد فكرة خطيرة مست جوهر الاشتراكية ، كان أكثر المتحمسين لها سامي الاورفلي أحد الضباط العراقيين الذي كان من رأيه ومؤيديه : القيام بمصادرة أموال وأملاك الاغنياء لأنهم جمعوها بظلم الاهالي ، وتزلفهم لأصحاب السلطة ، لذا فان كل ما في أيديهم من أموال وأملاك هو ملك الشعب. لكن هذا الرأي واجه معارضة كبيرة حتى من داخل الحزب  ، ولم ينجح إلا في اثارة فزع العوائل البغدادية المتنفذة .
النزعة الراديكالية التي اظهرتها المجموعة هذه من المثقفين حتى لو كان عددهم محدوداً ، تبين إنها قد توفرت لها الفرصة منذ وقت غير قصير للتعرف على الافكار الاشتراكية التي كانت وراءها بالفعل عدة روافد ، من بينها الصحف والمجلات العربية ، وابرزها في هذا المجال مجلة "المقتطف" البيروتية الصادرة منذ العام 1876  ، لكن أشد هذه الروافد تأثيراً في إعداد وعي فكري ذي ميول ثورية ، ومتقبل للافكار الاشتراكية هو الرافد التركي ، رغم كل صرامة النظام الحميدي وهوس جهاز جاسوسيته للكشف عن مكامن مثل هكذا أفكار في أرجاء السلطنة العثمانية ، ففي اسطنبول نفسها - عرين السلطان أكد محمد رؤوف طه الشيخلي إنه ، مع عدد من زملائه حصلوا أثناء دراستهم في المدرسة الحربية على كتب وأشعار لكتاب اتراك تحدثت عن الحرية والوطنية والعدالة ، عرفتهم بالافكار الغربية التي كان فضولهم لها شديداً ، لدرجة أنهم كانوا يصرون على الحصول عليها ، وكانوا يخبئونها حتى لا يكتشفها مسؤولو التفتيش . كما قال إن عدداً من الطلاب حصلوا على جريدة أسمها "غيرت" كانت تطبع في بلغاريا ، وكانوا يتناولونها فيما بينهم ، ويبدو إنها كانت إحدى جرائد "تركيا الفتاة" المناوئة لحكم عبد الحميد . وذكر أيضاً أنه قرأ كتاب "وطن" وهي رواية تمثيلية من تأليف الشاعر التركي المعروف نامق كمال ، حصل عليها من اصدقائه ، وأصبح هو بنفسه يبحث عن هذا النوع من الكتابات ليجمعها ، فقد إشترى بالفعل عدداً من الكتب من تأليف الأديب التركي عبد الحق حامد باشا  وغيره من الكتاب حرص على "الاقفال عليها في صندوق خاص بها" كان يخبئه عند من يثق بهم (. إن دور هذه الافكار التي اطلع عليها الضباط العراقيون خلال دراستهم في العاصمة العثمانية لم يقتصر فقط على الإجابة على تساؤلاتهم ، بل يبدو إنها أدت الى نشوء تيار متشرب بالافكار الغربية حملت بين طياتها بذور الثورة التي من المحتمل جداً إنها وجدت أرضاً خصبة بينهم ، فقد أتى معظمهم من الفئات الدنيا للطبقة المتوسطة ، وكانوا يؤلفون ، في الوقت نفسه ، ما نسبته 93% من مجموع عدد الطلبة العراقيين الذين درسوا في المدارس العالية باسطنبول ، وقد وصل عددهم الى 1400 طالب خلال المدة 1872-1912  ، مما كان يعني إنهم كانوا يمتلكون تقريباً التجانس الثقافي والاجتماعي ، ونسبيا الزخم العددي ذي الأهمية المعنوية الدافعة لهم ، وإن كل ذلك قد يفسر لماذا أولى الدعوات لتطبيق الملكية الاشتراكية في العراق الحديث كان صاحبها ينتمي الى فئة الضباط العراقيين .
وقدمت فئة الانتلجينسيا العراقية المدنية هي الاخرى عدداً آخر ممن تأثر بالفكر الاشتراكي ، ففي العام 1908 صدر في اسطنبول كتاب باللغة التركية مترجم عن الفرنسية يحمل عنوان "الاشتراكية" ، طرح فيه الناشر إبراهيم حلمي العمر هدفه من ترجمته الذي حدده بالحاجة الى انقلاب اجتماعي وديمقراطي للشعب ، مدافعاً عن الفلاحين والعمال ، ومهاجماً الرجعية من الملاكين والاغنياء المستغلين لهم ، لكنه أكد على إن الاشتراكية لكي تنتشر وتتغلغل فانها تحتاج الى الكهرباء والمؤسسات الصناعية داخل البلد لتكون الاخيرة نقطة ارتكازها . أي أنه لم يكن يفضل الطريق الثوري لتحقيق النظام الاشتراكي في المجتمع بل الحل المتدرج وعبر مراحل اقتصادية تبدأ باقامة بنية صناعية لتوسيع أعداد "الطبقة العاملة الوليدة" بشكل يسمح باقامة مثل هكذا نظام اقتصادي متطور . وعلى أي حال فانه أصبح فيما بعد من أعضاء "النادي الوطني العلمي" الذي عرف بتركيزه، لاسيما أول الأمر ، في برنامجه الاصلاحي المرحلي الذي أكد على الدعوة إلى تأهيل أفراد المجتمع العراقي من خلال الاهتمام بالتعليم ونشر العلم والثقافة بينهم .
 وفي الحقيقة إن أكثر المثقفين العراقيين راديكالية معروف الرصافي لم يكن يرى فقط عدم جدوى الدعوة الى تطبيق المبادئ الاشتراكية عن طريق الثورة، لكنه تبنى الاسلوب التوفيقي فيما يخص هذا الموضوع بدعوته الاغنياء الى تفعيل مبدأ التكافل الاجتماعي تجاه معاناة الفقراء  ، وليس صحيحا الرأي القائل إن مثل هكذا دعوة تعكس فشل أصحابها في ادراك سبل تغيير وقائع حياة المجتمع الاقتصادية المتخلفة  ، فالرصافي كان يعرف جيداً إن وطأة الحكم الحميدي وملحقاته لم يبق أمام الفئة المثقفة إلا الخيار الثوري لعلاج المعاناة التي تسبب بها هذا النظام بين أغلبية أفراد المجتمع العراقي ، لذلك نراه بالفعل يدعو الى الثورة على السلطان عبد الحميد عندما أنشد قائلاً :
يا أمة رقدت فطال رقادها
هبي وفي أمر الملوك تأملي
أيكون ظل الله تارك حكمه الـ  منصوص في أي كتاب المنزل
بل وكرر دعوته هذه في قصيدة أخرى حينما أنشد :
عجبت لقوم يخضعون لدولة
يسوسهم بالموبقات عميدها 

لكنه رغم انفعالاته كان واضحاً لديه عدم واقعية مثل تلك الدعوة ، لعلمه إن عامة الناس واقعون تحت تأثير زعمائهم المحليين ، فقد ورد في القصيدة نفسها قوله :
إذا جاهل منكم مشى نحو سبة 
مشى جمعكم من غير قصد يريدها

وفي عهد الاتحاديين كان يصر على إن تطبيق المبادئ الاشتراكية هو الهدف الحقيقي من الثورة ، لذلك انتقد قيام الحكومة في العام 1913 بتخصيص رواتب لاصهار السلطنة في قصيدته التي سماها "آل السلطنة" الذين وصفهم بأنهم :
يأكلون اللباب من كد قومٍ 
اعوزتهم سخينة من نخالة

فكأن الأنام يشقون كداً
كي تنال النعيم تلك السلالة 

لذا استهجن ذلك بقوله :
ليس هذا في مذهب الاشـ 
تراكية إلا من الأمور المحالة

وتأسيساً على ما سبق لا يمكن أن نتفق مع الرأي الآخر المتضمن إن دعوة الرصافي الاغنياء لمساعدة الفقراء هي نتيجة العجز الفكري عن رؤية الدور الذي تمارسه الدولة ونظامها السياسي والاقتصادي في خلق وترسيخ مآسي الفقراء (، فالواضح إن فئة المثقفين قد ادركت ذلك جيداً ، وبالذات دور بعض العقول في حكومة الاتحاديين في إدامة مثل تلك المعاناة ، مما يؤكده أيضاً ما حدث في العام    1913 عندما قرر أعضاء "النادي الوطني العلمي" مقاومة عزم الحكومة على بيع الأراضي الاميرية بالمزايدات من خلال اثارة المظاهرات في بغداد ، لولا إن الباب العالي قد تراجع عن قراره ، الأمر الذي قد يُعزى الى انشغاله بحرب البلقان وانعكاساتها على الساحة الدولية .
على كل حال إن الاستياء الذي اثارته السياسة الاقتصادية الحكومية قد دفعت أكثر المثقفين وفاءاً للاتحاديين (الرصافي والزهاوي) باعادة النظر بحساباتهم ولو متأخراً ، وكان من نتيجة ذلك أن بدأ الأول بالميل للاخذ باللامركزية الادارية ، وأخذ الاخير بالتقارب مع توجهات سليمان فيضي الذي سرعه اندلاع الحرب العالمية الأولى  .
عن رسالة ( البنية الاجتماعية واثرها السياسي )