بنــت عــــــــــرب..تجارب المهاجرات العربيات في الولايات المتحدة

بنــت عــــــــــرب..تجارب المهاجرات العربيات في الولايات المتحدة

بغداد/ أوراق
التمسك بالقيم الدينية والاجتماعية والسياسية التي اجتازت الحدود ووصلت إلى الولايات المتحدة، يكشف السياق الثقافي الذي يشكل الصورة النمطية للمرأة العربية. تفاصيل نستشعرها ونعيش في اجوائها من خلال كتاب (بنت عرب ـ النساء العربيات والعربيات الأميركيات في الولايات المتحدة) للكاتبة اللبنانية (إفلين شاكر) بترجمة أمل منصور ومراجعة الدكتورة فائقة الصادقي..

 مبينة انها في كل مرة حين تعرف نفسها كعربية تشعر كأنها زائر غير مرغوب فيه ينتمي الى جيل تم اقتلاعه من العالم العربي. مشيرة الى ان الصورة الشائعة شوهت العرب رجالاً ونساءً على حد سواء، وقد وجدت أنها لم تكن خدعة لغوية تلك الصورة التي تربطها بالعرب. مشيرة الى ان الفكر النسوي اصطبغ بكثير من مقولات الثقافة الغربية القائلة بشمولية العقل الغربي فظهر ما اصطلح عليه بالنسوية البيضاء، أي الفكر النسوي الذي عمم مشكلة المرأة الغربية باعتبارها مشكلة كونية تخص النساء قاطبة في كل مكان، وجرى اعتماد تصنيف نسوي تخطى مفاهيم العرق والثقافة والطبقة وركّز اهتمامه على جنس النساء فعزلهن، ونظر إليهن على أنهن المستهدفات من الثقافة الأبوية  الذكورية. وأخفى هذا التحيز في طياته أمراً مهماً، فكثير من النساء، خارج المجال الغربي، يعانين ليس فقط من كونهن إناثاً، إنما أيضاً لأنهن مهمشات عرقياً، أو طبقياً أو ثقافياً، أو مذهبياً أو قبلياً أو أسرياً. فمشكلة الجنس الأنثوي في المجتمعات التقليدية، تندرج في سياق مشكلات كثيرة لا تقل أهمية عن المشكلات التي تثيرها النسوية البيضاء، إن لم تكن أكثر تأثيراً في حياة المرأة ومصيرها، لكون النسق المهيمن في العلاقات الاجتماعية نسق إقطاعي أبوي يقوم على مبدأ الطاعة والخضوع، ويحكمه التراتب الفئوي والطبقي والجنسي والمذهبي والقبلي. وقد ظهر هذا التعميم واضحاً في النظرة النسوية البيضاء إلى النساء المنحدرات من أعراق وثقافات وعقائد مختلفة. وتكشف الكاتبة ذلك الإحساس وهي تروي تجارب المهاجرات العربيات إلى أميركا، وإعادة التعريف بهويتهن طبقاً للمتغيرات السياسية في أوطانهن الأصلية، والمتغيرات في أميركا وطنهن الجديد. ومهما تعددت هوياتها الوطنية فقد كانت المرأة منهن تعرف ببنت عرب وهذا التعريف يحمل صبغة عرقية تحيل إلى الأصل، لكنها تعبر أيضاً عن موقف سياسي موصول  بالاعتداء الذي يتعرض له العرب في بلادهم من طرف إسرائيل وأميركا.. وتفصح الكاتبة ذلك بقولها إنه حيثما انطبق عليّ وصف العربية أصابتني الحيرة، بسبب التناقض بين ما يعتقده الآخرون عن العرب، وبين ما أعرفه أنا عن العرب الأميركيين، فالفكرة الشائعة غير لائقة على الإطلاق إرهابيون، شيوخ نفط، حريم السلطان، هي تعابير كان من المستحيل ربطها بعمّي الذي اعتاد أن ينجز فطائر التوت لإفطار زوجته، أو يغسل ملابسها الداخلية بيديه، أو عمّي الآخر عضو نادي الروتاري الذي صوّت لصالح الجمهوريين، وكان شماساً في الكنيسة المعمدانية. نعم كان هناك رجال مستبدون وسريعو الغضب، وكذلك نساء يخشين التعبير عن آرائهن، وفي نفس المنحنى وعلى نقطة مختلفة، توجد نسوة يرتدين ملابس كالمومسات، ويتحركن بطريقة استفزازية، ويستولين على أزواج الأخريات، لكن معظم نساء الجالية كن يركبن الترام إلى مصانع الألبسة. كانت هناك نسوة يلعبن الورق مع أزواجهن وصديقاتهن في أمسيات السبت، ويفتحن بيوتهن للعائلة أيام الأحد، ولا يمكن تشبيه هذه الفئة بالحريم أو خادمات البيوت، كذلك هو الحال مع النساء من مختلف الأعمار، ممن يرقصن في نزهات الكنيسة، واللواتي يبقين في ذاكرتي كتجسيد للفضيلة الكاملة، حيث لا نستطيع استعمال الوصف الشائع بأنهن لعوبات، الرفض المحبب الذي نؤمن به انتزع بعيداً من الجهد المتعرق لراقصة هز البطن في النوادي الليلية، تلك المخلوقة التي صيغت لتوافق فنتازيا الأميركان المثيرة حول الشرق، وهذا يذكرني بالذي كنت أنويه في طفولتي عندما كنت أراقب النادلات العربيات في حفلات المساعدات النسائية، وهن ضاحكات محترمات حيويات. لقد كانت تشحب إلى حد التفاهة صورة كل الإنجليزيات والايرلنديات اللاتي زاملتهن في المدرسة.. لم تتمكن بنت عرب من تفسير هذا التشوش الثقافي العميق إلا بعد أن اطلعت على كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد، فذلك ساعدها على وضع مسألة أسطورة العرب في سياق تاريخي، وفهمها ليس كموضوع ترهيب، ولكن كتبرير مقنع حول الاستغلال السياسي والاقتصادي والثقافي للأراضي المستعمرة، فالاستشراق نمط تفكير يقسم العالم إلى قطبين متنافرين غرب وشرق، هم ونحن. ويفترض أنهم الآخرين غريبو الأطوار جهلة فاسدو الأخلاق ومتخلفون جينياً، بحيث لا يستطيعون إدارة شؤونهم، ولا يمكن الثقة بأنهم يدركون ما هو في صالحهم، لكن هذا الإطار التفسيري الذي ساعدها على تفسير موقع الآخر في ثقافة الامبراطورية، كشف لها أيضاً موقع العربيات في النظرية النسوية الأميركية البيضاء، فقد توقعت أن الأنثويات الأميركيات سيرفضن ذلك التمييز حتى لو جرى تطبيقه على العرب. لكن هذا لم يحدث، بل أظهرن اهتماماً شخصياً بنشر قصص عن هجمة الرجال العرب مكرسات بذلك الصورة الشائعة للمرأة العربية على أنها سلبية وعاطفية، تحتاج إلى من يوقظها من غيبوبتها العقلية والسياسية والأخلاقية. وهذا الوصف قد يكون ذا معنى إذ يهدف إلى شجب المجتمع الأبوي بأقوى صورة، لكنه أصبح ضاراً ومؤذياً عندما تحول إلى تصريحات طنانة عن التفرقة الجنسوية ضد المرأة العربية، وهكذا فشكاوى الأنثويات الفلسطينيات تحكي أنه مطلوب منهن ليس فقط النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي وقوى الرجعية داخل جاليتهن، وإنما عليهن أيضاً الكفاح على جبهة ثالثة تتمثل في مواجهة الأنثويات الغربيات اللواتي يدعين أنهن يتكلمن بالنيابة عن العربيات، لكن ينتهي بهن الأمر إلى هجائهن. فيما المرأة العربية المهانة تقف موقف الدفاع، وتمتنع عن نقد المجتمع العربي، وخاصة في هذا البلد الذي يتخذ من استصغار العرب قاعدة له.. وبذلك تكون الكاتبة قد قامت بمسح يمتد من أواخر القرن التاسع عشر الى يومنا هذا، مع التركيز على الطرق التي عالج بها كل جيل التباين بين القيم التقليدية العربية والحريات الاجتماعية والجنسية المتاحة في الغرب.