منتج فلم    سعيد افندي    يروي صفحة من تاريخ السينما العراقية

منتج فلم سعيد افندي يروي صفحة من تاريخ السينما العراقية

■ محمد داود 
كل شيء يقوله العاملون عن فيلم "سعيد افندي" هو ارشيف يضاف الى سلسلة الوثائق المدونة عن هذا الفلم.
وهو ايضا ارشيف يؤرخ لواحد من افضل الافلام في تاريخ الانتاج السينمائي في العراق.. لذلك رأينا ان نلتقي بـ "عبد الكريم هادي" مدير انتاج فلم "سعيد افندي" .. إنه واحد من القلائل الذين يتحدثون باختصار عن انفسهم وعن اعمالهم..


لا بأس اذن، من ان نقف قليلا عند حياة هذا الرجل قبل ان يكشف لنا عن صفحات مطوية من تاريخ "سعيد افندي"..
ولد عبد الكريم هادي سنة 1920 في محلة من محلات بغداد الشعبية.. هي محلة الشواكة. احب الفن والتمثيل بصفة خاصة منذ صغره.. وفضله على كل شيء كان ممكنا ان يوجه حياته بعيدا عن الفن.. هو خريج كلية الحقوق لكنه لم يتجه الى المحاماة.. واثناء دراسته كان موظفا في مديرية ضريبة الدخل إلا ان الوظيفة والراتب لم تغرياه كثيرا.. فهو الى جانب الدراسة في الكلية والدوام في الدائرة التحق بالقسم المسائي في معهد الفنون الجميلة وكان ضمن طلاب ثاني وجبة يدرس المسرح والتمثيل مع فيصل النقيب (دكتور) وعلي جليل الوردي وعزيز شلال عزيز..
بعد تخرجه في المعهد فكر مع زميله عبد القادر ولي في تأسيس فرقة فنية للتمثيل يكون كافة اعضائها من خريجي معهد الفنون.. وفي مقهى مكشوف هي اليوم سينما اطلس، جلس نخبة من الخريجين وكتبوا طلبا الى وزارة الشؤون الاجتماعية باجازتهم لتاسيس فرقة للتمثيل.. صدرت الاجازة في 12/8/1947 بتأسيس "الفرقة الشعبية للتمثيل".. كان عبد الكريم هادي يرأسها انذاك وتضم اعضاء واداريين بينهم عبد القادر ولي، جعفر السعدي، ابراهيم جلال، عبد الستار البصام، اكرم جبران وفائق القيمقجي.
لم يكن عبد الكريم هادي ممثلا رغم كونه احد مؤسسي الفرقة الشعبية للتمثيل.. لقد وقف على المسرح مرة فقط.. كان ذلك في مسرحية "شهداء الوطنية".
ترك المسرح قبل 1955 واتجه الى الانتاج السينمائي فكان واحدا من مؤسسي شركة "سومر" للسينما تلك الشركة التي كانت تضم عددا من رواد الحركة الفنية بينهم حقي الشبلي وعبد الجبار ولي وعبد القادر ولي.
ولم يستمر عبد الكريم هادي كثيرا مع شركة "سومر" السينمائية فقد حصل له خلاف مع اعضائها..
يقول: "عندما خرجت من "سومر" اردت ان ابرهن لاعضاء الشركة انني قادر وحدي على ان انتج فلما لذلك قررت ان انتج الفلم.. اي فلم يكون يستمر عبد هادي في حديثه فيقول: في تلك الفترة كان المصور "كاميران" عائدا من دراسته في الخارج وهو يمتلك رغبة شديدة في ان يعمل في تصوير فلم جديد.. بالمقابل كان هناك يوسف العاني ومجموعة من الممثلين لديهم فكرة تقديم فلم.
فنسقنا نحن الثلاثة، انا ويوسف العاني وكاميران للعمل فيما بيننا.. كان عنوان الفلم المقرر انتاجه هو "سعيد افندي"..
ويظل عبد الكريم هادي منتج فلم "سعيد افندي" يتحدث عن المتاعب التي رافقته في إنتاج هذا الفلم فتعرف منه ان اول "سدمة" ارهقته هي الجواب الذي تلقاه من ادارة ستديو بغداد ترفض تأجير هذا الاستديو السينمائي لتصوير الفلم.
وهنا يكاد "سعيد افندي ان يموت" إلا ان المنتج يصر على ان يستمر.. لقد ذهب عبد الكريم هادي في ذلك الوقت الى خارج القطر واشترى كاميرا سينمائية ومفيولا "تقطيع افلام" وادوات فنية خاصة بالتصوير والاخراج ثم عاد الى بغداد..
لقد اتخذ العاملون في فلم "سعيد افندي" من احد بيوت "الحيدرخانة" مركزا يجتمعون فيه ويتحركون لتصوير الفلم.. في ذلك البيت ظلوا سنة ونصف سنة تقريبا.. تحصل لهم في كل يوم حكاية تقف حائلا دون تصوير لقطة لا تستغرق احيانا عدة ثوان.. الاطفال والسلطة انذاك "مع اختلاف النية بين الاثنين" كانوا يلاحقونهم فيؤخرون التصوير اياما طويلة ويربكون العمل..
واحيانا يسقطون بعض اللقطات.. لقد قرروا ان يستمروا رغم ان "سعيد افندي" كان متوقعا له ان يموت في كل وقت اخيرا جاءت اللحظة الحاسمة فقد تجمعت الاف الاقدام من فلم "سعيد افندي المصور".. غير ان ستديو بغداد السينمائي رفض هذه المرة تحميض وطبع الفلم.. يقول عبد الكريم هادي منتج الفلم: لقد كان الفصل صيفا ومعنى هذا ان الفلم اذا ترك سوف يتلف وتتلف معه كل الجهود التي بذلناها خلال سنة ونصف.. لذلك قررت ان اشتري ثلاجة كهربائية واحفظ فيها الفلم.. ومن طرف ثان اتجهت الى ستديو بغداد السينمائي ابذل مع ادارته كل المحاولات لاقناعهم بتحميض الفلم وطبعه.. لقد تمكنت من ذلك.. ان قصة انتاج فلم "سعيد افندي" كانت مثمرة بنتائجها.. فالمنتج عبد الكريم هادي نجح في تحمله مسؤولية انتاج الفلم اضافة الى ان الفلم در ربحا وفيرا.. رغم هذا فان عبد الكريم هادي لم يستمر في انتاج الافلام.. لماذا؟ يقول: بعد "سعيد افندي" تعبت.. حيث كان مجهودا جباراً ان انتج هذا الفلم.
بعد ذلك نعرف انه منذ عام 1957 ظل عبد الكريم هادي يعمل في استيراد الافلام وقبل خمسة اشهر تقريبا نقل الى وظيفة منتج اول في وحدة الانتاج السينمائي في المؤسسة العامة للاذاعة والتلفزيون.. انه يتمنى ان يحتل مكانا متقدما في ادارة انتاج الاعمال السينمائية الطويلة.
وامام أمنيته هذه ذكرته بانه قال قبل قليل "انني بعد – سعيد افندي – تعبت" .. رد قائلا: ان الذي اتعبني في "سعيد افندي" الظروف المادية الصعبة وعدم توفر الاجهزة اضافة الى الانتاج كان فرديا.. لكن هذه العقبات منتفية الان.. حاليا كل شيء يشجع المنتج على ان يبدع ويقدم عطاء جيداً.

مجلة الاذاعة  والتلفزيون لسنة 1978