تساؤلات أمام الحداثة والواقعية

تساؤلات أمام الحداثة والواقعية

خصوصية القوانين الداخلية للأعمال الأدبية والفنية العربية
عرض/ أوراق
مقالات نقدية في الشعر والرواية والمسرح والسينما والموسيقى جمعها كاتبها الناقد محمد دكروب في كتاب بعنوان (تساؤلات أمام الحداثة والواقعية في النقد العربي الحديث) والصادر عن دار (المدى) للثقافة والنشر. مبيناً انها في حقيقتها نتاج لمستويات مختلفة من الثقافة والحضارة.. وهي صياغات نقدية متطورة لتجليات النتاج الأدبي الفني،

 من خلال قراءة خصوصية القوانين الداخلية لتلك الأعمال الأدبية والفنية العربية. مشيراً الى ان معضلة النقد الحداثي تتمثل في ان بعض الآخذين بالمناهج النقدية الحديثة يتركون أجهزتهم المفهومية ومصطلحاتهم الأكاديمية ويحصرون أحاديثهم في مضامين القصائد. لافتاً الى مقالة الناقد الحداثي صلاح فضل في لحظة مقاربته قصائد أمل دنقل وحميد سعيد وفدوى طوقان مقاربة تعتمد التفسير السياسي والايديولوجي للشعر، بإحالتها الى مرجعيات خارج الوضع السياسي والاجتماعي للبلد والشاعر.
وفي مقال طويل يطرح الكاتب آراء عديدة لشعراء ونقاد، ينتمون الى أجيال وذائقات وحساسيات متنوعة حول الحداثة في الشعر. مشيراً الى ان الحداثة حاجة ضرورية نضالية على صعيد الصراع في الحقل الثقافي العام. ثم يتساءل عن العلاقة بين النقد والقارئ العربي في ظل ابتعاد النقد، وباسم الحداثة والمناهج العلمية الحديثة ومفهوم القراءة ونمط الكتابة مطالباً القارئ بتغيير ذاته كي يرتفع الى مستوى القراءة.. وعن المشروع النقدي للناقدة يمنى العيد وتطوره عبر كتبها، مبيناً انها لفتت الى موضعة نقدية عن علاقة النص بما وصفته بالمرجع الحي حيث تؤكد على الالتفات الى النص الادبي باعتباره شكلاً دالاً.. وتسعى الى اضاءة ما هو متميز وخاص في بعض البنى الابداعية العربية، وتأثير البنى الاجتماعية والصراعات في هذا التميز، مع سعي دائب في محاولات تمييز النقد الأدبي العربي أيضاً.. ويقول حول ملف (مسرح للمجتمع العربي) الذي كتب مراجعة له في مجلة"الفكر العربي"مشيراً الى دراسات ومقالات ادرجت تحت عنوان"تأسيس المسرح في المجتمع العربي"وبما فيها من تجارب هادفة الى ايجاد مسرح يستند الى مختلف اشكال الموروث الشعبي في العرض واللعب والاحتفال وحالات التمسرح، كما يناقش عدداً من القضايا التي لايزال الخلاف يحتدم بشأنها منذ أواخر الخمسينات وخلال العقود التي تلتها، إذ لم تكن هذه الأعوام تحمل الى المسرح العربي أعمالاً جديدة وأصيلة جديرة بأن تكون من علامات اعادة التأسيس.. وأكثر من ذلك حصر المسرح في النمط الاحتفالي، وكأن الاحتفالية هي المسرح، وما هو خارجها يكون خارج المسرح، وان كل عمل فني أصيل وجديد انما يشكل اسهاماً جدياً في عملية اعادة التأسيس باعتبار الاحتفالية نظرية للتغيير الاجتماعي العام وليس فقط لتغيير المسرح أو تأسيسه أو تأصيله.. وفي القسم الثاني من الكتاب يطرح تساؤلات في النقد الواقعي مركزاً على كتاب حسين مروة "دراسات في النقد والأدب"وفيه يعرض مقالات مروة ودراساته الواقعية في النقد مشيراً الى العلاقات داخل العمل الفني كبنية من البنيات الاجتماعية الثقافية والفنية الأوسع خارج العمل الـفني. ويقول: ترك حسين مروة مجموعة هائلة من الدراسات والابحاث والمقالات منشورة في عدد كبير من المجلات العربية في مجال النقد الأدبي والتراث العربي الفلسفي وعموم الفكر والسياسة كناقد يأخذ بالماركسية ويستضيء بما اسماه المنهج الواقعي.. وعن الناقد احسان عباس يقول: منذ كتابه الاقحامي "عبد الوهاب البياتي والشعر العراقي الحديث" وكتابيه "فن الشعر" و"فن السيرة" المنفتحين على التراث وعلى مناخات العصر الجديد معاً، كان لقائي بالانسان العالم والرحب احسان عباس بفكره وبموقفه عبر كتبه هذه قبل ان التقيه بحضوره الانساني الأليف والأنيس والمثقل كشجرة نضرة بثمار المعرفة واخضرار الذهن.. وبعد الاعجاب بعمل احسان عباس ومسيرته، لا يجد الكاتب ما يختلف به مع الناقد سوى أمر خارج النقد والمناهج النقدية، وهو موقف عباس من بيروت ولبنان واللبنانيين في أثناء الحرب، وسرده السريع لبعض وقائعها في غربة الراعي.. ولا يطرح دكروب أية أسئلة جوهرية حيال كتاب فيصل دراج"الواقع والمثال"الذي يقدم له، وبدلاً من ذلك يبدي حيرة أمام ما يبدو له تناقضاً بين وضع دراج نفسه داخل التيار الماركسي، وبين محاكمته هذا التيار من خارجه ليعود ويرى في ختام مقالته ان كتاب دراج هو اسهام جدي في تجديد الماركسية في النظرية الأدبية الفنية.. والأمر نفسه، نجده في تعامله مع غسان كنفاني، سواء عندما يشارك في ندوة سياسية عنه في مناسبة 25 سنة على غيابه يتحدث عن النقد الذي تناول كنفاني، أو حين يقدم كتابات غسان النقدية الصحافية التي كان يوقعها باسم فارس فارس، وصدرت عن دار الآداب. فهو لا يقوم الا بتحليل أو عرض هذه الكتابات التي تبرز علو"كعب"فارس كنفاني في الكتابة الساخرة.. ولكن ما يستوقفنا هنا بروز شيء من التناقض بين اعتـبار كنـفاني كاتباً ساخراً مبـدعاً من جهة، وبين أسباب تخفيه وراء اسم مستعار. فهو غالباً ما يتخفى بسبب موقعه النضالي السياسي، لكن هذا لا يمنع تخفيه بسبب ظنه أن الأسلوب الساخر لا يليق به.. ويتناول كتاب سماح ادريس"المثقف العربي والسلطة: بحث في روايات التجربة الناصرية"، فلا نجد سـوى ملاحظة سلبية واحدة تتعلق بعدم ربط ادريس بين الشـخصيات الروائية وبنية العمل الروائي من جهة، وبربطه، من جهة ثانية مواقف هذه الشخصيات بمواقف الروائيين الذين كتبوها.. وفي القسم الثالث من الكتاب"حداثة واقعية في النقد السينمائي والموسيقي"يقف فيها الكاتب مع سعيد مراد في نقده السينمائي، موضحاً انه من النوع الذي لا يكتفي برسم المشاريع على الورق، بل يحرص على ان تكون هذه المشاريع قابلة للتنفيذ وان يدخل في المناخ العملي ومراكمة العدة المعرفية لبدايات التحقيق.. وعن نزار مروة في نشاطه الثقافي الفني يشير الى انه لم يكن مجرد ناقد متابع للنتاجات الجديدة في الموسيقى اللبنانية العربية، بل كان مشاركاً في تطوير هذه الموسيقى وبلوغها مستويات جديدة مرسلاً الضوء على الطريق التي لابد من سلوكها للوصول بالموسيقى الى المستوى الارقى.