د. برهان شاوي ورواية   مشرحة بغداد

د. برهان شاوي ورواية مشرحة بغداد

نبيل عبد الأمير الربيعي
   الكاتب و الروائي د. برهان شاوي المبدع في حقل الإعلام والأدب , كتبَ نحو عشرين كتاباً من الروايات والأبحاث والمجاميع الشعرية منها:مراثي الطوطم، رماد المجوسي، ضوء أسود، تراب الشمس، رماد القمر، شموع للسيدة السومرية، خطوات الروح، كما أصدر كتباً في النقد الثقافي مثل: عن الإبداع وسلوك المبدع، كما ترجم عن الروسية والألمانية كتب عديدة منها:

 أوسيب ماندلشتام مختارات شعرية ونثرية، يوسف برودسكي، آنا أخماتوفا,  قداس جنائزي , كما لديه كتب وبحوث أكاديمية مثل: مدخل إلى الاتصال الجماهيري ونظرياته، الدعاية والاتصال الجماهيري عبر التاريخ ,وقد تسلم الكاتب والروائي برهان شاوي رئاسة هيئة الإعلام والاتصالات بعد عودته إلى العراق عام  2003, ثم ترك العمل بعد ذلك.
    صدرت عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر الطبعة الثانية  للروائي برهان الشاوي رواية (مشرحة بغداد) , تحتوي الرواية على (223صفحة) من القطع المتوسط. الرواية تتخذ مادتها من الحرب الطائفية (2006-2007) , والإرهاب اليومي الذي طال العراقيين , في مناطق  شمال بغداد وجنوبها , فكانت صرخة احتجاج على أيام الرعب الذي وصل بالعراق والعراقيين , حيث تحول البلد إلى مشرحة بحق.
  من خلال اطلاعي على رواية(مشرحة بغداد)التي تمثل بغداد مثل مشرحة وفي ذروتها الواقعية , ورائحتها التي تزكم الأنف.أحداث الرواية تروي قصة الشاب آدم، الشخصية الرئيسية في الرواية، الشاب آدم ذو الثانية والعشرين من العمر، حارس في مشرحة احد المستشفيات المهمة في بغداد، الذي اضطر الى قطع دراسته الثانوية بعد موت أبيه للبحث عن العمل وإعالة امه الوحيدة. وقد تنقل بين اعمال عديدة حتى وجد  له عمل كحارس للمشرحة بوساطة احد اقاربه , حيث يرى هناك أهوالاً داخل المشرحة , ومع سيادة مشهد الموت والدم على امتداد الرواية تبرز هناك فسحة من روح انسانية، تمثلها شخصية آدم الحارس المرتبكة، إذ تنهض الجثث لتروي حكايات مرعبة عن الأحياء.
    الرواية تتحدث عن  مشرحة للإنسان العراقي , إنها محاولة للحديث عن الأحياء الموتى من خلال الموتى الأحياء والرعب العراقي  وانفلات العنف والهمجية الطائفية من عقالها , عن الموت اليومي والمجاني , و التاريخ المزيف للحاضر.
   الإنسان العراقي أصبح مشروع جثة، وليس مشروع حياة، حتى الشخوص في الرواية تسربلت في صورة جثث، يجتمعن في مشرحة بغداد الكبرى، لتحكي كل واحدة منها بشاعة موتها، منها من قضى في انفجار، ومنها من قضى في التعذيب، ومنها من أعدم تحت جنح الظلام  , كانت كل جثة قد جلست على سريرها النقال، وكانت الجثث ممزقة من الخلف  بعضها في الرأس وبعضها في الصدر.
    الروائي برهان شاوي طرح الاتجاه الميتافيزيقي للحياة والموت , بين فناء الجسد وديمومة الروح , كما جسد الروائي نضال الإنسان في العهود السابقة ضد الدكتاتورية , وحال المواطن العراقي بعد التغيير 2003 ,فالكاتب اهتم بالرؤيا أكثر مما اهتم بأي شيء آخر , وما آلت إليه الأوضاع السياسية بعد الاحتلال من حرب أهلية وتصفيات طائفية، وأعمال سرقة واغتصاب وأعمال قتل مروعة، وفيما يحصل من حوادث تفجيرات إرهابية في العراق، لقد سبق الواقع الكتابة والأخبار، فأراد الكاتب أن يسبق الواقع فأزاد من كمية الرعب في نصه ليسبق رعب الشارع العراقي بخطوات كثيرة، وهي محاولة لتدوين ما حدث ويحدث، وعدم تركه للمؤرخين.
   مشرحة بغداد تتحدث عن حالات الإحباط البشري ومأساة جدلية الموت الأزلية الأبدية , إذ  وفق الروائي برهان شاوي بايجاد تحقيق تناسق بين تفاصيل العمل الأدبي ونهايته الممكنة , بحيث جعل النهاية مفتوحة على كل الاحتمالات رغم عتمة الموت ورغم إعلان آدم الحارس، الشخصية الرئيسية في الرواية، بان لا احد سيأتي.