عبد الوهاب مرجان وعلاقته بالحزب الوطني الديمقراطي

عبد الوهاب مرجان وعلاقته بالحزب الوطني الديمقراطي

■ حسن احمد المعموري
بعد نضج الوعي الوطني والقومي لدى عبد الوهاب مرجان قرر الدخول في معترك الحياة السياسية، ولاسيما انه اصبح ذا مكانة اجتماعية معروفة ليس في لواء الحلة حسب بل على مستوى اوسع نتيجة لعمله قاضياً ومحامياً علاوة على انه من أسرة معروفة.


كان عبد الوهاب مرجان من المؤمنين حقاً بالحياة الحزبية والديمقراطية وذلك لانه تأثر بشكل او بآخر بوالده عبد الرزاق مرجان الذي كان مساهماً في العمل السياسي في حزب الاخاء الوطنيـ، وانه علق على باب داره في الحلة لافتة كتب عليها اسم الحزب المذكور، وكان بيت والده مقراً لادارة الاجتماعات الحزبية . كانت آخر وزارة عراقية تألفت اثناء الحرب العالمية الثانية هي وزارة حمدي الباجةجي الثانية التي شكلت في 29 آب 1944، وفي عهدها انتهت الحرب، وفي 27 كانون الاول 1945 القى عبد الاله الوصي على عرش العراق خطاباً على الاعيان والنواب في بهو امانة العاصمة عد جزءاً متمماً لخطاب العرش الذي القاه الوصي على النواب والاعيان في اول كانون الاول 1945م.
اكد الوصي في ذلك الخطاب ان الدولة العراقية ملكية ديمقراطية حرة مستقلة متمسكة بالسياسة الخارجية التي وضعها الملك فيصل الاول في جميع النواحي وذكر بان تلك هي الاركان الاساسية الوطنية والقومية التي لا غنى لاي حزب او هيأة سياسية عن اتخاذها قواعد ثابتة لمناهجها التفصيلية التي وضعتها لخدمة البلاد فان الاحزاب والهيئات الوطنية التي لم يصح بقاء البلاد خالية منها ستتقدم للامة بخططها ومنهاجها في معركة الانتخابات .
وبناءً على تلك السياسة التي نوه عنها الوصي في خطابه المذكور قدمت وزارة حمدي الباجةجي الثانية استقالتها في 29 كانون الثاني 1946م وتألفت بعدها وزارة توفيق السويدي الثانية في 23 شباط 1946، الذي اصبح فيها سعد صالح وزيراً للداخلية، وفي 5 آذار 1946 اعلن توفيق السويدي منهاج وزارته الجديدة وقد وعد بنقل حالة البلاد الى الوضع الجديد الذي تقتضيه ظروف السلم وفسح المجال لتأسيس الاحزاب السياسية وتحقيق اهداف خطاب الوصي الذي القاه في 27 كانون اول 1945. وفقاً للسياسة التي انتهجتها حكومة توفيق السويدي والتي اجازت تأسيس الاحزاب عام 1946. قدم كلٍ من كامل الجادرجي. ومحمد حديد وعبد الكريم الارزي ويوسف الحاج ياس، وحسين جميل وعبد الوهاب مرجان وعبود الشالجي وصادق كمونة طلباً الى وزارة الداخلية بتأسيس حزب سياسي باسم الحزب الوطني الديمقراطي وقدموا مع الطلب منهاج الحزب .
لقد اختار عبد الوهاب مرجان الانضمام الى الحزب الوطني الديمقراطي لانه كان يعتقد انه منسجماً مع افكاره التي تمقت الشيوعية ومن سار في ركابها. ولا يريد دخول المبادئ اليسارية المتطرفة في هذا التنظيم، بل كانت اهداف هذا الحزب وتوجهاته اقرب الى ميول عبد الوهاب مرجان وتطلعاته. لذا وجد في هذا الحزب ما يلبي تطلعاته الفكرية فأنظم اليه. فضلاً عن ان الحزب كان يضم نخبة من السياسيين المعروفين والذين لديهم باع طويل في السياسة العراقية امثال كامل الجادرجي وحسين جميل ومحمد حديد وغيرهم .وعلى اية حال كان دخول عبد الوهاب في هذا الحزب تعد التجربة الاولى له في مجال الاحزاب السياسية.
ويلاحظ على الهيأة المؤسسة انها ضمت بالاضافة الى جماعة الاهالي السابقة شخصيات اقطاعية وبرجوازية كبيرة من امثال عبد الوهاب مرجان وعبود الشالجي ولهذا وصف بعضهم الحزب بانه يمثل يمين الحركة الديمقراطية). وضم ايضاً بين اعضائه عدداً من ذوي الثقافة العالية ومن الذين يعتنقون المبادئ الاشتراكية بصورة حقيقية والذين مارسوا الحياة الحزبية مدة طويلة وكانوا متفرغين للعمل الحزبي .
ووصف الحسني هذا الحزب بانه ذو النظرة الاصلاحية الاجتماعية ينبثق من جماعة الاهالي القديمة لعام 1936 ويستمد قوته على الاكثر من اثرياء المدن ومن الشبان المتحمسين (ويوجه هجومه على الدول الغربية، وان خصومته للشيوعية لم تحل دون تأييده للسياسة الروسية)).
ان ابرز قادة الحزب الوطني الديمقراطي كامل الجادرجي الذي وصف بانه الاقطاعي ذو المبادئ الاصلاحية الراسخة الذي كان يتمتع باحترام الفئة المثقفة في العراق.
تأتي البداية الحقيقية التي مهدت لقيام الحزب الوطني الديمقراطي مع تجدد نشاط جماعة الاهالي المذكورة عام 1942م وقيامها باصدار جريدة صوت الاهالي وما رافقتها من انشقاقات ابرزت طبيعة الخلاف السياسي بين كتلها كي ترسم بذلك الملامح الرئيسة لتشكيل هذا الحزب فيما بعد .
لقد جمع الحزب عند تأسيسه خليطاً من التيارات السياسية والفكرية وهو مفتوحُ على جميع الشخصيات الوطنية التقدمية ومنهم عبد الوهاب مرجان ويمثل مجالاً للعمل الواجهي بالنسبة لمعظم الاحزاب وساعد في ذلك ماتضمنه الحزب من الاتجاهات والميول الوطنية والاصلاحية والديمقراطية والاشتراكية .
لقد لخص منهاج الحزب الوطني الديمقراطي الذي كان عبد الوهاب مرجان احد مؤسسيه ومن واضعي اهدافه ومنهاجه في القيام باصلاح عام في كافة نواحي حياة العراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفق تصميم منسق شامل لجميع تلك النواحي ويعمل على تحقيق تطور البلاد من وضعها المتأخر الى دولة ديمقراطية عصرية .
وقد وضع الحزب اهدافاً اعتبرها طريقاً لمسيرته المقبلة في السياسة الخارجية، منها اكمال استقلال العراق، واقامة العلاقات بين العراق وبريطانيا على اساس الصداقة والمنافع المتبادلة والتساوي في الحقوق والواجبات بحيث تنسجم مع ميثاق الامم المتحدة وتحقيق اتحاد البلاد العربية بجميع الامور المشتركة بينها في ادارة موحدة او نظام مشترك مع احتفاظ كل دولة منها بادارة شؤونها المحلية والعمل على استقلال البلاد العربية المحرومة من استقلالها، ومقاومة تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين او انشاء دولة يهودية فيها.
ربما كان لعبد الوهاب مرجان دور كبير وبارز في وضع الخطوط العريضة لمنهاج هذا الحزب ولاسيما في الجانب البرلماني حيث اكد هذا المنهاج على تحقيق حياة ديمقراطية نيابية برلمانية تستلزم مسؤولية الوزارة امام مجلس نيابي منتخب، وتطبيق نظام الانتخابات المباشر وانماء الحياة السياسية الحزبية وتأييد الحريات الديمقراطية كالحرية الفردية وحرية الكلام والنشر والصحافة والاجتماع والاعتقاد وتوطيدها. واكد على اصلاح الجهاز الحكومي بحيث يصبح قادراً على القيام بواجباته واصلاح الجيش اصلاحاً يجعل منه جيشاً عصرياً مدرباً وقادراً على القيام بواجباته .
ولا يفرق الحزب بين العراقيين ولا يميز بينهم ويجعلهم جميعاً متساويين في الحقوق والواجبات وان العراق ميدان للتعاون الحر على اساس المصلحة المشتركة بين العرب والاكراد وغيرهم من العناصر التي يتكون منها العراقيون .
وقد اولى عبد الوهاب مرجان ومؤسسو الحزب الناحية الاقتصادية اهمية في منهاجهم، حيث وضعوا تصميماً منسقاً عاماً لاصلاح حالة البلاد من جميع وجوهها والعمل على تطبيق هذا التصميم وفق خطة منظمة خلال مدة معينة، وانهم ينظرون الى السبب الرئيس في تأخر الحياة الاقتصادية الى قلة الانتاج وسوء توزيع ثمراتهِ، وبمعالجة العامل الاقتصادي يتم معالجة الفقر والجهل والمرض .
وكان عبد الوهاب مرجان من المؤمنين حقاً بازدهار الحالة الاقتصادية في العراق، ومن اجل انعاش الانتاج وزيادته وضعوا هدفاً اخر في انشاء مشاريع الري والتصريف وتصنيع الزراعة وادخال الآلة الزراعية التجريبية في مختلف انحاء العراق ومعالجة مشكلة الاراضي، وتوزيع الاراضي الاميرية الصرفة على اساس الملكية الصغيرة وتحديد الملكية الكبيرة وتوطين افراد العشائر الرحالة (البدو) .
وكان برنامج الحزب يرمي الى وضع منهج تأسيس المشاريع الخدمية وتطبيقها، وان تقوم الدولة بتجهيز الماء والكهرباء للمواطنين وبناء مشاريع النقل باختلاف انواعها(3)، وتعمل على استثمار المعادن ومصافي النفط بحيث تنحصر فائدتها للصالح العام، وتقوم الدولة على انعاش الحركة الصناعية من خلال مراقبة الرأسمال الوطني وتوجيهه والبدء ببعض المشاريع الصناعية لشركات يساهم فيها الجمهور).
وكذلك تقوم الدولة بمراقبة المصارف والاسواق المالية وتوجيهها وتأسيس مصرف وطني مركزي لاصدار العملة وتأسيس مصارف تجارية وصناعية وزراعية للقيام بالاعمال الضرورية للاقتصاد الوطني .
وقد اولى منهاج الحزب الوطني الديمقراطي الصحة اهمية كبيرة لما لها من اثر على زيادة نفوس العراق حيث اكد على ان هناك علاقة كبيرة بين سوء التغذية والامراض وعليه ركز على العناية بالتغذية، وتوسيع المعاهد الصحية، والاكثار من طلابها، وتوزيع الاطباء في جميع مدن العراق، وانشاء مستشفيات حكومية وانشاء مراكز للعناية بالطفولة والامومة .
وأكد عبد الوهاب مرجان بصفته رجل قانون على بعض فقرات منهاج الحزب التي تتعلق بتطبيق مبدأ الضمان الاجتماعي تطبيقاً يتناسب ووضع العراق الاقتصادي ليضمن لكل فرد حداً ادنى من المعيشة، وزيادة مساهمة الاهلين في ادارة شؤونهم المحلية واصلاح البلديات وتنظيم المدن وفق تصاميم عامة لضمان السكن وانشاء قرى عصرية للفلاحين في الريف وسعادة الاسرة وتحرير المرأة .
اما من الناحية الثقافية اكد منهاج الحزب على تعميم التعليم الابتدائي المجاني خلال عدد معين من السنين، وانشاء المدارس بحيث تكون كافية لاستيعاب جميع اطفال العراق، ومكافحة الامية وتوسيع التعليم الثانوي وجعله مجانياً، والاهتمام بالتعليم المهني والزراعي وتوسيع التعليم العالي وتأسيس الجامعة العراقية .
وقد اكد الحزب على تهيئة فرص متساوية في التعليم على اساس الكفاية ونشر الثقافة والعناية بالمعلم وتحسين شروط خدمته وعمله وايجاد سكنى له في القرى والاماكن النائية ورفع مستواه).
وبعد ان تلقى كامل الجادرجي وزملاؤه كتاب وزارة الداخلية المرقم 4590 في 2 نيسان 1946 الذي سمح لهم بتأسيس الحزب الوطني الديمقراطي. أعلن الجادرجي عن عقد اجتماع عام في 26 نيسان 1946م لانتخاب اول لجنة ادارية مركزية .وتم الاجتماع الذي حضره اعضاء الحزب في داخل بغداد وخارجها والذي يصل عددهم الى 760 عضواً في مدرسة التفيض في بغداد .
وقد ظهر تأثير الجناح اليساري واضحاً فقد كان هناك عدد ممن رشح نفسه لعضوية اللجنة المركزية قد تأثر باتجاهات هذا الجناح حين اعلن ستة من هؤلاء وهم (كامل الحاج مكي، وسليم طه التكريتي، وعبد الحسين الغالب، وحسن عباس الكرباسي، والمحامي زكي عبد الكريم، والمحامي طالب جميل) تنازلهم عن ترشيح انفسهم الى زكي عبد الوهاب وطلبوا من مؤيديهم ومن يروم انتخابهم ان ينتخبوه بدلاً عنهم، الامر الذي خلخل موازين الانتخابات .
وقد برز لاول مرة خلاف على بعض الاشخاص الذين يكونون قيادة الحزب العليا وقد رشحت الهيأة المؤسسة اعضاءها ليكونوا اللجنة الادارية المركزية، وبعد اجراء الانتخابات وفرز الاصوات فاز بعضوية اللجنة الادارية المركزية كامل الجادرجي وحصل على 760 صوتاً وحسين جميل وحصل 750 صوتاً، ومحمد حديد وحصل 739 صوتاً، وصادق كمونة وحصل على 733 صوتاً، وعبد الكريم الازري وحصل على 697 صوتاً فيما حصل عبود الشالجي على 525 صوتاً. وقد اصيب بعض اعضاء الهيأة المؤسسة بدهشة لفوز زكي عبد الوهاب وحصوله على 462 صوتاً)، وغضبوا لخسارة عبد الوهاب مرجان الذي حصل على 301 صوتاً ابعدته عن اللجنة المركزية وقربت زكي عبد الوهاب). وهي مفاجأة مرة لعبد الوهاب لم يكن يتوقعها، كما كانت مفاجأة للآخرين الامر الذي سبب صدمة له.
وقد تعرض الحزب الوطني الديمقراطي الى عدة انشقاقات وازمات وكانت اولها هي خروج اربعة من اعضائه المؤسسين ضمت في البداية عبد الوهاب مرجان وعبود الشالجي وصادق كمونة وعبد الكريم الارزي والذين لم تربطهم ادنى رابطة بجماعة الاهالي .
وقد اختلفت الاراء حول سبب انسحاب عبد الوهاب مرجان من الحزب الوطني الديمقراطي حيث يعزي عبد الكريم الارزي هذه الاستقالة الى تسامح الحزب في قبول الشيوعيين وعدم اتخاذ الاجراءات الوقائية السريعة لتصفية العناصر اليسارية المتطرفة من التنظيم، واعلان موقف صريح من الماركسية، وتضمين المنهج ما يوضح الفروق بين المبادئ التي قام عليها الحزب والمبادئ اليسارية الاخرى .مما يتعارض مع اهدافهم ومبادئ الحزب ومن ثم عدم قدرة الجادرجي في صدهم وضعفه في مجابهتهم وانه حاول واقرانه المنسحبين مرات عدة وتباعاً تصحيح المسار وانهم حذروا كامل الجادرجي وطالبوه بعدم قبول الشيوعيين في الحزب والا ستكون النتيجة انسحابهم من الحزب وبالفعل كان ذلك.
ويرى عماد عبد الوهاب مرجان ان الاستقالة جاءت (لاسباب طائفية) رداً على نشاط حسين جميل الحزبي الذي وصف بالنشاط الطائفي. وهذا الكلام هو تأكيد لما قاله محمد صادق السعيد عضو اللجنة المركزية للحزب الوطني الديمقراطي لعام 1946م .
اما حسين جميل فقد نفى هذه التهمة واشار الى عدم صحتها وقال بان المنسحبين من الحزب لم يوجههم في العمل أي تفكير طائفي ولا حتى بالنسبة للقياديين الآخرين، ودلل على عدم صحة الامر بقوله ان عبد الكريم الارزي كان نائباً لرئيس الحزب عند استقالته، وبان صادق كمونة والشالجي كانا عضوي اللجنة المركزية، اما بالنسبة لعبد الوهاب مرجان فقد كان خروجه لأسباب تكمن بعدم نجاحه في انتخابات اللجنة المركزية، ولخص الاسباب بانها (ايديولوجية) وذلك لاختلاف القيادة مع المنسحبين حول العمل والمواقف التي يجب اتخاذها تجاه احداث معينة .
ويرى محمود حسان مرجان ان المناورات والاتجاهات التي ظهرت واضحة جلية بعد تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي والتي كانت خروجاً للحزب من المنهج السليم والمفاهيم الديمقراطية والتي فوجئ بها عبد الوهاب مرجان وبعض رفاقه المؤسسين، كذلك شعر بان اتجاه الحزب حمل نفساً تكتلياً ضد اتجاهه القومي .
ويذهب حنا بطاطو الى "ان اكثرية تبلغ 760 عضواً من الذين حضروا الاجتماع هزمت عبد الوهاب مرجان الذي كان من المرشحين الاقوياء وانتخب بدلاً منه يسارياً هو المحامي زكي عبد الوهاب وهذا مما ادى الى انسحاب مرجان من الحزب .
بينما يرى عبد الرزاق الحسني، ان هزيمة عبد الوهاب مرجان اثناء عملية الانتخابات للجنة المركزية للحزب الوطني الديمقراطي جعلته يغضب لهذه النتيجة ويعلن انسحابه من الحزب).
وبعد استعراض الاراء السالفة وجد الباحث ان سبب استقالة عبد الوهاب مرجان من الحزب الوطني الديمقراطي ترجع الى اختلافات سياسية فكرية اذ لم يكن عبود الشالجي وصادق كمونة وعبد الوهاب مرجان من جماعة الاهالي. مما ولَّد نفساً تكتلياً ضدهم اثناء عملية الانتخابات، فضلاً عن عدم فوزه في اللجنة المركزية التي كان يحسب لها حسابات مستقبلية.