كتاب (قضية جيفاكو) ..كيف أصبحت الرواية سلاحاً في الحرب الباردة

كتاب (قضية جيفاكو) ..كيف أصبحت الرواية سلاحاً في الحرب الباردة

ترجمة: نجاح الجبيلي
   في إحدى الصباحات المشمسة في أيار عام 1956 خرج الشاعر بوريس باسترناك من بيته الروسي في ضواحي موسكو حاملاً حزمة ملفوفة داخل جريدة بخيط. بتكشيرة ساخرة سلمها إلى زائر إيطالي كان واقفاً في حديقته. قال:"بهذه الطريقة أنت مدعو لحفلة إعدامي".

لم يكن مصاباً بالبارانويا (جنون الارتياب). قبل عشرين سنة راقب باسترناك البوليس السري يستدعي جاره الروائي"بوريس بلنايك"في مهمة عاجلة. وتحولت تلك المهمة العاجلة لتكون رصاصة في رأسه من الخلف. كانت جريمة"بليناك"أنه لم يعلن كونه كاتبا رديئا جداً من قبل تروتسكي المنفي. وهنا أعطى باسترناك ممثلاً للناشر"ميلانيس"يدعى"جيانجياكومو فلترينللي"مخطوطة رواية"الدكتور جيفاكو"– قصة حب عرف أن السلطات السوفيتية لن تسمح بنشرها لأنها"لا تتوافق مع السياسة الثقافية الرسمية".   
لسبب واحد، لم تكن رواية"دكتور جيفاكو"لتقول شيئاً إيجابياً عن روسيا الجديدة. وكما أخبره محررو الصحيفة الأدبية"نوفي مير"فإنهم لم يستطيعوا أن يطبعوا مقتطفات منها لأنها"لا تحظى بالقبول لدى الثورة الاشتراكية". والسبب الآخر كانت الرواية، مثل روايات الحب- في الواقع مثلها كلها عدا الروايات الحداثوية المسعورة- تتصدرها مقدمة عن الوعي الإنساني الفردي. إن روسيا ما بعد القيصرية، من جهة أخرى، كانت مركزية وجماعية وضد أي شيء يتحدث عما يظهر أنه فتنازيا بورجوزاية للذات وجوهرها. وكما قال أحد القراء النخبة لكتاباته فإن رواية باسترناك كانت"رسالة إنسانية... تضع تحدياً أساسياً للأخلاق السوفيتية في تضحية الفرد من أجل النظام الشيوعي".
ذلك لا يعني أن السوفيت اعتقدوا بأن"فرتينيللي"سينشر الكتاب. فهو، رغم ذلك، ماركسي- والسلطات التي هي واثقة بأنه لو أعطي تعليمات بالتخلي عن نشر الكتاب فإنه سوف يفعل، كانوا على خطأ. فـ"فرتينيللي"، مثل باقي الشيوعيين الإيطاليين، ليس مرناً مثل نظرائه السوفيت. وأصبح أقل مرونة مع ذلك حين غزا السوفيت هنغاريا، في منتصف الطريق لقراءته مخطوطة"جيفاكو". كتب"بيتر فن وبترا كوفي"في مقالتهما الجادة والمشوقة عما يسمى"قضية جيفاكو":"كانت رغبته في المضي بنشر كتاب باسترناك قد تقوّت". وبعد سنة، وفي تشرين الثاني عام 1957، نجح الكتاب نجاحاً ساحقاً. 
دخلت الأمريكتان. وبعد شهرين من ظهور طبعة فرتلينلي الإيطالية للدكتور جيفاكو فإن نسخة مصورة من مخطوطة باسترناك الأصلية جلبت إلى مقرات السي آي أي في واشنطن إذ أن رئيس القسم الروسي"جون موري"وصفها كونها أشد الأعمال الأدبية انشقاقاً لمؤلف روسي منذ موت ستالين". كل ما يعمله الأمريكان هو أن يخبروا الناس الروس عنها- دون أن يسمحوا بالشعور بأنهم من أخبروا عنها.
كانت نسخاً مهربة من رواية"الدكتور جيفاكو"بالأصل الروسي هي التي تسللت إلى داخل بروكسل وعرضت في المعرض العالمي عام 1958 – في جناح الفاتيكان، إذا كان الروس الكاثوليك المنفيون قد حجزوا مكتبة صغيرة مليئة بالكتب تهدف إلى الحياة المسيحية تحت الأنظمة القمعية. 
وفي غضون أشهر من عمليات تهريب السي آي أي للكتاب أعلن بأن باسترناك كان يجب أن يمنح جائزة نوبل للأدب. وقد رفض التشريف بعد أن أصبح تحت الضغط الشديد من كل من المكتب السياسي والشعب. وفي أحد الأيام تسلم رسالة من أحد الأشخاص أطلق على نفسه"يهوذا"تقول الرسالة:"أنا خنت يسوع فقط. لكنك أنت- أنت خنت عموم روسيا". ومن أجل منفعة روسيا فإن الكرملين قضى سنتين في اضطهاد باسترناك.
لكن عشيقته أولغا أيفنسكايا عانت الأمرين. فقد قبض عليها وجرى التحقيق معها في مناسبات عديدة قبل أن يرى كتاب"الدكتور جيفاكو"النور، وحكم عليها بالسجن ثماني سنوات في معسكرات الأشغال الشاقة في سيبيريا بعد موت باسترناك. وكانت جريمتها أنها ألهمته في كتابة الكتاب.


وذلك لا يعني أن الكتاب كان ملهماً. فالثغرة الكبيرة في قلب كتاب"قضية جيفاكو"هو الإدراك بأن رواية"دكتور جيفاكو"ليست رواية عظيمة. يذكرنا المؤلفان"فن"و"كوفي"بأن نسخة المخرج ديفيد لين للرواية عام 1965"قد تم نقدها بشكل صحيح بسبب وصفها الساذج للتاريخ وميلودراميتها"، لكن يبدو أنهما غير مدركين بأن الاتهامات نفسها يمكن أن تصب على الكتاب نفسها.
وبالنظر لظروف تأليفها فإن رواية"دكتور جيفاكو"ستكون دائماً محط الاهتمام السوسيوثقافي لكن ولا واحدة من الملاحظات المستحسنة التي تلقاها الكتاب عند النشر (من بعض أكبر النقاد: فرانك كرمود، هامبشير، بريتشارد) تبدو اليوم صادقة. فملاحظة أدموند ولسون اللماحة في مجلة"نيويوركر"كشفت اللعبة حين تحدثت عن"جرأة الموهبة"، وكأن المحاكمات التي تحملها باسترناك كانت كافية لإجازة نوعية الكتاب. لكن مهما كانت تلك المحاكمات مروعة فإن الأدب يجب أن يحكم عليه كونه أدباً خشية أن ينحدر به النقد إلى الترويج. ولو أن المؤلفين"فن"و"كوفي"سألا إن كان الاستحسان الكبير الذي حظيت به رواية"الدكتور جيفاكو"في الغرب لم يكن سوى مرآة للهجوم الدعائي السياسي الذي عاناه في وطنه، فلربما كتبا كتاباً أفضل.