يسقط المطر...تموت الأميرة

يسقط المطر...تموت الأميرة

بغداد/ أوراق
هاجس الانتماء للمكان، يعني الكثير لأي كائن حي، فيكف للانسان الذي يجمع مشاعر الحب والحنين مع وعيه بالتاريخ والحياة.. من هنا نجد القاصة الكويتية"منى الشمري"مشدودة الى أحضان المكان وعطره، (الفحيحيل) مدينتها الجنوبية التي اشتق اسمها من الفحيل

 أي النخيل، تتجسم معالمها في مخيلتها وهي ترسم ملامح  شخوصها على قماشة الوطن، لتحميهم من النفس الفئوي بجميع أشكاله وألوانه. وذلك في مجموعتها القصصية (يسقط المطر.. تموت الأميرة) والصادرة عن (الدار العربية للعلوم ناشرون) إذ يبدو واضحاً من القصة الأولى"السير حيثيا إلى أمس"عودة إلى الماضي عبر  ذاكرة المكان: المدينة الغافية على البحر تفتح لي قميصها الأزرق القديم، وأنا كائن صغير طاعن في الحب، وكينونة الصور المغبشة التي تُبعث من حنين خامد، الحادث المروي المأساوي الذي سرق ذاكرتي حين هشّم جزءاً من جمجمتي يزفنّي إلى بواكير الأيام الأولى ببياض موحش يُغطّي العالم، يتسلّمني أبي من مستشفى العدان بذاكرتي المثقوبة، يأخذني إلى مدينتي في سيرتها الأولى، نسير حثيثاً إلى دروب الأمس لعلّني أتذكر، يغمسُني لوناً في ريشة الحياة، أتساءل طوال الطريق: من أكون يا ترى؟ إغماءة حزن أم هذيان حمّى؟ خرافة أم كذبة بيضاء؟ كأنني لا أنتمي لرجل، ولم أُخلق يوماً من ضلعه الأعوج.. وفي قصة"يسقط المطر تموت الاميرة"تروي الحياة الانسانية بهمومها اليومية، ومتاعبها لمن سكنوا الذاكرة واقترن حضورهم بعطر ولون وتراب المكان، فالأحداث تتبدل والشخصيات تتغير، إلاّ المدينة تبقى الفضاء الذي يؤطّر هذه القصص، كنموذج يعبر عن الوطن وهويته بوشائج قوية تعني الوجود الحقيقي الذي يمنح الانسان الشعور بالأمان، فالمكان عنصر أساسي لأبطال لا يتشابهون، لكل واحد منهم صفاته وطبعه ومزاجه، إلاّ أنّ ذاكرة الكاتبة تحفظهم جميعهم كأبطال خالدين لا يشيخون ولا يموتون، بل هم أحياء في ذاكرتها التي حفظتهم وحفظت المكان الذي جمعها معهم.. وكانت لها أهداف إنسانية عميقة تمثلت أيضاً في التعبير عن حالات فردية لها معاناة خاصة كالمرض المزمن للبنت حياة التي تعاني من أزمة صدرية تتفاقم مع سقوط المطر، وما يؤثر عليها أكثر هو وجودها في بيت من صفيح نتيجة لفقر ذويها، وهنا يظهر الفقر الى جانب المرض، وهكذا نلتمس غرائبية المُناخ القصصي التي تُخفي في باطنها حقائق ذات بُعد إنساني واجتماعي، مع التشديد على البعد الجمالي الذي تُضفيه لغة الكاتبة: كانت البارحة ليلة مُظلمة، انقطعت فيها الكهرباء، وتجمدنا، حتى أشعل لنا أبي دوة الفحم، النعاس يتمدّد على جفوني حين ألقى إخوتي جبات الكستناء ذات الزغب في جوف النار، رائحة شواء متأخرة، صوت حسيس النار، وحبات الكستناء وهي تخلع صندوقها الخشبي فوق لظى الجمر لتبدو ثمرة ناضجة بداخله قد حان قطافها.. وفي قصة"كحل أسود.. قلب أبيض"تركز الكاتبة على العنصر الوصفي الذي يدخلنا في صميم حكايتها ويسمح برسم الصورة البصرية للمكان وأهله. فيكثر المجاز في لغتها وتكتظّ عباراتها بالصور البلاغية والاستعارات والتشابيه، ما يرتقي باللغة القصصية إلى مصاف اللغة الشعرية: تخرج من الحمام بكامل ثيابها، تبدو كشمس في ظهيرة حارة لامعة مشرقة، تدلف إلى غرفتها، مثل برعم تباع الشمس، أترك لعبتي القطنية في الحوش وأتبعها، يأسرني جمالها واختلافها الشاسع عن أمّي، أجلس أمامها، تُنعشني رائحة نظافتها المخلوطة بالمسك الأبيض والخمري، تتأرجح عيناي في أسود شعرها الناعم حين تتركه على كتفها كليل موحش، تلفحه نسمات الهواء ليجفّ سريعاً، عطاء ربّاني، لا تُضاهيه جمالاً إلاّ تقاسيم وجهها، شفتاها لا يُفارقهما الديرم العنّابي، بارزتان كحبّات كرز حان قطافها، وعيناها الشهلتان كحبتي كستناء يزيدهما الكحل الأسود اتساعاً، فتغدو نظرتها ناعسة، وبشرتها بلون الحليب المخلوط بالعسل.. ونجدها في قصة"نشيج بدوي"تمنح للمكان نكهة وحضوراً متميزاً من خلال استعمالها أسلوب حكائي ينسجم مع طبيعة الاجواء: ينسل الليل عجلاً من جيوب النهار، البحر يدفنه رمل الظلام فيغرق بالوحشة، النوارس في طريقها للنوم تعاقر التثاؤب.