بواكير اهتمامات محمد مهدي البصير السياسية 1914 ـ 1918

بواكير اهتمامات محمد مهدي البصير السياسية 1914 ـ 1918

علي كريم الزبيدي
عُني محمد مهدي البصير بالسياسة في وقت مبكر من حياته ، فقد ظهرت بوادر ميوله السياسية منذ اندلاع الحرب العالمية الأولى. في صيف سنة 1914. بين دول تحالف الوسط ، ألمانيا وإمبراطورية النمسا – المجر ودول الوفاق الودي ، بريطانيا وفرنسا وروسيا. ان نشوب الحرب العالمية الأولى سنة 1914م ،

جعل بريطانيا تتخذ كل الأحتياطات والأستعدادات اللازمة لحماية مصالحها في الخليج العربي. وتحقيق أطماعها في العراق ، ولتنفيذ الخطط الموضوعة بهذا الشأن منذ أمد بعيد. لذلك قررت الحكومة البريطانية ارسال قوة حربية الى الخليج العربي ، للدفاع عن منشآت النفط في عبادان ، وللتمهيد لعمليات انزال قوات عسكرية تالية ، ولضمان ولاء المشايخ المحلين.
كما أخذت فكرة ارسال حملة عسكرية الى العراق تتنامى شيئاً فشيئاً لدى الحكومة البريطانيه بعد ان تعاظم التأكيد من احتمال دخول الامبراطورية العثمانية الحرب الى جانب المانيا.
لم تكن السلطات العثمانية غافلة ، عما يجري في العراق , لاسيما في منطقة الفرات الأوسط ، فقد استدعت السلطة الحاكمة عدد من الشخصيات الوطنية المشكوك بولائهم للدولة في أوائل سنة 1914 ، إلى بغداد ، لغرض المداولة معهم ، فلما قدموا إليها ، ألقت القبض عليهم وزجتهمم في أعماق السجون ، ولم تفرج عنهم حتى إعلان الحرب. كما حاولت الاستعانة بعدد من الشخصيات السياسية البارزة ، لغرض الترويج لها إعلامياً ضد البريطانيين ضمن منطقة الفرات. وأرسلت وفداً ضم عدداً مهما من الشخصيات الى هذه المنطقة ، وذلك لتهدئة الوضع القلق ، ولحث الناس على الجهاد ضد البريطانيين  ومناصرة العثمانيين ، تألف الوفد من محمود النقيب نجل عبد الرحمن النقيب " نقيب اشرف بغداد "،  رؤوف الامين ، جعفر أبو التمن . واختار أعضاء الوفد مدينة الحلة مركزا لهذه المهمة ، وعقد أعضاء الوفد عدة اجتماعات في دار محمد القزويني . وفي دارالأخير تعرف محمد مهدي البصير على جعفر أبو التمن شخصيا ، فكان هذا اللقاء سبباً في قيام صداقة طيبة وتعاون وطني مشترك.
بدأت الحملة البريطانية على العراق ، بهجومها على الفاو ، في 6 تشرين الثاني سنة 1914 م . بقيادة الجنرال ديلامين (W. S delamain) واستولت عليه بسهولة ويسر ، ثم تحرك ديلامين نحو منطقة عبادان الأيرانية ، حيث توجد منابع النفط ، ومؤسساته ذات الأهمية البالغة بالنسبة للمجهود الحربي البريطاني ، فأنزل جنوده في منطقة السنية ، وبعد عدة اشتباكات احتل البريطانيون مدينة البصرة في 22تشرين الثاني سنة 1914م ، وتم رفع العلم البريطاني عليها ، بعد انسحاب الجيش العثماني الى القرنة وما ورائها.
أما العراقيون ، فقد هبوا ، يدافعون عن بلادهم مع العثمانيين ، وكانت النزعة الاسلامية تشد أزر الجيش العثماني ، وكان الشعراء مندفعين مع هذه النزعة ، التي يتزعمها رجال الدين في النجف وكربلاء وغيرها من المدن المقدسة ، يحثونها بمشاركتهم الواسعة في أعمال الجهاد ضد البريطانيين المحتلين ، بالرغم من استبداد العثمانيين ، وبطشهم بالعرب ، لذلك نجد الشعراء مضطرين – بدافع الدين-الى مدح السلاطين العثمانيين ، والوقوف الى جانبهم ، واخذوا يباركون لهم اتصاراتهم في معاركهم كمعركة((الدردنيل)) التي دارت بينهم وبين الأسطول البريطاني في ربيع سنة 1915م . وانبرى الشعراء في تلك الحقبة ، ينشدون أشعارهم في جريدة صدى الاسلام ، ويعلنون ابتهاجهم وتأيدهم للدولة العثمانية ، ولقواد الجيش. فقد امتدح جعفر الحلي الشاعر المعروف ، السلطان عبد الحميد في فتحه لليونان بقصيدة قائلاً :ـ 
لك طأطأت دول الظلال رقابها
قدها فسيفك قد اذل صعابـها
فاليوم صار الدين فيــك مؤيداً
ولدولــة الاســلام كــل هابها
فيكم بنى عثمان دولــة احمٍـد
سميت بقرع الفرقدين ثيابـها
في حين نجد الشاعر زاير، الذي يعتبر من كبار الشعراء الشعبيين في العراق ، قد استنكر تراجع العثمانيين عندما هاجمت القوات البريطانية مدينة البصرة .
أما محمد مهدي البصير ، وبحكم نشأته الدينية ، فقد نزع في أول الأمر في شعره ، نزعة  دينية اسلامية ، حيث سار في الأتجاه الذي سار فيه شعراء عصره ، وهو تأييدهم للدولة العثمانية في حربها  ضد بريطانية وحلفائها ، ونرى هذا الأتجاه واضحاً في شعر البصير السياسي قبل الثورة .
ففي أوائل ربيع الثاني سنة 1334هـ / شباط سنة 1915م . نظم البصير قصيدة
عنوانها ((الى بطل العثمانيين)) أنور باشا قال فيها :ـ
        
عقــدالاله لواك فهـو مظفـــر
بالنصر مابين الممالك ينشــــر
واطال عنق الدين سيفك اذغدا
في حدة باع العــــدو يقصـــــر
ياصائنــــــا تاج الخلافة والذي
فيه اقيم سريــــــرها والمنـبـر
الخليفة من يكون محكمـا
بين العباد ومثلك المستـــــــوزر
كم ظلمة للظلم انت جلوتهـــا
وبنور عدلك اشرقـــت ياانــــور
لقد امتدح البصير أنور باشا وزير الحربية العثماني ، وعدّه حامياً للدين ، وصائناً لتاج الخلافة ، ومؤمن الخائف من أبناء الأمة ، وبذل جهدهُ في سبيل الاصلاح ، ورفع الظلم عن ابناء الشعب . وكان في اعتقاد الكثيرين ،أن هذه الحرب هي حربٌ دينية بين الاسلام والشرك ، والى هذا المعنى أشار البصير مخاطباً أنور:ـ

كـم وقـفـة لك دون مـــلــة أحمد
فيها برأيك بل بسيفك تنتصر
فــي مشهد فيـه يصـان دم الهدى
ودم الظــلال بـه يـطـل ويـهـدر
قدت الجيوش شعارها دين الهدى
فمهلل يـــوم اللـقا  ومــكـبر
وكانت الدولة العثمانية تحارب الى جانب المانيا ، ضد بريطانيا وفرنسا وروسيا ، ولذلك اشار البصير  فقال :ـ
امكافح الدول الثلاث بعسكر
يغنيك عنه من المهابه عسكر
زاحفتها والدهر يخفق قلبه
والشمس في ليل العجاج تكور
فرددتها نكساً على اعقابها
عجلاً باذيال الملاحـــــــــم تعثر

ونظم البصير قصيدة أُخرى في هذه الحقبة، اشار فيها الى معركة الدردنيل قائلاُ:
ولئن انت للدردنيـل فحــاولـت
أمراً به عنه تقل وتصغــــــر
فلقد درى الاسطول كيف تذود
عنه المدافع بالصواعق تمطر
ارست على فلل ممنـعــة الـذرى
من حوله زهر الكواكب تزهـر
غرقاً اقام امام عاصمة الهدى
عظه سواة فيه عنها يزجـــر
وبهذا يكون البصير قد نظم اولى قصائده السياسية في هذه الحرب ، والتي
 بارك فيها انتصارات الجيش العثماني  . فجمع البصير بين الشعروالسياسة . ثم أبدى البصير أستياءهُ واستغرابهُ في الوقت ذاته ، لإندلاع هذه الحرب ، حيث عبر عن هذا الأستياء وهذا الاستغراب بقصيدة مطلعها:ـ
 
يأاخي مابال هذه الحرب عمت
فمن دان بها يشقى وناء
وفيم يسودنـا فـــزع ويأس
كأن الكون اذن بالفنــــاء

إلا ان الحملة باءت بالفشل ، إذ اضطر الجيش البريطاني الى الانسحاب والعودة
الى الكوت ، فحاصر الجيش العثماني عدة أشهر اضطر بعدها الى الاستسلام يوم
29 نيسان سنة 1916م . ولم يتمكن البريطانيون من احتلال بغداد إلابعد
مضي سنة أُخرى . وقد أوضح البصير ما أصاب البريطانيين من خزي ، وما فعل بهم الحصار،وغدت وجوه المسلمين مشرقة المحيا ، ناظرة غبطةً وسرورا ، فقال في قصيدة له :ـ
انا ر حمى بغداد قد جاء انـــــور
بوجه من الأقمار أبهى وأنور
اتى وهلال النصر وسط لوائـــه
يهلل بالبشرى له ويكبر
وعندما وصل أنور باشا بغداد . امتدحه البصير ذاكراً نصر المسلمين ، ومعتبراً زيارتهُ جهاداً في سبيل الله والمسلمين ، واشراق بقدومة النصرالذي يرافقه أينما يرتحل ، ثم قال له البصير :ـ
" انك جئت الى بغداد لكي تروع الانكليز والروس ، ولكن الجيش الانكليزي جاءك أسيراً ذليلاً طائعاً"  . وهي اشارة الى معركة الكوت .
اتيت لردع الانكليز وروسها
فوافاك جند الانكليز يؤسر
ثم يصف البصير البريطانيين ، وحال المسلمين  قائلاً :ـ
اتيت وعيش الانكليز مكـــــدر
وعيش بني الاسلام ريان اخضر
كما شهدت مدينة الحلة في السنة نفسها ، أحداثاً مهمه ومروعة ، لن ينساها الحليوّن، وهي أحداث مايسمى بـ ((واقعة عاكف)) وفي الحقيقة ان لعاكف في الحله واقعتين : بدأت الواقعة الأُولى يوم 23/8/1915م ، بالعصيان الذي أعلنه الحليون ، ضد الحكم العثماني ، وكان سبب ذلك ، ان جنود الدرك  العثماني ، أخذوا يبحثون في الشواع والدور السكنية عن الفاريين من جبهة القتال ، فقتل على أثر ذلك أحد الجنود أثناء المطارده ، فقامت الحكومة بارسال قائمقام الى الحلة والذي يعرف ((بالعصيمي)) وهو من زعماء المنتفك ، وكان موالياً للعثمانيين ، كمحاولة منها للقبض على القاتل وضبط النظام . لكنه لم يفلح في تحقيق ذلك ، واشتد تبادل اطلاق النار بين الجنود وأهالي الحلة . مما اضطر عاكف بك قائد القوات العثمانية في الفرات الأوسط - وكان معسكره في الكفل- الى دخول الحلة بقواته ، ثم استدعى جميع مختاري المحلات ووجهائها ، وطلب منهم  تزويده بأسماء جميع الفارين من جبهات القتال ، وأمهلهم مدة أربع وعشرين ساعة.
وفي يوم 27/8/1915م . نشبت معركة دامية بين أهل الحلة والقوات العثمانية ، قتل على اثرها عدد كبير من الجنود العثمانيين ، كما هاجمت العشائر الحلية القريبة من المدينة ، الحامية العسكرية العثمانية الكائنة بالقرب من تل الرماد ، وقتلوا عدداً آخر من الجنود العثمانيين ، وانتشرت جثثهم في اكثر من شارع وفر الباقون ، وعندما رأى عاكف بيك ، تعاظم قوة اهل الحلة وابناء العشائر، طلب السلم وقبل توسط محمد القزويني ، لانهاء القتال بين الطرفين . ان هذه الأحداث هي التي تسمى بواقعة عاكف  الأُولى.
كتمت السلطات العثمانية غضبها وسخطها على أهل الحلة ، وما ان انتصرت في احكام الحصار على القوات البريطانية في الكوت ، حتى ركب الغرور والغطرسة القيادة العثمانية ، فأخذت تتحين الفرص للانتقام من اهل الحلة ، فعيّنت في أواسط سنة 1916م ، مصطفى بيك المميز ، قائمقاماً جديداً لمدينة الحله ،وحاول مصطفى ان يعيد للحكومة العثمانية هيبتها ، فسلك مع أهل الحله سلوكاً مشيناً . وعلى أثر المشاجرة العنيفة ، التي وقعت بينه وبين الحاج علي بن الشيخ حسن ، أحد وجهاء الحلة في دائرة القائمقام ، أرسل الأخير، جماعة من أتباعة المسلحين الى داره الواقعة في محلة الأكراد ، فأخرجوه منها بالقوة وساروا به في شوارع الحلة ، ثم عبروا به النهر الى الجانب الآخر من الحلة ، حيث أركبوه القطار ، الذي كان يعمل بين بغداد والحلة واجبروه على مغادرة الحلة.
أحدث هذا العمل ، ردة فعل قوية لدى السلطات العثمانية ، فأغارعاكف مرةً أُخرى على الحلة ، من معسكر بسدة الهندية في 17 محرم سنة 1335هـ /14 تشرين الثاني سنة 1916م ، وعسكر خارج الحلة ، وأرسل الى وجهائها يطلب اليهم ان يسمحوا له المرور بالحلة ، وهو في طريقه الى المناطق الجنوبية بمهمة عسكرية ، وهنا استعمل عاكف المكر والخديعة مع أبناء الحله . وعلى أثر هذا الطلب اجتمع وجهاء الحلة في دارمحمد القزويني ، ودار بينهم نقاش حول الموافقة أو عدم الموافقة عليه .  وأخيراً اتفقت الكلمة على السماح لعاكف وجيشة المرور بالحلة ، وخرج أهل الحله لاستقباله ، حيث التقى الطرفان في "مشهد الشمس " وأمام ذلك الجمع ، تحدث محمد القزويني مع عاكف ، متعذراً عما حدث ، فلم يرد عليه عاكف بكلمة واحدة ، وكانت علامات الحقد والغضب ظاهرة على وجهه ، فأحس  الناس بالخطر ، ثم ان عاكف من دهائه لم يضرب أول الأمر حصاراً على الحلة ، بل ترك طريق النجف مفتوحاً ، ليسهل هروب بعض الشباب وسكانها المحاربين ، ولما رأى عاكف ان الحلة قد فرغت من الشباب المقاوم ، أحاط بقواته جموع الناس، ومنعهم من الدخول اليها أو الخروج منها . ثم أعلن عاكف ، إنه سيضرب فياليوم التالي محلات الجامعين والطاق وجبران بالمدا فع ، فأنتقل مابها من الناس الى المحلات الأُخرى ، ونصّب عاكف مدافعه على تل الرماد ، وأخذت تطلق قذائفها نحو ساعتين .
دخل عاكف بجيشه الى الحله ، وفعل فيها الأفاعيل من الحرق والهدم والسلب والقتل ، وشنق عاكف من أهل الحلة (126) رجلاً، بينهم رجال شديدو الاخلاص للحكومة وواسعو الجاه والثروة ، وعدد من المساكين والأبرياء ، وكان من ضمنهم صادق عبد الحسين  شهيب ((عم البصير)) الذي شنق وعلقت جثتهُ مقابل الجسر . وزاد عدد شهداء مدينة الحلة على (1500)  شخص في هذه الواقعة. ونفى عاكف جماعة كبيرة من أهل الحلة الى ديار بكر، من بينهم أطفال وشيوخ ونساء طاعنات في السن ، بقصد التنكل والتعذيب ، ومن بين هؤلاء من ارجعوا الى الحلة من بغداد ولم يذهبوا بهم الى ديار بكر  لشفاعة حصلة لهم ، أما الباقون ، فسيقوا كالأغنام مشياً على الأقدام , فمات بعضهم في الطريق من شدة الأعياء والجوع والضرب المبرح.
وقد القيت بمناسبة تابيين السيد محمد القزويني ، خطب وقصائد شعرية ، نددت بالواقعة ، وكان أبرز هذه القصائد قصيدة محمد مهدي البصير ، فقد عاش البصير أحداث هذه الحادثة المؤسفة ، وقد رأى من أهوالها ما رأى .يارب ما ذنب اطفال تعذبهم         يدا خسيس لئيم الطبع نحام
يحيا بجانبهم والمال يغمره
ولا يعيشون الا عيش ايتام
أما في بغداد ، فقد أخذت سلطات الاحتلال البريطاني على عاتقها ، مهمة  اصدر العديد من الصحف والمجلات ، وذلك بقصد احتكار وسائط التأثير في الرأي العام ، فأوقفوا جريدة الزواء عن الصدور .وقاموا بأصدار جريدة  العرب في الرابع من تموز سنه 1917. ومجلة دار السلام .
أما الشعراء ، فقد وقفوا من احتلال بغداد مواقف مختلفة ، فقسم منهم ندب  العثمانيين وبكى عليهم والمهُ فراقهم , مدفوعين بدافع الدين ، والوفاء العربي الاسلامي ، وقسم آخر أذهله هذا الفتح , فحار في أمره , فلم ينظم شيئاً من الشعر , أي انهُ وقف موقف المحايد , ولعلهُ خشي عودة العثمانين , أو ان الاحتلال البريطاني لم يكن مرغوباً به ، لانهُ احتلال أجنبي , ولأنه مستعمر لا تربطهُ أي رابطة بالعراقييين , دخل البلاد بالحديد والنار والدم ، وقلب الحياة العامه رأساً على عقب.(56) وأخذ بعضهم الاخر ، ينشر شعره متخفياً تحت أسماء مستعاره , ومن تلك الأسماء ((ابن ماء السماء)) و ((ابن الرثاء))  و ((ابن العرب)) و((ابن   الرثاء)) و ((ابن العراقيين)) و ((ابن السليقة)) وغيرها من الأسماء المستعارة التي عبرت عن تقلقل الوضع السياسي وغموض الأحداث .
أما محمد مهدي البصير، فقد نشر شعره في جريدة العرب باسم ((ابن بابل)) و ((ابن السلام)) وفي مجلة دار السلام باسم ((ابن بابل)) وأحياناً ((البابلي)) وظل ينشر شعره متخفياً ، الى ان ظهر اسمه الصريح في مجلة دار السلام .     أخذ محمد مهدي البصير، يهاجم السياسة التي انتهجتها الحكومة العثمانية ،
والتي أدت بها إلى الانحطاط والانقراض التدريجي ، بعد ان تحكم فيها النزاع على العرش ، وتلاعتب فيها الأهواء ، حتى أصبحت غير قادرة على مواجهة أعدائها ، ذلك لما ساد فيها من جور وظلم واستبداد ، وهذا ما عبرت عنه قصيدة ((النسيم والقمر)) :ـ
فلما تدلت الى الانحطاط
وســـاق البـوار اليها القدر
تخطى النزاع الى عرشها
ومـا يسوى التاج منها عثر
فكل يريد  بهـا مـذهـــــبـا
وكل يزج بها في خطــــــــر
فجار الامير وخان الوزيـر      فمـا من معين ولا من وزر.
ثم انتقد البصير، سياسية التتريك ، التي سلكها حزب الاتحاد والترقي، الضيقة الأفق والتي استهدفت تتريك العناصر غير التركية ، ومقاومة طموحها للاستقلال الذاتي ، والحفاظ على شخصيتها وتراثها والتنكر لحقها في تقرير مصيرها. حيث لجأت الى ضرب العناصر التي ترفض هذه السياسة ، غير مراعين لحقوق الشعوب التي صبرت على جورهم ، والتي لم يكن صبرها إلا حفاظاً على الرابطة الاسلامية . ومن قصيدة له يؤكد البصير ذلك قائلا ً:ـ
صبرنا على جـور اعدائنـا
لحفـظ الديانة لاعـن رهـــب
ولكنهـم قوضـوا  مجدهـــا
لتبنـى لهـم غاليان  الـرتـــب
وعادوا لعنصرنا يضربـون
رقاب بني الشعب كي ينشعب
الى ان يقول :ـ
سل الاتحــاد يين  كيف   تحكـمـو
بحــرية يستعبدون بها الحـرا
فكم غمطوا حقا وكم اثروا هـوى
وكم نكروا عرفا وكم عرفوا نكرا
ونظم البصيرعلى لسان ((انور)) قصيدة عنوانها ((خطاب انور لتركية)) قال فيها:-
رجوت بموقفي هذا فوزا مبيا
فسقـت لك العذاب بـه مهينا
اذا الدينارا اسمعنـــي رنينــــاًً
فد يــت لصـوته منك الانينا
اصبت رضا قيصري الـمـفـدى
فأهــون بلرجال الساخطــينا
اقمنا للسياسة فيــك ســوقـــاً
به ( الالـمان ) كانوا مشترينا
فأرخصنا لهم ملكــاً نفيســـــاً
وكم بعثوا لنا علقاً ثميناً
وأشار البصير في هذه القصيدة الى نهاية الحرب ، والى القائد الألماني المشهور ((فرديناند)) و ((غليوم)) امبراطور المانيا، التي هزمت مع العثمانيين وكل ذلك على لسان((انور)) فقال :ـ
وحين رايــت ملك عــاد نهباً
تنازعه جيـوش الظا فريـنـا
ومزق جيش فـرديننـد حتـى
تساقط بين ايدي الزاحفــينا
وقد ملئت حشـا غليوم رعبا
بكسر جنــوده المتقهـقرينا                             
تـركـت عليـك سيـطـرتي لأنـي
رأيـت بـك الـعدى متسيطرينا                                         
بخطـتي اعترفت لـديـك حـقــا
لاني من بنـيـك الصــــــاد قينا
ويضيف البصير في قصيدته ((عبر الأيام)) أو ((مصير غليوم)) قائلاً :ـ 
  
امــا فقـد الجبار غليوم عــرشه
وقد زحمت هام  السماء مناكبه
رجا ان يكون الكـون طوع بنانه
مشـــارقه تـعـنـو له ومـغـاربـه                                        
فسعّر حــرباً لو اراد اجتــنابها
لما وقع الشر الذي هـو جـالبـه

وبهذا نجد إن البصير، قد انقلب من مؤيد للعثمانيين ، الى ناقم ساخط يسخر من ((انور باشا)) الذي مدحه بالأمس ، ويرسم له صورة مشوهة ، غير التى رأيناها في قصيدتة ((الى بطل العثمانيين)) فينتقد انورباشا في إنحيازه الى المانيا ، ويعتبره قد باع دولته للألمان في سوق المتاجره ، ولاهم له إلا جمع المال وإرضاء قيصرهُ الألماني.
وقد أشار البصير، الى ماقدمه العرب من مساعدة ، للبريطانيين في حربهم على الدولة العثمانية في قصيدة لة قائلاً :ـ

لو انصفوك لحرروك لأنهم
ربـحــوا قـضيتهــم بظــل لـــواكــــــا
نقضت مطامعهم صداقــتك
الـتـي من أجلها عقدت  وهم أعداكا (73)

وحينما انكشفت مكائد الحلفاء ، ودسائسهم للعرب عامة والعراقيين خاصة ، أصابهم اليأس واعتراهم القنوط ، ويبدوا ان البصير ممن انخدع بهذه الوعود البراقة في أول الأمر ، ولكنهُ بعد ان تبين لهُ زيفها وبطلانها ، وقف من الاحتلال البريطاني موقفا مضادا ، اتخذ شكل المعارضه السياسية. فنظم البصير قصيدة ، عبر فيها عن هذه الخيبة ، التي شعر بها  مثلما شعر بها الآخرون ،
وهي قصيدة رمزيه جاء فيها :ـ

اناحر لولا حكومة سحر
جهزت لي بالاعين النجل حملة
زعمت انها سلام ونـــور
بيد اني وجـــــدت نارا مطلة 
ومن القصائد الرمزية التي اشتهرت له ، قصيدة ((ايقاض الرقود)) التي بعث بها البصير من الحله الى ((مجلةاللسان)) وهي تعبرعن الخيبة المُرة التي شعربها العرب ، ازاء موقف البريطانيين منهم ، بعد العهود التي قطعوها لم في الاستقلال .

ياصبا هاك  من دموعي طلـة
فلعـل الهـوى يـرق لعلــــــــه
انا مستعبد كما يشتهي الحب
فهل انت في الفضاء مستقله