محاكمة رئيس وزراء بتهمة التآمر على حياة الملك غازي

محاكمة رئيس وزراء بتهمة التآمر على حياة الملك غازي

د. عكاب يوسف الركابي
ألف جميل المدفعي وزارته الرابعة ، في 15 آب 1937 ، وبما عُرف عن ، المدفعي ، بأنه رجل التسويات وحل المشكلات بطريقة إسدال الستار على مسبباتها ، فقد سارع ألي إعلان سياسة إسدال الستار على الماضي ، والذي توخى معها إرضاء الملك غازي، الذي كان مضطربا ً بسبب اعتقاده بأن الكتلة القومية في الجيش تقصده بشكل مباشر ، لعلاقة ،

 بكر صدقي ، السابقة به، وأبقى المدفعي على عدد من أعوان ، بكر صدقي ، في مراكزهم السابقة ، ولم يتخذ آية إجراءات بحق ، حكمت سليمان ، واتباعه.
كان ، الملك غازي ، يعرف ان الظرف الذي ظهرت فيه الوزارة المدفعية الرابعة ، كان ظرفا ً حساسا ً إذ كانت العناصر المحسوبة على ، بكر صدقي ، والعناصر المناوئة لها ، تحذر كل منهما الأخرى وتتوثب للهيمنة عليها ، كما كان يعرف بأنه العناصر التي أبعدتها الوزارة السليمانية ، وظلت بعيدة عن السلطة لن تقف مكتوفة الأيدي وبخاصة ، اخطر خصوم الوزارة المذكورة ( نوري السعيد ) الذي وصل الى بغداد ، في 25 تشرين الاول من عام 1937 .
كان ، الملك غازي ، ورئيس الوزراء ، جميل المدفعي ، وحكمت سليمان ، قلقين من عودة نوري السعيد ، الذي كان ما يُشك في انه ، يقف حجر عثرة ، أمام سياسة الوزارة التي هدفت الى إسدال الستار على الأحداث التي رافقت الانقلاب العسكري ، منذ بدايته وحتى الإطاحة به  ، ولم يكن يشك أحد في أنه كان ،  متعطشا ً للانتقام من قتلة جعفر العسكري ، ومن الذين شردوه ، واضطروه الى  المنفى .
أخذ الملك يكرر اجتماعاته ، بحكمت سليمان ، بواسطة مرافقه ، فؤاد عارف ، حيث كانت دار خال الأخير قرب دار ، حكمت سليمان ، فكان فؤاد عارف يقله الى قصر الزهور بالسيارة المخصصة لشراء احتياجات القصر اليومية، وأخذ الملك يعتمد على الضباط المحسوبين على، بكر صدقي ، ويقربهم منه مثل (جواد حسين الذي كان أحد الذين اشتركوا في اغتيال جعفر العسكري) حيث جعله ، طياره   الخاص  والعقيد علي رشيد (رئيس المرافقين) الذي جعله، سكرتيره العسكري ، الخاص ، والذي اصبحت له كلمة نافذة في القصر.
لقد أرسل رئيس الوزراء ، جميل المدفعي ، بطلب مرافق الملك، فؤاد عارف ، وأخبره بأنه على علم بما كان يجري من اتصالات سرية بين الملك ، وحكمت   سليمان ، بوساطته  .كان من رأي رئيس الوزراء ، جميل المدفعي ، انه لا يستطيع اتخاذ أجراء ضد ، حكمت سليمان، ما لم يعثر على شيء يستوجب ذلك .
ومهما يكن ، فقد قامت الكتلة العسكرية بانقلابها ، في 24 كانون الأول 1938، وتقدم الجيش الى الملك غازي بطلب أقاله الوزارة المدفعية الرابعة ، معززا ً طلبه بتحركات عسكرية واقترح بإسناد الوزارة الى، نوري السعيد، أو طه الهاشمي،  كلّف الملك ، نوري السعيد ، بتأليف الوزارة ، فشكلها في 25 كانون الاول 1938. وسرعان ما تحرك الاخير ، في اتجاه تصفية خصومه، ففي 27 كانون الاول 1938 ، استحصل على ارادة ملكية تقضي بأحالة مجموعة من كبار الضباط ، على التقاعد  وهم من المؤيديين سياسة إسال الستار على الماضي التي تبنتها الوزارة المدفعية السابقة ، الامر الذي لم يرق، لنوري السعيد ، الذي كان متعطشا ً لضرب انقلابيي عام 1936.
بعد نجاح ضربة ، نوري السعيد ، الاولى، جاء دور ، حكمت سليمان ، وبقية   انصار بكر صدقي ، وبخاصة من كان له يدُ في مقتل جعفر العسكري ( صهر نوري السعيد ) ، وان موقفه من ، حكمت سليمان ، بالتحديد من شأنه ان يبين لنا نواياه الحقيقية ، واسلوب مناوراته ، فأغلب الظن أنه أراد ان يحتفظ ،بحكمت سليمان ، رهينة في الداخل ، فعندما احس الاخير ، باحتمال دنو الخطر منه ، بصورة مباشرة ، واراد ترك العراق والذهاب الى تركيا ، اتصل به ، نوري ، بوساطة ابنه صباح ، والدكتور سامي شوكت ، الذي كان يشغل يومذاك منصب مدير المعارف العام ، وطمأناه بتأكيدات له ، على انه (( لا يضمر له شرا ً ، وانه لا خوف عليه ، ولا  على حياته اذ بقى في العراق )) ، كما ان ، نوري ، اعطى وعودا ً مشابهة للسفير البريطاني ، في بغداد ، حينما أكد له ، انه لا ينوي الانتقام من خصومه او نفيهم  ، الا انه تصرف ، في الواقع ، على العكس من تأكيداته ، فقد تم تلفيق تهمة غريبة للايقاع ، بحكمت سليمان، وبعددٍ آخر من الانقلابين السابقين ، تلك التهمة التي غدت تعرف ، بقضية ، حلمي عبد الكريم .
ففي السادس من شهر آذار من عام 1939 ، أستمع الشعب العراقي الى    بيانٍ مفصل عن (( احباط السلطات المختصة ( لمؤامرة ) خطط لها واشترك فيه فئة من ، عبيد الشهوات ، والمطامع ، وعمال الفوضى ، الذين قاموا على قلتهم وضعف تقديرهم لمغبة اعمالهم ، بخداع نفر ٍ من الضباط ، من أجل تجديد المآسي السالفة ، وقد فاتهم ، ان الجيش الذي يشعر بمجموعه بواجب الاخلاص والتضحية نحو قائده الاعلى وسلامة الوطن لا بد أن يبرأ من المفسدين )) .
لقد كان مضمون الاتهام ، في هذه المرة ، هو العمل على قلب نظام الحكم ، والمجيء بالامير عبد الاله وتنصيبه ملكا ً بدلاً عن الملك غازي ، والقيام بحملة اغتيالات يقصد بها عدد من السياسيين وبضمنهم رئيس واعضاء الوزارة الحالية   وقادة الكتلة القومية للجيش  .
وبحجة الحفاظ على سلامة امن الدولة ، سارعت الجهات المختصة الى   اعتقال المتهمين في تلك القضية ، وفي مقدمتهم ، حكمت سليمان ، والذي يبدو ان هذه التهمة لفقت له من اجل الايقاع به بالذات ، كما اعتقل في تلك القضية كل من ،   العقيد صالح صائب الجبوري ، والرئيس ( النقيب ) البيطري حلمي عبد الكريم ، والرئيس ( النقيب) عبد الهادي كامل ، والرؤساء ( النقباء) المتقاعدون جواد حسين   ( الطيار ) وعلي غالب ( الاعرج) وأسماعيل العباوي وأخيه يونس العباوي ،  وزجّ الجميع في السجن تمهيدا ً لمحاكمتهم ، أذ ألّف لهذا الغرض ((مجلس عرفي عسكري)) برئاسة ، العقيد عبد العزيز ياملكي  .
أستند المجلس العرفي العسكري في حكمه بالدرجة الاساس ، على اقوال ، الامير عبد الاله ، الذي أدلى بشهادته امامه ، والتي زعم فيها ، بأن ، حلمي عبد الكريم ، يعلم بأن ، هناك مؤامرة مدبرة لأغتيال الملك غازي ، قبل وقعها بما يقرب الشهرين وقد اتصل بالملك لتحذيره  ، الامر الذي أكده ، طه الهاشمي ، في   مذكراته  ، لكن الملك لم يكترث للامر ولم يوله ِ ما يستحقه من متابعة واهتمام لدرأ الخطر عن نفسه ، فلجأ حلمي عبد الكريم الى الامير عبد الاله يستعين به للمحافظة على حياة أبن عمه ، فكان كالمستجير من الرمضاء بالنار  ، وقد تحدث الامير عن تفاصيل ذلك اللقاء قائلا ً: (( جاءني عبد الهادي كامل  ، ذات يوم وطلب ان يكلمني ، فلما اختليت به قال : ان ضابطا ًيريد مقابلتي، فأذا به حلمي عبد الكريم ، وقد  ذكر لي ان بعض الضباط يريدون القيام بمؤامرة ضد الوطن ، وان الواجب ساقه الى اخباري بذلك، فطلبت اليه ان يذكر لي اسماء هؤلاء الضباط ، فلم يذكر اسم أي احد، على الرغم من الحاحي عليه فسألته، وكيف استطيع الوثوق بأناس لا اعرف اسمــاءهم ؟
فجائني بعد مدة بقائمة تضم بعض الاسماء ، فذهبت بها الى عمي الامير زيد  ، في الوزيرية واطلعته عليها . وبعد ايام جاءني ، العقيد محمود سلمان ، مرسلاً من قبل وزير الدفاع، طه الهاشمي، وسألني عما قلت لعمي، فأدركت ان عمي قد افشى السر ، وما لبثت ان دعيت الى الحضور امام المجلس العرفي العسكري، فاستأذنت الملك غازي وحضرت امامه ، وقصصت على اعضائه القصة كما وقعت )) .
اما ، العقيد عبد العزيز ياملكي ، رئيس المجلس العرفي العسكري ، فقد ذكر  (( ان حلمي عبد الكريم اتصل بالامير عبد الاله بعد ان توسط عبد الهادي كامل بالتعارف بينهما ، وقد تكررت اجتماعاتهما عشر مرات ، بيّن خلالها حلمي للامير عبد الاله عدم مشروعية الحكومة الحاضرة ووجوب التخلص منها ، ويقترح لنجاح هذه المؤامرة ، تنفيذ الخطة التي وضعها ، والتي تنص على ان يقيم الامير مآدبة يدعو اليها اركان الوزارة القائمة مع بيقة الضباط حيث يتم الاجهاز عليهم جميعا ً هناك ، لكن ، الامير عبد الاله ، ذكر له بان داره الحالية  لا تساعد على مثل هذه الدعوة ، واقترح ان تكون الحفلة في داره الجديدة  ، وقد أخذ حلمي ، خارطة الدار الجديدة لدراستها مع اصحابه ، وقد بقيت معه يومين كاملين ، ولم يكتف بمطالعة المخطط بل ذهب بذاته وكشف على مشتملات القصر الجديد ، ثم بيّن حلمي للامير عبد الاله بأنه سيذهب الى كركوك والموصل لاستكمال الترتيبات المتعلقة بهذه المؤامرة، فسرب الامير عبد الاله ، اتصال حلمي الى المراجع المختصة ، التي اوصت بأستمرار الامير عبد الاله على ادامة صلته بحلمي لمعرفة ماذا بجعبته  ، فاستمر الامير عبد الاله يخادع البيطري حلمي ، عشرين يوما ً ، على حد زعمه )) ، واستنادا ً الى الادلة والقرائن التي تجمعت لدى السلطات المختصة ، القي القبض على المتهمين وسيقوا الى المجلس لاجراء محاكمتهم عن التهمة الموجهة اليهم .
ادلى ، الامير عبد الاله ، بشهادته امام المجلس العرفي العسكري ، في اليوم السابع من شهر آذار سنة 1939 ، دون اداء اليمين القانونية، وذكر صلاح الدين الصباغ ، ان الامير عبد الاله جاء في شهادته ، ان ، حلمي عبد الكريم ، عرض عليه الاشتراك في المؤامرة ، واطلعه على اسماء بعض المتآمرين ، لكنه اعتذر عن كتابة اسمائهم بخط يده ، فدّون الامير قائمة باسماء اكثر من عشرين ضابطا ً من رتب مختلفة  ، وسلّمها للسلطات المختصة . ثم استمع المجلس لبقية الشهود ومنهم ، العقيد محمود سلمان ، الذي جاءت شهادته مطابقة تماما ً لاقوال الامير عبد الاله  . ولدى التأمل بعد التحقيق والمذاكرة ، ثبت للمجلس انه دُبرت (( مؤامرة )) خفية ، مركزها بغداد ، من أكثرية المتهمين لقلب الحكومة الحاضرة ، واغتيال عدد من المسؤولين من مدنيين وعسكريين ، عن طريق أقامه وليمة في قصر الامير عبد الاله ، وعليه قررالمجلس العرفي العسكري ، في اليوم السادس عشر من شهر آذار  ، الحكم بالاعدام على كل من ، حكمت سليمان ، وجواد حسين ، والشقيقين ، اسماعيل ، ويونس العباوي ، ومتهما ً خامسا ً في القضية هو الرئيس البيطري ، حلمي عبد الكريم ، الذي قيل انه هو الذي افشى سر المؤامرة للامير عبد الاله ، والذي تفوّه بالسجن بعبارات (( تفوح منها رائحة الطبخة )) ، بصورة واضحة.
يبدو مما تقدم ان هذه المؤامرة المزعومة هي من بناة افكار نوري السعيد ، دبّرها وحاكها واراد بها تصفية، حكمت سليمان جسديا ً، انتقاما ً من قتلة صهره جعفر العسكري ، وجزاءا ً لما لحق به من ذل ومهانة وهو خارج العراق ، وتحايلا ً على قانون العفو العام عن المشتركين بحوادث 1936، الذي مرره، حكمت ، في البرلمان ، والذي حال بينه وبين محاكمة الفاعلين ، ولئن فشل نوري في تحقيق مبتغاه هذا ، الا انه نجح عمليا ً في عزل ، حكمت سليمان ، واخراجه من الحلبة السياسية طيلة ما تبقى من العهد الملكي ، فغادرها وفي نفسه شهوة الى السلطة .
وفي 17 آذار 1939 ، زجّ ، بحكمت سليمان ، في السجن ، ويبدو انه كان يعاني من ظروف قاسية داخل السجن ، حيث لم تمض سوى فترة ثلاثة اشهر ، حتى
اصيب بمرض التدرن الرئوي  ، الامر الذي دفع وزير العدلية في حكومة نوري السعيد ، محمود صبحي الدفتري ، الى ان يتقدم بطلب الى رئيس الحكومة ، راجيا ً فيه اطلاق سراحه  من السجن ، شأنه في ذلك شأن أي سجين مصاب بهذا المرض  ومراعاة ً لظروفه الصحية  ، ولكن ، يبدو ، ان طلب الوزير لم يجد أذنا ً صاغية ، رغم تهديده بالاستقالة ، ان لم تأخذ العدالة مجراها  ، فاستحسنت الحكومة نقل ، حكمت سليمان (( منفيا ً )) الى مدينة السليمانية في آواخر عام 1939  ، استجابة ً لالحاح ، الدفتري وتوصية ، سندرسن باشا .
وفي مدينة السليمانية ، حيث بقي هناك تحت الاقامة الجبرية ، شأنه في ذلك ، شأن أي منفي سياسي ، واصبح تحت مراقبة الشرطة ، التي خصصت الضابط   مظهر احمد  لهذه المهمة ، التي استمرت الى عام 1941 ، عندما افرجت عنه ، حكومة الدفاع الوطني برئاسة ، رشيد عالي الكيلاني وكان ذلك في نيسان من العام المذكور ، وبهذا يكون حكمت سليمان قد امضى سنتان بين السجن والنفي .
وقد سمحت الحكومة له بالسفر ، حسب رغبته ، فقصد طهران التي وصلها  في نهاية شهر نيسان من العام نفسه ، عن طريق خانقين ، مرحبا ً به من قبل شاه    ايران  ، ويبدو ان سفره هذا ، الذي عاد منه الى العراق بعد شهرين فقط ، كان لاغراض الراحة والاستجمام ، بعد المعاناة التي لحقت به من جراء المرض والسجن والنفي ، او لربما انه فضّل الابتعاد عن العراق ، بسبب الاحوال السياسية المضطربة والتي رافقت حركة رشيد عالي الكيلاني وما صاحبها من حرب ٍ مع البريطانيين .