مشيخة آل سعدون في المنتفق..   وثائق وذكريات نادرة

مشيخة آل سعدون في المنتفق.. وثائق وذكريات نادرة

يعقوب سركيس/ مؤرخ راحل
كانت حمولة آل شبيب القريشيين الهاشميين العلويين تتناوب أعضاؤها منذ أمد بعيد على إدارة شؤون ديرة المنتفق المترامية الأطراف ثم نبع في أحفاد شبيب سعدون المحمد المانع وأخوه عبدالله في منتصف القرن الثامن عشر وقد تخللت تلك الحقبة مشيخة منيخر (بالتصغير) من آل صقروبندرمن آل عزيز-ولعل غيرهما- في فترات قصيرة لا يعبأ بها وجميعهم من آل شبيب.

ومن بعد سعدون وعبدالله كانت الحكومة العثمانية تسند المشيخة تارة الى ثامر السعدون وطورا الى ثويني العبدالله ومن بعد ثامر الى ثويني وحمود حسبما تدعوه اليها مصلحتها. وجاء ان الحكومة أسندت المشيخة مرة الى نجم أخي ثوينيولم يستقم فيها ولم تفتأ أخيرا الحكومة من إسناد المشيخة الى أحفاد ثامر دون غيرهم.
وكان الشيخ السعدوني- ولاسيما بعد انقراض ولاة العراق المماليك  الكوله من او الكوله مند- يتعهد للحكومة بتأدية بدل سنوي من النقود وفي بعض الأوقات كان يضاف اليها الحصن الجياد عما يجيبه الشيخ من غلة الارض عن خراجها الشرعي ومن الضرائب والرسوم والنكال وغير ذلك. واما البدل فأنه كان يتقرر بذمة الشيخ في نتيجة مزايدة تدعو اليها الحكومة فتسند المشيخة الى من تراه ملائما لمصلحتها تبعا للأحوال بغض النظر عن زيادة البدل وكان يسمى المتعهد بالمال"شيخا" بل "شيخ المشايخ فهو شيخ لانه من بيت الشيخ السالف و"شيخ المشايخ" لانه في الزمن عينه شيخ إخوانه وأسرته وشيخ مشايخ أثلاث المنتفق وهي:
1-مشيخة ثلث بني مالك وما يلحق به من ذلك مشيخة بني سد (بفتح السين وتشديد الدال وهم بنو اسد) المربوطة أحيانا وفي بعض الشؤون بمشيخة المنتفق مباشرة.
2-مشيخة ثلث الأجود ويلحق به أيضا مشيخة بني حكيم (تصغير حكم بضم الحاء ضمة خفيفة وفتح الكاف) في بعض الأحيان كرابطة مشيخة بني سد بمشيخة بني مالك او اقل من تلك الرابطة في شؤونها وأزمانها.
3-مشيخة ثلث بني سعيد.
ولما كان قد زال حكم الولاة المماليك كما أسلفنا وذلك على يد لازعلي رضا باشا الذي دامت ولايته الى سنة 1258هـ (1842م) اوفدت الحكومة خلفا له في ذلك العام محمد نجيب باشا فقدم الى العراق "وهو ملتزم الخطة البغدادية مع البصرة وراوندوز مقطوعا ببدل هو خمسون ألف كيس ويظهر من هذا الإقطاع انه لم ينبثق شيء من تباشير الإصلاح الموعود به في الخط الهمايوني المقروء في كلخانة (بكاف فارسية مضمومة واسكان اللام) في سنة 1255هـ (1839م) الا انه جاء يعد ذلك ان مسلك الرؤساء المرموقين (آل سعدون) وحركاتهم جلب نظر دقة واهمية الباب العالي وبناء على هذا نصب نفس الاهتمام لاستخلاص المحال المزبورة من ايديهم تدريجا وفي شهر رمضان سنة 1265هـ (1848م) صدر الفرمان السلطاني بجلب نجيب باشا الى الاستانة واسندت ولاية ايالة بغداد الى المشير صاحب الدولة عبدي باشا لماله من الاطلاع الواسع على احوال هذه الايالة وبتولية والِ خاص بايالة البصرة اذ انها من الولايات التي يجب الاعتناء بها اعتناء تاما لتمشية امورها تمشية حستة على ان تبقى نظارة والي بغداد عليها مع دوام ربط شؤونها الحسابية بايالة بغداد. وعين للبصرة صاحب العطوفة راغب باشا ولسبب تحويل هذا الباشا الى ايالة جزائر بحر الروم عين مكانه معشوق باشا من اصحاب رتبة مير ميران في شهر شوال سنة 1265هـ (1848م) واعزم الى البصرة. والباشا المشار اليه وان هو اجرى المتصرفية في البصرة كم سنة لكن كانت المحال التي اجرى فيها النفوذ والحكومة عبارة عن نفس البصرة والناوي وكردلان (بكاف فارسية مفتوحة وسكون الراء وفتح الدال) وكان شغله كتابة عن القوليات أهـ.
ومن الاصلاح الذي كان قد وعد به في خط كلخانة انه صدرت الارادة السنية القاضية بتأليف مجلس كبير في كثير من الايالات وفي رمضان سنة 1267هـ(1850م) صدرت الارادة ايضا بتأليف مثل هذا المجلس في بغداد ونصبت له رئيسا سالك افندي دفتر دار طرابزون.
وفي ذي القعدة سنة 1268هـ عين الكوزلكلي (ذي المنظرات) محمد رشيد باشا واليا على ايالة بغداد ومشيرا لفيلق الحجاز والعراق فاقتفى بالرأي القائل بالاستيلاء على مشيخة آل سعدون فوجه نظره شطر ديار المنتفق لتديرها حكومته مباشرة. تلك الديار التي كثيرا ما نهكت قوى الولاة اسلافه حينما كانت هذه الانحاء في حالة تؤدي بهم الى النزول على ارادة زعيم وان لا يرضيهم سلوكه.
حدق هذا الوالي نظره الى ديار المنتفق فبان له انه من العسر المتعذر وضع يده عليها باجمعها فورا بخطوة واحدة دون تمهيد اداري وتوطئة فعلية وان طال امدها فسعى في افراز ما يتسنى افرازه املا ان تستمر الحكومة على هذه الخطة في كل مزايدة حتى يتم لها الفوز ولم يخفق الوالي في مسعاه لانه اقنع الشيخ منصور (ثم باشا) الراشد الثامر بافراز السماوة بما يتبعها وبعشلئرها لالحاقها بلواء الحلة ففعل واسند المشيخة الى منصور على هذا الوجه ثم وقعت حوادث اسفرت عن استيلاء الجنود العثمانية على سوق الشيوخ فاضطر هذا الشيخ الى الرضوخ لارادة الوالي ورضى بان يفرز من ديرته مواضع أخر. ونرى حسين باشا (من الامراء العسكريين العثمانيين) قائممقام سوق الشيوخ في 14 شعبان سنة 1272هـ (1855م) وللمنتفق شيخا اخاله الشيخ منصور بنفسه وفي تلك السنة ايضا عينت الحكومة السيد داود افندي السعدي مدرسا ومفتيا في المنتفق مما يدل على انها نوت تثبيت قدميها لتبقى نافذة الكلمة في تلك الديار.
ولما جاء بغداد الوالي عمر باشا السردار في 5رجب سنة 1274هـ (1857م) طمع من جهة بشجاعته وقوة حكومته ومن جهة اخرى خاف على صحة الجنود المرابطة في سوق الشيوخ لرداءة هوائها ومائها ووخامتها فجرد تلك القصبة من الجنود فاعاد بذلك الى آل سعدون ما كانوا يتمنون الرجوع اليه. ومع هذا فانه بسعى الدفتردار مخلص افندي لم يعد الى المنتفق المواضع المفرزة. ويبين لي ان هذا الوالي تحرى له مخرجا ليبقي مسحة مما كان قد فعله سلفه فوجده في تسمية الشيخ منصور(ثم باشا) قائممقام مع منح الحكومة اياه رتبة "مدير الاصطبل العامر مع لقب بك" وقد سجلت سالنامة (تقويم سنوي) الحكومة الصادرة في الاستانة لسنة 1276هـ(1859م) ان الشيخ منصور بيك هو قائممقام للواء المنتفق وانه من اصحاب هذه الرتبة وهذا اللقب وان مركز اللواء هو سوق الشيوخ.
ويظهر لي ان المنتفق قد استاؤوا من هذا التطور فان قائلهم الحادي يقول:
يا ابو علي الموردة
اميرنا صاير مدير
عاداتنا ذبح العساجر
وشعاد لو جانا المشير
واذا مثلنا بين أعيننا المنتفق فعرفنا أنهم جميعهم عشائر وعمائر هان علينا ان نسلم انهم كانوا يجهلون وجود إدارة تصلح لشؤونهم غير إدارة المشيخة التي ألفوها منذ نعومة الأظفار إرثا عن الآباء والأجداد وانهم كانوا مستسلمين رضاء وطوعا للبقاء على ما وضعه أسلافهم فلا يخامر بالهم تغيير ما اعتادوه وان نقم بعضهم أو أغلبهم أحيانا على الشيخ في تصرفه في شؤونهم وحالتهم تنبئ باحتفاظهم بكثير من العوائد والأخلاق القديمة التي لم تفعل فيها الأيام شيئا يذكر.
وفي سنة 1277هـ(1860م) في عهد الوالي توفيق باشا جرت المزايدة بين الراغبين في المشيخة الشيخ منصور وبين الشيخ بندر الناصر الثامر فأسندت المشيخة الى الأخير منهما في20 شوال لمدة ثلاث سنوات ببدل سنوي قدره 4900كيس مع افراز جديد من تلك الديار. وذلك المفرز هو ابو الخصيب وباب سليمان(في انحاء البصرة) وشطرة العمارة . وغادر الشيخ بندر بغداد في 28من ذلك الشهر راكبا سفينة شراعية وطريقه على الكوت(كوت العمارة) وبعضهم يقول (كوت الامارة) فالغراف ويظهر ان الشيخ بندر كان يسر بتسميته قائممقام بدليل ان والدي كان كلما كاتبه عنون كتابه بما يلي:
"صاحب العزة قائم مقام بندر بك"
ولما جاء محمد نامق باشا واليا للمرة الثانية ودخل بغداد في3 شوال سنة 1278هـ (1861م) ارتأى انه قد حان الوقت لإلغاء المشيخة فوافقه على ذلك الشيخ منصور بك فاسند اليه الوالي وظيفة قائم مقام المنتفق على ان تدار شؤون اللواء اسوة ببقية الالوية وعين محاسبا للواء سليمان فائق بكفقدم اليه وكان تعيين قائم المقام يوم الخميس سلخ جمادي الاولى سنة 1280هـ(36) (1863م) وهو يومئذ في بغداد ومعه اخوه(الشيخ) ناصر (ثم باشا) والشيخ بندر الذي توفي في اليوم التالي بالحمى فدفن في مقبرة الشيخ عمر(36) السهروردي.
وبعد ان شخص قائم المقام منصور بك الى المنتفق عارض(الشيخ) ناصر في الامر في تلك الديار مما ادى بسليمان فائق بك الى ان يغادرها فارا منها وكان قد اقام في سوق الشيوخ نحو شهرين فصمم نامق باشا على ان يستولي على تلك الانحاء عنوة غير ان برقية وافته من الاستانة تأمره بان يجهز الفيلق وينتظر الامر لمهمة حالت دون تحقيق ما كان قد عزم عليه. فاضطر الى التساهل فأسند المشيخة الى الشيخ فهد(ثم باشا) العلي الثامر سنة 1280هـ (1863م) ودامت مشيخته الى شعبان سنة 1283هـ(42) (1866م) فاسندت الى الشيخ ناصر بموجب شرطنامة باللغة العربية مؤرخة في اول ايلول سنة 1282ايلولية (13ايلول 1866م) مختومة بالختم الشخصي الخاص بدفتر دار ايالة بغداد "عبد النافع عفت" وفي وسطها الجملة التركية "موجبنجه دستور العمل طوتلمق" والجملة مكتوبة بخط ديواني مؤرخة في 3رمضان سنة 1283هـ (1866م) مع اشارة وتوقيع خاصين بالمشير نامق باشا والي بغداد. ومفاد الجملة "لتتخذ (الشرطنامة) دستورا للعمل" اي ليعمل بها.
ومضمون الشرطنامة انه لما كانت مدة "التزام مقاطعات ديرة المنتفق قد انتهت وجب وضعها في المزايدة بعد افراز بعض المقاطعات المجاورة للبصرة فقرر المجلس الكبير بحضور حضرة المشيرية بافراز المقاطعات المسماة الفياضية (الفياضي) والعامية ويوسفان وكوت الفرنجي وكباس(الكباسي) الكبير وكباس(الكباسي) الصغير وجزيرة العين وريان وجبارات وكتيبان (بكاف عربية) وباغات الصفارية مع توابعها ولواحقها بحدودها المعلومة" ووافق هذا المجلس على حط وتنزيل بدلاتها السنوية البالغة 615.225غرشا من بدل السنة 1281هـ وهو 3.166.066 فوضعت مقاطعات ديرة المنتفق في المزايدة مع استثناء تلك المقاطعات التي شرط افرازها وضم 1.740.825 غرشا على الباقي من المطروح منه "شيخ مشايخ المنتفق صاحب النجابة الشيخ ناصر آل سعدون" وبعد انقطاع الرغبات أضيف على المجموع 47.208 غروش وكسر عن رسم خرجباب(48) والدلالية فبلغ البدل السنوي 4.338.875غرشا وبنتيجة الحساب بلغ بدل السنوات الثلاث التي تبتدئ من اول ايلول سنة 1282ايلولية(1866م) وتنتهي في غاية آب سنة 1285هـ (1869م) 13.016.625غرشا وقد حول المبلغ في الشرطنامة ايضا الى اكياس فبلغ عددها 26033 كيسا و125 غرشا واحيلت "مقاطعات ديرة المنتفق" بالاكياس المذكورة الى الشيخ ناصر(باشا) بكفالة راشد آل سعدون وظاهر آل سعدون على ان يدفع المبلغ الى الخزينة في بغداد بتقاسيط معلومة وفوض الشيخ في التصرف في جميع عائدات وواردات ورسومات عشائر المنتفق على المعتاد الجاري سابقا وشرط عليه انه " اذا احدث رسما جديدا فضلة عن الرسوم المتعاملة الجارية" تسأله الحكومة اعادة ما اخذه على هذه الصورة لاصحابه. واذا تداخل بدل التزام سنة اخرى فالحكومة مخيرة في فسخ الالتزام او في مقاضاة الفائض وفقا للنظام. واعطى الشيخ هذه الشرطنامة لقاء سند حوى تعهده بالمال والشروط وبذيله كفالة الكفيلين وبعد وقوع هذا الالتزام بمدة وجيزة منحت الحكومة الشيخ ناصر رتبة امير الامراء فغدا باشا وفي تلك الاثناء منحت ايضا الشيخ فهد(باشا) مثل هذه الرتبة. لاينك ران ذلك التطور – وقد عقبه الارتكاس- لم يحدث شيئا مهما في هذه الانحاء ولابد للمصنف ان يذهب الى ان قلب هذه الادارة ظاهره سهل لكنه عسر. فلم يكن الامر من الهينات يوم كان جيش الحكومة جيشا لايعتد به منه ما يسمى بالـ"هايته"والموظفة تلك الفئة المعروفة بمساوئ الاخلاق وتشويش النظام ومن هم على هذه الشاكلة من الجنود. ولا وسائط للسفر وللنقل اذ ذاك لدى الحكومة الا ظهور الخيل والابل والبغال والحمير والسفن الشراعية. ولا وسائل لها لايصال الاخبار من هذه الانحاء النائية واليها الا السعاة وهم يمرون في سيرهم بارضين قطانها لايقلون بداوة عن اهل هذه الديار ويتفانون في حفظ ابتعادهم عن سيطرة الحكومة. وفضلا عن تلك الاحوال- وجميعها بجانب آل سعدون- هناك عامل آخر هو ان آل سعدون في ديارهم فموقفهم موقف مدافع يكافح عن نفسه كلما اختلف في الامر ناوأتهم الحكومة. ولهذا كان آل سعدون أقوياء أشداء يصعب على الحكومة تذليلهم ورضخهم. ومع إقرارنا بذلك علينا الا نسهو ان ديار المنتفق لم تكن الا مشيخة تعتمد على نفسها لا على غيرها فلا تستمد قوة من ناحية اخرى وان نابهي آل سعدون كانوا يتزاحمون على مشيختها اذ كل منهم يرى في نفسه الكفاية لمسندها.
ولقد زاد موقفهم حرجا بعد ان بدأت الحكومة بإيفاد ولاتها من الأستانة الى العراق وعدلت عن إقطاعه للولاة ببدل مقطوع مسمى. وبعد ان تعددت الدخانيات وهي تمخر الفرات ودجلة وان كانت الدخانيات في عهد طفولتها بالعدد والحجم وهي تحرق الاحطاب النابتة على ضفاف الرافدين ليعد منال الفحم الحجري. وجاء آل سعدون شيء آخر لم يكن في الحسبان هو مد سلك البرق فكان يطير الأخبار فأصبح هذا العصر بدخول هذه الاختراعات في العراق عصر تجدد فعل في نفوس المنتفق وآل سعدون ما تفعله اليوم الاختراعات الحديثة في النفوس ولا سيما في نفوس الأعراب.
ولما أزفت ساعة فتح ترعة السويس(1869م=1286هـ) التي كان ينظر المفكرون الى ما ستحدثه في الشرق وفي اجتماعياته واقتصادياته جاء اتفاقا نصب مدحت باشا المعروف بمقدرته وحنكته واليا على العراق فدخل بغداد في 18المحرم سنة 1286هـ (1869م) وهو يجزم على تطبيق نظام الولاية وهي أصول حديثة وضعت في سنة 1281هـ(58) (1864) وقد عهد اليه تطبيقها فانصرف يسعى في انتقاء الأسباب التي توصله الى الغاية التي يتوخاها في رفع مستوى القطر العراقي وانبرى يشوق الاهلين بهمة ونشاط للسير مع مدنية العصر. ولقد استرعى نظره اختراع البواخر والسلك البرقي فذكرهما في بحثه عن لزوم إتباع الرقي العصري في خطاب أورده في بغداد عقب قراءة فرمان توليته على العراق ولعله أراد بذلك ان يشير من طرف خفي بما عند الحكومة من الوسائل الجديدة لاستمالة من كان يظن فيه المخالفة لآرائه.
ومما قام به هذا الوالي في باب ادارة العشائر انه استقدم الى بغداد الشيخ ناصر باشا المتربع على مسند المشيخة يومئذ وكان قد بقي من مدة مشيخته مدة قليلة فقدم الشيخ ناصر باشا في 21 ربيع الاول سنة 1286(61) (1869م) فأبان له الوالي خطة التجدد التي يجب السير عليها فرغبه في قبول تحويل المشيخة الى متصرفية بالفعل لا بالاسم مع بناء حاضرة في ارجاء المنتفق تسمى"الناصرية" وعدد له حسنات الاستقرار في موضع والعدول عن الحل او الترحال والسعي وراء ترقية الزراعة فتفرس الشيخ ناصر باشا في الامر ففقهه وعلم ان وراء الاكمة ما وراءها من ان الحكومة قد صممت على ما ترتئيه وان وسائل المقاومة التي لديه لاتجديه نفعا فلا يمكن من ردع الحكومة عن مبتغاها فانصاع للامر وعين متصرفا وعين معاونا له قائم مقام الهندية السابق حاصب الرفعة عبد الرحمن بك ونائبا عبد الباقي افندي الآلوسي ومحاسبا الحاج سعيد افندي من موظفي محاسبة الولاية.
وفي 2جمادي الاولى من تلك السنة ركب ناصر باشا الدخانية عائدا الى المنتفق. وفي 17 من الشهر شخص من بغداد الى المنتفق المحاسب الحاج محمد سعيد افندي ومعه رفقاؤه الكتبة ثم اسفرت الحالة عن اجراء الترتيبات والتنظيمات الادارية اسوة ببقية الالوية طبقا لنظام الولاية. وجاء في ذلك التطور بناء الناصرية وتفويض الاراضي الاميرية بسندات الطابو تبعا للقانون.
مر بك في ما تقدم تطور المشيخة حتى صارت متصرفية فليست اذن المتصرفية بنت الساعة-كما يظنها كثيرون وينسبها بعضهم الى استسلام ناصر باشا- انما هي بنت اعوام كثيرة بعيدة ولقد رأينا ان الكوزلكلي هيأ الارض لهذه البذرة وجاء نامق باشا فزرعها وبعد بقائها في الارض الوقت اللازم نبتت في موسم لاءمها اذ قد أودعت العناية بالعراق الى يد مدحت باشا العاملة وهو ذلك الرجل الذي لاحاجة الى الإفاضة في تعريف كفايته وقدرته فكانت الأحوال تقضي بوقوع هذا الانقلاب لامحالة شاء آل سعدون أو أبوا ومن حسن حظهم-وعلى رأسهم ناصر باشا- انهم أدركوا المسألة فقبلوا هذا القلب والتغيير ولم يعارضه معارض منهم. ولولا هذا التفاهم والرضا لأضاعوا بصفقة واحدة المشيخة والتفوض في الأراضي والتصرف فيها على الوجه القانوني ولعادوا يجرون ذيول الخيبة واليأس.
اما قول القائل ان تفوض آل سعدون في الارض وتصرفهم فيها في لواء المنتفق تبعا لقانون الاراضي ونظام الطابو قد حدد حريتهم في التمسك بالمشيخة فصدهم عن استعمال ما يفرضه عليهم واجبا من الدفاع فأدى بهم هذا التفوض في الارض والارتباط بها الى فقدان المشيخة* فهو قول لا اعده وجيها لانهم قبل عهد املاكهم الواسعة المغروسة نخلا باسقا تلك الاملاك التي يعرفها من له اقل المام باملاك البصرة التي تحيط بها على مسافات بعيدة وعلي ان اعترف ان مشيخة المنتفق لم تكن مقصورة على لواء المنتفق الحالي بل كانت تمتد الى آخر حدود الفاو من جهته الجنوبية ومع هذا فان تملك آل سعدون للارض وارتباطهم بها لم يؤد بهم الى التخلي عن المشيخة. ولابد للمعترض ان يتخذ هذا الإقرار حجة يدعم بها رأيه القائل بأن ارتباطهم بالارض في لواء المنتفق هوى بهم الى الانتزاح عن المشيخة. ولكني أخالفه في ما يرتئيه اذ اني أجد ان سبب تقلص ظل المشيخة هو غير هذا. واني لاجده في انتباه الحكومة-ولو انتباها خفيفا- بانتهازها الفرص بعد اطمئنانها من طمع جارتها فارس بالبصرة وحدود العراق وإيقاعها بالوهابيين وما أكثر المرار التي كانت تستعين الحكومة بآل سعدون وتتذرع بهم لدفع هذه الغوائل والشدائد وكانت تعرف نفسها مضطرة الى السكوت عن آل سعدون وترغب في استمالتهم.
ولما صفا للحكومة الجو وغدت تنام ناعمة البال مطمئنة عن هاتين الطامتين ثم أزالت حكم المماليك وأرادت ان تبدأ شيئا من الإصلاح الموعود به أخيرا في خط كلخانة تخطت الى المشيخة في انحاء البصرة في الجنوب والسماوة في الشمال الغربي فلم يسع آل سعدون ان يصدوها عن ارادتها فتسامحوا معها عن هذه الاصقاع حفظا للباقي وحذرا من مصادرتها تلك الاملاك العزيزة. وبعد ان فازت الحكومة فوزا بعد فوز- رأينا منه نبذا في مطاوي المقال- وتم لها الامر هناك أطمعها بالباقي هذا الفوز المتعقب خطة البتر والافراز وهو لاشك كان يجر بالمشيخة الى الاضمحلال فلا يمسي آل سعدون الا لا علاقة لهم بلواء المنتفق بصورة باتة.
لقد عرفنا ان في العهد الاخير كانت قد قلت عند الحكومة تلك الموانع التي كانت تلجئها الى البقاء على الحالة السابقة فتمكنت من تضييق تلك الدائرة الوسيعة. ثم ولدت الليالي العوامل الجديدة التي ذكرتها وهي: تعدد البواخر وانتظام الجنود الى درجة وفتح ترعة السويس ومد سلك البرق فغدا آل سعدون يخافون امكان تسلط الحكومة عنوة على ديرة المنتفق كلها لتلحق القضاء على المشيخة بما كانت قد أزالته منها سابقا في لواء البصرة والسماوة وربما ادى تدبير الحكومة بها الى مصادرة املاك آل سعدون الواقعة في لواء البصرة. وهو أمر يحذره جميعهم كما كان قد خافه الشيخ منصور بك(ثم باشا) وغيره مرارا.
وصفوة القول عندي ان انتباه الحكومة وما ملكته من الوسائل ذلك الانتباه الذي أزال آل سعدون عن انحاء البصرة والسماوة هو نفسه غدا يسري على ما بقي من المشيخة فيفعل فعله بالتدريج. ولو لم يكن لآل سعدون أملاك في انحاء البصرة لخرجوا من هناك صفر الايدي ولانتابهم الامر على هذا الوجه في لواء المنتفق لو لم يرضوا بلتفوض في الارض والتصرف فيها بالطابو ولأمسوا في هذا اللواء ومعهم آل شبيب لايملكون قيد شبر وباتوا فيه غرباء لاناقة لهم فيه ولا جمل.
فقبول آل سعدون بالتفويض في الارض والتصرف فيها على الوجه القانوني جعلهم ذوي علاقة اكيدة في هذا اللواء مع خلو يدهم من الحكم فيه وان تدبيرهم لتدبير رشيد تركوا فيه جانبا الآمال في البرق الخلب وتمسكوا بالحقيقة على سبيل ما لايدرك كله لايترك جله.
وليس هذا التطور خاصا بآل سعدون وحدهم بل ان جميع المشايخ الكبار للعمائر المتمدرة كالخزاعل وزبيد(بالتصغير) وكانوا ذوي بأس وصولة سجلها لهم التاريخ في صفحات عديدة لم يبقوا على ما كانوا عليه ولا سيما بعد تنظيمات مدحت باشا فقد ضئلت تلك المشايخ الكبار وضمرت ولقد فقدت الحكم في عشائرها وقعدت عنه شأن التمدر والحضارة كما دالت الايام على مشيخة "ابن قشعم" الملقب بـ(شيخ العراقيين) الذي حطم الحدثان عز البدوي الاثيل.
وفي هذا السبيل لنا مثال شبيه بذلك في الشمال هو اسرة بابان حكام الاكراد ذوي الشأن العظيم وقد ملأت وقائعهم قسما مهما من تاريخ العراق.
ويستنتج من ذلك كله ان لامسوغ للقول ان مشيخة آل سعدون هوت وانحلت عراها بقبولهم بتفويضهم القانوني في الارض في لواء المنتفق وتصرفهم فيها على هذا الوجه.
هذا ماارتئيته ولكل رأيه والله اعلم.
لغة العرب(ص90): لما كان كاتب هذه المقالة قد علق على"ابن قشعم" وآله تعليقة طويلة مفيدة في جميع مطالبها فرزناها على حدة وجعلناها موضوع مقالة فنحيل القارئ على مطالعتها في جزء آت.
عن مجلة لغة العرب 1927