محمود العالم.. رائد موسوعي لم يمل !

محمود العالم.. رائد موسوعي لم يمل !

د. هاني نصير
لم يكن الأستاذ محمود العالم الذي رحل عن عالمنا يوم السبت الماضي مفكرا ورائدا فلسفيا ونقديا من طراز خاص فقط، ولكن كان كذلك إنسانا فريدا في إنسانيته وتواضعه، في سمته وشخصيته، كان وراء اكتشاف الكثيرين وإنصاف الكثيرين ليس أولهم نجيب محفوظ وصلاح عبد الصبور كما لا يعرف آخرهم..

ظل العالم ابتسامة دائمة تشي بالتسامح والتفاؤل، كان يتابع كل شيء، لا يجد الحرج، وهو من كانت معركته مع طه حسين والعقاد وزكي نجيب محمود وعبد الرحمن بدوي وغيرهم مسطورة ومحفوظة في كتب التأريخ الأدبي والفكري دائما، أن يتابع كل جديد وأن يقرأ كل مستجد، فأتت قراءاته لمشاريع الجابري وحسن حنفي والطيب تيزيني ونصر حامد أبو زيد كما قرأ مشاريع سمير أمين وأنور عبد الملك وقسطنطين زريق وعبد الوهاب المسيري وحسين مروة وغيرهم.
 اهتم بالجميع من أجل الجميع دون استعلاء أو إقصاء!
كان المفكر والمثقف العضوي، على تعبيرات انطونيو جرامشي، الذي كان دائم الإعجاب به، يمارس الفلسفة والثقافة بروح المناضل، ويمارس الحوار دائما بروح التجريب والمغامرة، بحثا دائما عن الوضوح، وله بيت شعر كثير ما كان يردده يقول فيه: لم تبق إلا خطوة أو خطوتان على الوضوح...الوضوح لم يكن معطى عند العالم ولكن كان اكتسابا وتطورا دائما!
كان مصرا على أن الماركسية التي كان أبرز ممثليها وفلاسفتها العرب، تتبيأ ببيئتها ولا بد، هكذا سمعته وهكذا عرفته، رافضا للتبعية مصرا على أن الخصوصية ينبغي أن تكون البداية، وكان يمثل بالفن اللاتيني، ضد التبعية في كل شئ، ولكنه كان كذلك ضد الانغلاق بحجة الخصوصية!
قضايا فكرية المشروع الأخير على نفقته:
منذ منتصف التسعينيات تقريبا واصل العالم إصدار كتاب قضايا فكرية ذلك الكتاب الدوري المهم، وهو كتاب جماعي لم يكن يتقاضى كاتبوه على كتابتهم فيه شيئا، كان يطبعه على نفقته حتى وفاته، وأشهد أنه كان يهدي كثيرا منها دون انتظار مكافأة أو هبة من أحد!
أخبرني ذات مرة أنه يوجه لإصدار قضايا فكرية مدخولات كتبه الخاصة من أجل أن يصدر هذا الكتاب الجماعي الخاص، والمتميز الذي سبق لقراءات نوعية في مجالات مختلفة، كتب لا يمكن أن تفارق مكتبة مثقف مهتم أو متخصص، أصدر منها نيفا وعشرين عددا، تحتوى على مختلف الآراء مع مقدمة ضافية لها، أذكر منها كتاب قضايا فكرية عن الأصولية وعن الفكر العربي على مشارف القرن العشرين، وعن الماركسية والبيرويسترويكا ولغتنا في معركة الحضارة، ونحو عولمة ديمقراطية، وفي كل منها تجد الاختلاف قانونا والتنوع ثراء..تجد سمير أمين كما تجد حسن حنفي والعفيف الأخضر وجابر عصفور، كما تجد الأجيال جميعا واقفة بجواره، فقد كان قامة نلتف حولها ونتفاءل بها، من كل اتجاه، كنا جميعا أبناءه وليس فقط ابنتيه!
أول من اكتشف محفوظ وصلاح عبد الصبور:
كانت ابتسامة محمود العالم دائما تسبقه، تشجع أصدقاءه وتلامذته مهما اختلف معهم، كان موضوعيا في نقده، منصفا في اختلافه، لست أنسى أدبه حين كان يختلف مع المسيري رحمه الله أو يختلف مع حسن حنفي- حفظه الله- في ساحات كلية الآداب، ويجلس أمثالي ممن تعلموا على أيديهم يرون!
كان أستاذنا محمود العالم وراء أسماء كبيرة كثيرة في الفلسفة والإبداع والنقد الأدبي والصحافة والفكر، كان مع سيد قطب أول من بشر بعبقرية نجيب محفوظ الروائية، ولكن إن كان اكتفى سيد قطب في مرحلة نقده بكتابة مقال فقد أصدر العالم أول كتاب نقدي كامل حول ثلاثية نجيب محفوظ.. كما تواصلت دراساته عنه.
كما كان محمود العالم المدافع الأول عن الشعر الحر حين أصدر صلاح عبد الصبور" الناس في بلادي" الذي اعتبره العقاد نثرا ولم يجزه حين كان يرأس لجنة الشعر، فتصدى له العالم وانتصر للدفاع عنه..
كما ظل المدافع الأول بين نقادنا الكبار عن قصيدة النثر، كان دائم الإعجاب بعبد المنعم رمضان وحلمي سالم ورفعت سلام وغيرهم، كان حائط الصد الذي يركن إليه كل تجريب متى رفضه كهنوت الأدب أو الدين أو السياسة.. فهو من حفظنا عنه الإبداع تشكيل وتجريب، ولكنه ليس تشكيلا في أيديولوجية ولكن أيديولوجية في تشكيل.. يمعنى أن المباشرة والالتزام لا يناقضان التجريب..
كما كان وراء رفعت السعيد ونصر حامد أبوزيد قبل أن تنفجر قضيته وبعد أن ثار أوارها، كان الوحيد من النقاد الكبار الذي دافع عن قصيدة النثر كما دافع عن أشكال الأدب المختلفة، كان سباقا ورائدا، لا تسجنه الأفكار والقناعات، بل كان دائما يقول: التساؤل الدائم هو الحداثة!
لا أنسى تواضع الأستاذ العالم حين اتصل بي ذات مرة ليستئذن- وهو المفكر الكبير- في بعض التصحيحات والتعديلات التحريرية لغض مثلي صغير حين نشرت إحدى دراساتي في قضايا فكرية، ومثله ما كان ليستئذن فهو أول من شجعني على أن أنشر مقالا في أخبار الأدب سنة 1996 بعد أن أبدى إعجابه به..
راتبه معاش من جامعة باريس:
لم يكن للأستاذ العالم مدخول شخصي- حسبما أعرف- سوى معاشه من تدريسه بجامعة باريس 8، وهو مالم يتجاوز ال 500 دولار، بعد هجرته إلى هناك بعد صدام السادات مع مراكز القوى أوائل السبعينيات. وقد فصلته الجامعة المصرية عقب أزمة مارس سنة 1954 لمطالبته بالديمقراطية وعودة الجيش إلى ثكناته، وحين خرج مرتفقا ذراع لويس عوض متجها نحو ميدان الجيزة، قال خرجنا من حجرات الجامعة لفضاءات الناس..هكذا عاش العالم مهموما بالناس، بحداثتهم وتحديثهم، بهمومهم وثرائهم، اتسعت معارفه ونشاطاته في كل اتجاه.. كما اتسع الناس.. هكذا ابن الدرب الأحمر الذي ولد به سنة 1922 ويذكره دائما..
العالم..ديوانان من الشعر:
كان والده شيخا أزهريا قريبا من الجمعية الشرعية، وقد اقترب منها الرجل كذلك، كما كان شقيقه الأكبر الأستاذ محمد شوقي أمين أحد أعمدة مجمع اللغة العربية بالقاهرة وأبرز خبرائه، وكان شاعرا كما كان الأستاذ العالم شاعرا، صدر له ديوانان هما " قراءة لجدران زنزانة"و" أغنية الإنسان" على ما أذكر، وعلى أحد دواوينه أو قصائده مع نموذج آخر قامت رسالة رائد النقد النفسي للأدب الدكتور مصطفى سويف تطبيقا عليها.
وقد عرفه شقيقه الأكبر محمد شوقي أمين بالأستاذ كامل الكيلاني الذي ارتبط العالم بكريمته الأستاذة سميرة الكيلاني فيما بعد! وقد كان الأستاذ شوقي أمين شاعرا وكاتبا أصوليا ومحققا لغويا كبيرا يعرف قدره الكثيرون!
الرسالة للشافعي:
كان الأستاذ العالم- كما أخبرني يوما- يدرس الثقافة والفكر الإسلامي في فرنسا، في جامعة باريس8 وكان يدرس تحديدا الرسالة للشافعي، كان فقيها إذا تكلم في الفقه، ومتكلما إذا تكلم في علم الكلام، أذكر إعجابه بالقاضي عبد الجبار المعتزلي وتفسيره لارتفاع الأسعار من منظور واقعي دون جبرية ترى أن ذلك فقط من الذنوب أو الأشياء التي لا دخل للناس فيها!
كان العالم صادقا مع قناعاته بشكل كبير، ومن هنا كان تنازله مثلا عن منصب كبير كرئيس لمجلس إدارة أخبار اليوم، حين كتب مقالا أغضب عبد الناصر، ونشره، فاستقال بسببه، ورغم إبلاغ عبد الناصر لسامي شرف بإبلاغه استعداده لعودته وإقناعه به، فأبي الرجل فكيف وقد رأى من يتهافتون ويتطايرون لنيل مثل تلك المناصب الآن وقد لا يستحقونها!
وأشهد حسبما أعرف أنه حتى أعوام قليلة- وربما حتى وفاته- لم يكن يتقاضى الأستاذ العالم معاشا من نقابة الصحافيين المصرية شأن غيره من رؤساء تحرير الصحف القومية، وقد تقدم بطلب أكثر من مرة لنقيب الصحافيين قبل السابق إبراهيم نافع، الذي لم يستجب أو لم يهتم فقد كانت له دائما اهتمامات أخرى أكرمه الله .
كان العالم حاضرا في الندوات والمؤتمرات وبخاصة الفكرية والفلسفية منها، كان نشاطا دؤوبا لا يشكو ولم يشك، فقد كان يعلم كم يقدره الجميع، من أحبوه ومن اختلفوا معه!
الرائد.. محمود العالم:
كان محمود العالم مفكرا رائدا وناقدا متميزا، كان رائد النقد الواقعي للأدب بكتابه المشترك مع صديقه عبد العظيم أنيس" في الثقافة المصرية" وهو الرائد الأول للنقد التطبيقي في الأدب العربي المعاصر، الذي قضى في محرابه نيفا وأربعين عاما، كما أصدر كتابه" أربعون عاما من النقد التطبيقي" وهو رائد في الدراسات الفكرية سواء بكتبه في نقد الوضعية المنطقية التي أوردها في كتابه" معارك فكرية" الذي احتوى معركته مع زكي نجيب محمود، أو في تبشيره الأول بالنبيوية التي سماها الشكلانية في النقد الأدبي، أو في تعريفه بجرامشي في الفضاء العربي، أو اهتماماته الفلسفية الأخرى.
جرامشي والإخوان:
ذكر الأستاذ العالم في ندوة عقدها المركز الفرنسي السيداج آواخر التسعينيات أنه أثناء رئاسته لدار الثقافة الجديدة اتصل به بعض أعضاء الإخوان، من رفقائه بالسجون العديدة أثناء الحكم الناصري، وطلبوا منه كتابات جرامشي وتعريفهم بمفهومه التغييري" الكتلة التاريخية" وهو ما كان يوحي بأن الإخوان التمسوا جرامشي في إعداد كتلة تاريخية للتغيير والبناء التنظيمي للمثقف العضوي- طبعا حسب منظومتهم- وكان يرى أن ما يقوم به الإخوان في الشارع المصري من تمدد فيه بعض الآثار الجرامشية!
كان رحمه الله كنزا من الأسرار والأفكار.. بدأ طريقا ممتدا في البحث عن الحقيقة ومر بالعديد من المحطات.. ترك في كل منها أثرا.. ولكن لا شك أنه لم يكن أبا للشيوعيين فقط، ولكن كان أبا لأجيال ثقافية عديدة بطول العالم العربي وعرضه.. كلمة حق كان واجبا قولها.