محمود امين العالم ناقدا

محمود امين العالم ناقدا

د صلاح السعيدي 
لقد مرت الرؤية النقدية عند محمود أمين العالم بعدة مراحل، عكست بوضوح كدحه الفكرى باتجاه الوصول الى أكثر الصيغ المفهومية - الأدبية اتساقا مع قناعاته النظرية - السياسية والفلسفية. فمشروع (العالم) النقدى لم يكن له أن ينفصل بأي حال عن مشروعه السياسى - الفلسفي النضالي، وهو المشروع الذى ينطلق من نظرة جدلية كلية للعالم، تنفى الانفصال وتنكر التجزؤ.

 ومن هنا كان النضال على الجبهة الثقافية مرتبطا ارتباطا وثيقا بالنضال على كافة الجبهات، ان لم يكن مؤسسا لاتجاهاتها ومرسخا لقناعاتها وموجها لخطوانها. وعلى الرغم من كون الثقافة تمثل (البناء الفوقي)، أي أنها مجرد ناتج عن الوضع الاجتماعي الاقتصادي الممثل (للبناء التحتي)، الا أن أهميتها لا تقل في التأثير على مجريات الصراع الطبقي والاجتماعي والوطني عن أية أدوات أخرى، بل ربما سبقت هذه الأدوات، فهي الوعي الذى ستنطلق بمقتضاه كل أشكال الفعل التغييري المتصور. فاذا كان النضال السياسى يستهدف القضاء على الاستغلال والقمع والقهر والانتصار للكادحين من العمال والفلاحين، باعتبارهما الطبقتين الأكثر فاعلية فى عملية التغيير التاريخى، والممثلتين للقوى التاريخية الاستراتيجية الدافعة نحو مجتمع أكثر حرية وعدلا، فان ذلك يستوجب بالضرورة محاربة الأفكار والمفاهيم والقيم التى ترسخ مصالح القوى المعوقة لحركتهما فى اتجاه صنع هذا التاريخ، مثل التقليد والاتباع وتقديس الماضى وشرعنة العبودية والاستغلال..الخ، لصالح الانتصارللأفكار والمفاهيم والقيم الممثلة لثقافة التقدم والعقلانية والعلم والحرية والعدل.
انها،اذن المعركة الكبرى الدائمة - فيما يرى حسين مروة -.. (بين كل جديد وكل قديم، بين ثقافة تنعكس فيها آراء ومفاهيم وأفكار وقيم تسند مصالح فئة من المجتمع يكاد يتلاشى دورها التاريخي وينقضي، وبين ثقافة تنعكس فيها آراء وأفكار ومفاهيم وقيم تريد أن تدل على مكان فئة تلد في المجتمع جديدا، لكى تنقل هذا المجتمع الى دور تاريخي جديد، ثم لكى ترفع هذا المجتمع الى منزلة أرحب وفضاء أوسع وانسانية أسمى وحياة أجمل وأفضل). (1)هذا الفهم للعمل الثقافي العضوي، غير المنفصل عن العمل السياسي المباشر، بل والمؤسس لمفاهيمه والقائد لوعيه، هو نفسه ما يؤكده العالم وأنيس فى مقدمة الطبعة الأحدث من كتابهما "في الثقافة المصرية " قائلين:
(في الأربعينيات وبداية الخمسينيات، ومع مخاض النضال الوطني والاجتماعي للشعب في مرحلة تاريخية جديدة، أخذت تتجلى فى بنية الأدب وأساليبه مظاهر أخرى تتجاوز مدرسة المهجر ومدرسة أبوللو، متواكبة ومتفاعلة مع نهوض حركة وطنية ديمقراطية ذات آفاق اجتماعية جديدة، طبعت هذا الابداع الجديد بطابع واقعى) (2). فالكشف عن طبيعة الأدب الجديد، أو (الظواهر الجديدة) فى الأدب لم يكن منفصلا عن الكشف عن طبيعة الواقع السياسي الجديد، والمؤلفان لم يكونا ليعكسا..(هذا المسعى النظرى النقدى فى الأدب فحسب، وانما كان يتضمن (أى مقال الأدب بين الصياغة والمضمون الذى ورد فى الكتاب المذكور) مسعى نقديا اجتماعيا وسياسيا كذلك. فلقد كانت معركة الديمقراطية محتدمة فى مصر آنذاك، وكان مقالنا ذو الطابع الأدبى الخالص سلاحا من أسلحتها) (3) وهو مايعنى أن الحركة الأدبية النقدية الجديدة انما جاءت لتترجم وضعية مثلتها مرحلة تاريخية جديدة، كانت ذاخرة بالوعود والآمال الكبار فى التحرروالانعتاق واحتدام الصراع بين قوى آفلة، تحارب معركتها الأخيرة وأخرى بازغة تكاد تقبض على الحلم بيديها ليستحيل واقعا متجسدا تكاد تراه العين وتلمسه اليد. ومن هنا كانت ضرورة استخدام كافة الأدوات والأسلحة، ومن بينها سلاح الوعي - الفكر والفن والأدب، سلاح الثقافة.
هذا الارتباط الوثيق بين الأدب والواقع، يمكن ترجمته فلسفيا وسياسيا بالارتباط بين البناء الفوقى والتحتى، ويمكن ترجمته كذلك جماليا ونقديا بالارتباط بين الشكل والمضمون. فالوعى لايمكن الا أن يكون مرتبطا بالوجود، واذا كان الأدب شكلا من أشكال الوعى، فان الواقع يمثل الوجود، ومن ثم يصبح التغيير الذى يمكن أن يلم بطبيعة الوجود متطلبا لتغيير مماثل فى أشكال الوعى، فالوعى هو (شكل) الوجود، والوجود هو (مضمون) الوعى. والعلاقة بينهما حتمية وان كانت ذا طابع جدلى متغير، يحكمه قانون (الوحدة والصراع). والسؤال الآن هو كيف تجلت هذه الرؤية فى نطاق الممارسة النقدية عند العالم؟ وهل أتخذت شكلا واحدا أو طابعا ثابتا لم يتغير أم تطورت وتحولت، وما ملامح هذا التغير ومراحله؟