شخصيات عراقية.. سعدون باشا السعدون

شخصيات عراقية.. سعدون باشا السعدون

يعقوب سركيس
مؤرخ ومحقق راحل
1 - نسبه
سعدون باشا(1) هو ابن شيخ المنتفق منصور باشا ابن راشد بن ثامر ابن الشيخ(2) سعدون(3) المشتهرة به تلك الحمولة(4) فيقال آل سعدون(5) أو السعدون. وكان اسم أم سعدون باشا "لطيفة" وهي ابنة آل سبتي، وسبتي فخذ من آل صالح من آل شبيب، وقد تفرع منهم عدة غصون نوابغ منهم: آل صالح المذكورون وآل محمد وآل روضان وآل راشد(6)

وهم قاطنون الان في أماكنهم في نواحي سوق الشيوخ وآل صقر(7) وغيرهم، واما الشيخ سعدون المذكور أعلاه رافع شهرة هذه الأسرة فأنه فرع غصن من أغصان هذه الدوحة الباسقة الفنواء.
2 - سنة ولادته وسنوه الأولى
أما سنة ولادة سعدون باشا (وهو غير الشيخ سعدون لان هذا جد ذاك) فلم أقع عليها بنوع لاريب فيه، لكني لاأظن انها قبل عام 1270هـ الموافق لعام 1853م، واتفق انه لما ترعرع كان قد اضطر أبوه أن يقيم في بغداد فأخذ الصبي يختلف الى أحد مكاتب الحكومة وشرع يدرس مبادئ اللغة التركية غير ان احد الطلبة هزأ بقومه وبعروبته فانقطع عن التردد الى المكتب وأبت نفسه العظيمة الأبية ان تقبل الذل والصغار لاسيما في أمر يحق لها أن تتفاخر به أمام أقوام جميع الديار فكان ذلك سببا لامتناعه بتاتا عن اتمام الدروس التي كان قد هم بها.
3 - شبابه وكهولته
ولما شب نال رتبة أمير الأمراء الرفيعة بفضل ما أحرزه من المآثر والمحامد وبسعي عمه فخر الأسرة السعدونية ومجدها الشيخ ناصر باشا(8) وذلك دليلا عما أبرزه من تلبية أمر الحكومة وحسن الخدمة عند مد سلك البرق في تلك الارجاء بعد انقطاعه(9) ولما أرسلت الحكومة جيشا بقيادة الرئيس عزت باشا(10) لاذعان واخضاع اسرة آل سعدون وعشائر المنتفق وادخال ديارهم تحت حوزتها الحقيقية ورفع ادنى تسلط بقي لهم هناك نشبت الحرب بين الفريقين في أواخر قيظ سنة 1297 مالية الموافقة لاواخر سنة 1298هـ و1881م فأصيب سعدون بجرح لعله كان رمزا الى مستقبل حياته وطوارئ أيامه.
وكان يقرأ العربية ويكتبها بسهولة عظيمة، ويحسن شيئا من التركية وكان دينا تقيا سنيا مالكي المذهب وقد شد الرحال برا قياما بالفرض الواجب عليه وهو حج البيت فعاد وقد ازداد تمسكا بالدين مكبا على مطالعة الأسفار حافظا لبعض الاحاديث ولشيء من تاريخ العرب قبل الإسلام. وكان يلقي سمعه لمن يروي الأخبار التاريخية وينشد الشعر والقصيد(11) وكان يعرف من هذا شيئا ليس بيسير وكان يميل كل الميل الى الوقوف على ما يتعلق بتاريخ أسلافه ويحفظه واذا تولى رواية أخبارهم بنفسه يظن السامع انه يسمع احد معاصري أولئك المشاهير المغاوير، وممن كان يروي أخبارهم بتحمس واباء وتوقد خاطر بعض متقدمي أجداده كالشيخ سعدون والشيخ محمود وتوقد خاطر بعض متقدمي أجداده كالشيخ سعدون والشيخ حمود الثامر(12) والشيخ عقيل(13) والشيخ عيسى(14) وغيرهم.
4- صورته  ووصف خلقه وخلقه وأمور معيشته
كان سعدون باشا مربوع القامة الى القصر ما هي نحيف البدن لاشتغال أفكاره بالامور على الدوام أسمر اللون وكان له عينان سوداوان نيرتان وقادتان نجلاوان متوسط الانف حسنه شعره أسود حالك ليس بالكثير الوافر ولا بالقليل المتفرط وفي أواخر أيامه كان يخضب شعره بالاسود.
وكان يشد على رأسه العقال والكوفية، وكان عقاله من جنس عقال "أبي الضبات" (وهو العقال المحكم الشد بين فسحة وفسحة وهذه الشدة أو الربطة تعرف بالضبة ومنه هذا الاسم) وربما كانت كوفيته في الشتاء من جنس الضريب (والضريب من الكوفيات ما كان أرضها صفراء وهي مخططة بخطوط حمراء وخضراء وتكون من حرير وقطن) وكان يبدل في الصيف الكوفية بالياشمق(15 ) او اليشماغ أي القناع الاحمر أو بالنيمة(16).
وكان يلبس من الثياب الزبون(17) عليه"سترى" من شعرى أو من كتان في الصيف ومن جوخ في الشتاء، وعلى الزبون والسترى يلبس عباءة الصوف من اي لون كانت في الشتاء او من حرير صيني (جيناوي) أبيض أو من صوف رقيق في الصيف. وكان يلبس برجله أما النعل واما الموق (القندرة او الكندرة) اذا كان في البادية والموق والجرموق (أي القندرة والكالوش) مع الجوارب اذا دخل المدن وكان يحب جدا شرب التبغ أو (الدخان).
ولم يكن من طبعه التأنق بالمأكل والمشرب والملبس وانما كان يجاري كل قوم في مألوف أمور معيشتهم من باب الحكمة والدهاء والسياسة.
وكان اذا جلس في موضع لايزال يلتفت الى كل جهة لتيقظ باله وانتباه فكره واشتغال خاطره بما حواليه واهتمامه بكل ما يقع في جواره من دقائق الأمور وجلائلها. وكان يؤنس جلاسه غاية الاناس بكل كلام طيب بدون أن يمس ذلك وقاره وسمعته ورزانته وهيبته بل يبقى مكرما مبجلا في نظرهم كما يبقى محافظا على آداب مقامه العالي. ومن غريب أمره انك تراه يخاطب كل رجل بما يناسب اشغاله أو مقامه او بما يعنى به فمع التاجر تسمعه يتكلم عن التجارة وشيخ الأعراب عن أعرابه وغزواته وموظف الحكومة عن شؤونها والقادم من المدن عما وقع أو يقع فيها الى آخر ما هناك.
الناصرية:
منتفقي
الحـــواشي
(1)لا القب من هؤلاء الامراء بلقب الباشا الا من لقبته به الدولة العثمانية. (2) لا أسمي بعض هؤلاء الامراء بالشيوخ الا من عرفته منهم متوليا المشيخة فعلا وبأمر من الدولة العلية. (3) قتل في واقعة جرت له مع عساكر الحكومة العثمانية حينما كان نازلا في بادية بلاد العرب وربما كان غير بعيد عن بلدة السماوة الحالية لا القديمة وقد روى لي بعض الثقات من يعول على روايتهم: ان الحكومة العثمانية كانت قد ارسلت عليه عساكر تطلب منه أمرا فلم يقم به، وما أبطأت ان دارت رحى الحرب بين الفريقين فضعنت العرب او كادت، فرأى في أثناء الضعن عجوزا قد طعنت في السن وقد ابطأت في النهوض للرحيل فأتاها راكبا جواده وهي لاتعرفه فحثها على الرحيل حذرا من ان يفتك بها فقالت: مهلا! ويحك! ما بالك تأمرني بهذا وشيخنا الشيخ سعدون. فقال لها: لك ما تريدين من المهلة. فبقى بجانبها ينتظر نتيجة أمرها واذ كان القتال ناشبا أتاه من جندله صريعا فمات. فالله دره من شيخ يحن على أضعف تابعيه! (4) الحمولة عند مصطلح العراقيين الاسرة أو السلالة الشريفة النبيلة النجيبة العريقة النسب. وبعض أهل المدن يقولون بدلها "خاندان" وهذه فارسية الاصل.
والحمولة عربية النجار فصيحة الاستعمال وهي مأخوذة من السيد الحمول وهو الكريم العريق الشرف الحمول للعظائم وقد ذكر هذا المعنى اللغويون في تفسيرهم كلمة خضارم (كعذافر)التي هي من مرادفات الحمول.(5) واليك تتمة نسب آل السعدون  سعدون هو ابن الشريف محمد ابن الشريف شبيب ابن مانع ابن شبيب بن مانع بن مالك بن سعدون بن ابراهيم (الملقب بأحمر العينين) بن كبش بن منصور بن جماز بن شيحا بن هاشم بن قاسم (الملقب بابن فليتة) بن مهنا بن حسن المشهور(بابن ابي عمارة) بن مهنا الاعرج (الملقب بابن ابي هاشم داود) بن قاسم بن عبدالله بن ظاهر بن يحى النسابة بن الحسن بن جعفر الحجة بن عبد الله بن الحسين الاصغر ابن الإمام زين العابدين ابن الإمام الحسين بن علي بن ابي طالب أمير المؤمنين. (6) هو غير راشد والد الشيخين: الشيخ ناصر باشا الوزير والشيخ منصور باشا صاحب رتبة روم ايلي بكلربكي وتسمى اختصارا روم ايلي. (7) ويلفظونها بالكاف الفارسية او الجيم المصرية وأغلبهم اليوم في جهات البصرة مقيمين في أملاكهم الكثيرة النخيل. (8) لم يكن ناصر باشا يومئذ وزيرا وقد حاز رتبة "مير ميران" العالية الشأن التي لم يكن قد نالها أسلافه بموجب فرمان ورد الى بغداد مع بريد الاستانة في 5 ذي الحجة1283 الموافق11 نيسان 1867م وكان قد أودع حسني افندي ياور الولاية ليوصله اليه فسلمه اياه في10 ذي الحجة من تلك السنة في "منثر الشويلات" الواقع في منحدر "قلعة سكر" وهو على الغراف على نحو ثلاث ساعات من القلعة المذكورة. والمنثر في اصطلاحهم محل تذخر فيه حاصلات القصب.(9) مد سلك البرق مجتازا ديار المنتفق محاذيا الفرات غير بعيد عنه في عهد قيم مقامها الشيخ فهد باشا (يومئذ فهد بك) وأول مفاوضة جرت بهذا الخط بين بغداد والبصرة كانت في غرة رمضان1281 الموافقة 28ك2 سنة 1865م.
(10)وكان مع الجيش المذكور كثير من أعراب عشائر ربيعة وزبيد وبني لام وعليهم رؤساؤهم يقودونهم. (11) القصيد (ويلفظها الاعراب كافا فارسية او جيما مصرية) وبكسرها كسرا غير بين ضرب من النظم على بحر خاص بهم يلهجون به كثيرا وينظمونه على مواضيع مختلفة من حماسة وغزل ومديح وغيرها.
 (12) هو الشيخ حمود بن ثامر ابن الشيخ سعدون المعروف بحمود الاعمى وشاخ (اي صار شيخا أي رئيسا أو أميرا) في ديار المنتفق نحو20 سنة ثم كف بصره واستمر على المسند (المسند وزان مكتب في اصطلاحهم تخت مفروش يعلو الارض نحو شبر لايتجاوز طوله مترا أو مترا ونصف متر في متر واحد عرضا ومحاط بما يتكأ عليه وهو خاص بهذه الشيخة) (بالكسر كالشيوخة والمشيخة عندهم) (ولا يجوز لغيره أن يتخذه لنفسه والمسند مجازا الشيخة) بعد ذلك نحو عشرين سنة أيضا فكان مجموع سني شيخته نحو أربعين سنة وقد جاء ذكر اسم الشيخ حمود المشار اليه في كتاب المؤرخ احمد راسم بك واسمه "رسملي وخريطة عثمانلي تاريخي" في الجلد 4: 1665. فقد قال ما تعريبه " واتفق عبد الله باشا مع الإيرانيين وذلك عند رؤيته المملوك سعيد بك (أي سعيد بك الكوله من وهو ابن سلفه سليمان باشا) فارا الى جهات المنتفق متصورا ان بذلك يحصل على منصب قائم مقام الولاية وبما ان عبد الله باشا كان قد اتهم عبد الرحمن باشا بميله الى الإيرانيين عزله لكنه انثنى عن عزمه فعينه متصرفا لالوية: "بابان وكو وحرير" ومع هذا فأن عبد الله باشا وقع في ما كان يحذره وذلك انه لما سار الى ديار المنتفق قاصدا استئصال شأفة سعيد بك أخذ حمود الثامر شيخ الخطة المذكورة سعيد بك المومأ اليه عنده وقابل الباشا بعشرين الف فارس وفي أثناء ذلك تراجع جميع المماليك الذين كانوا موجودين في معسكر عبد الله باشا مراجعة خفية بعضهم مع بعض ثم لحقوا بالمنتفق.
فأسر عبد الله باشا ولما توفي ابن حمود الثامر الذي جرح في هذا القتال عمد الشيخ حمود فذبح عبد الله باشا وطاهرا كتخدا الباشا وأرسل برأسيهما الى سعيد بك. وبعد ان وفق سعيد بك هذا التوفيق دخل بغداد وشرع يتولى امورها أولا بصفة قائمقام ثم بصفة والي وقد أتته الولاية من الدولة في سنة 1224هـ (1809م) هـ.
ثم عاد المؤرخ الى ذكر حمود الثامر في الص 1694 من الكتاب المذكور فقال ما تعريبه: "ولما علم سعيد باشا بعزله دعا شيخ المنتفق حمود الثامر فقاوم سعيد باشا داود باشا وكان عليه الفرمان العالي الشأن وكان معه خمسة آلف عسكر من الاهالي والعربان.
ولما لم يقدر على تدبير العسكر الذي جمعه أذن للشيخ بالرجوع" اهـ قلت: والشيخ حمود الثامر مدفون بجانب الكرخ على بعد بضعة كيلومترات من غربي البلدة، وهو معروف اليوم عند العامة"بقبر الشيخ"  من باب الشهرة وهم يريدون قبر الشيخ حمود الثامر وسوف ينسى العلم ويبقى ما لافائدة عظيمة في حفظه فلا يعرف بعدئذ من هو هذا الشيخ لان العوام لايفيدها الامعان في الحقائق فتيلا(13) هو الشيخ عقيل (عجيل) بن محمد بن ثامر ابن الشيخ سعدون وهو مدفون في الشمال الغربي من قصبة شطرة المنتفق على تل قليل الارتفاع معروف باسم صبيخ (مصغرة) واليوم لايرى لقبره أثر ظاهر.(14) هو الشيخ عيسى بن محمد بن ثامر ابن الشيخ سعدون وقد احترق بينما كان في صريفته (الصريفة بيت يتخذ من القصب والحصر يأوي اليه أغلب أعراب جنوبي العراق) فمات. وعمل لهذه الواقعة تاريخ هو: "الشيخ حريق" يقابله سنة 1259 الموافقة لسنة 1843.
(15) الياشمق أو اليشماغ عند العراقيين قناع من القطن الابيض فيه نقوش مدملكة بارزة تكون من القطن أيضا لكن من القطن الازرق أو الاحمر يتخذ للرأس. (16) النيمة نوع من الخام يطرز بالشعرى وهو كلاغباني الهندي والاغباني لفظة تركية تعريف أق آباني وهو الثيراء بالعربية الفصحى وكلمة "نيمة" تركية فارسية الاصل من نيم ومعناها نصف. (17) الزبون عند العراقيين هو القنباز عند أهل الشام والقباء عند فصحاء العرب سابقا.
عن  كتاب مباحث عراقية ج1