شخصياتهم من تواقيعهم..نوري السعيد

شخصياتهم من تواقيعهم..نوري السعيد

احمد فوزي عبد الجبار
صحفي وكاتب راحل
لعب نوري السعيد دورا مهما ورئيسيا في العهد الملكي ،فكان (المحرك)الاول للاحداث المهمة والساخنة في تلك الحقبة من تاريخ القطر العراقي. بل كان (بطلا) لمواقف سياسية عديدة. ونجما لامعا في اغلبها!
كانت (الهالة) التي تحيط بشخصية نوري السعيد؛ مخيفة ومرعبة..

وجه صارم؛ فيه عينان ثاقبتان. فوقهما حاجبان كثان عريضان، غزا الشيب شعرهما، ونظراته تنفذ الى الاعماق بكل قوة، وصوته العميق ذو البحة، يدخل الى السمع بدون استئذان، بل انه اقرب الى الاوامر العسكرية، منه الى صوت السياسي او الدبلوماسي.
فعلى مدى السنوات الطويلة، التي مارست فيها الصحافة، والتي ولجتها من باب السياسة الواسع.. كنت اسمع وارى هذه الشخصية المهمة التي حكمت العراق طوال سنوات عهده الملكي.
فكم من مرة.. حضرت له مؤتمراً صحفيا.
وكم من مرة .. شاهدته، وهو يلقي كلمة في حفلات استيزار وزاراته العديدة.!
وكم من مرة.. التقيت به، من قرب ومن بعد، في وليمة رسمية او حفلة دبلوماسية!
ولكنني في كل مرة.. ارى فيه شيئاً جديداً، مثيرا ورهيباً!
ويمكنني ان احكي هنا، بعض ما حدث لي مع (الباشا السعيد).. حكايات فيها من الطرافة الشيء الكثير..
ففي المؤتمر الصحفي الذي عقده في الساعة العاشرة من صباح يوم الاحد 9 تشرين الثاني سنة 1952 في مقر حزبه (الاتحاد الدستوري) الذي حضره مندوبو الصحف ووكالات الانباء، ولفيف من اقطاب الحزب..
استهل (الباشا) كلامه بالتحدث عن الاوضاع الراهنة، وموقف حزبه منها – ولم يخرج على اقواله السابقة التي رددها في مناسبات مختلفة، في المجلس النيابي، وفي المؤتمرات الصحفية، وفي مناهجه الوزارية الكثيرة العدد – وكان من بين ما قاله مرتجلاً.
- ان سياستنا الخارجية للحزب، ترى ان ليس العراق مصلحة في هذه الحرب الباردة بين الشرق والغرب.. وان لا ناقة لنا فيها ولا جمل..!!
وبعد ان انهى (الباشا) كلامه الارتجالي، وزع خليل كنة سكرتير عام الحزب، بيانا مطولا مطبوعا على الصحفيين.. استأنف (الباشا) كلامه قائلاً:
- من لديه سؤال؟.. نحن حاضرون للاجابة عليه..
فانهالت الاسئلة من الصحفيين.. وكان يجيب عليها باسلوبه، الذي يطغي عليه المرح، وتتخلله النكتة وباللهجة البغدادية احياناً.. بكل صراحة.
سألته، بعد ان قدمت نفسي انني امثل حزب الاستقلال.. اجابني باسماً ونبرة من السخرية تمتزج بكلماته:
- إي .. والنعم..!!
قلت لدي، (يا فخامة الباشا) سؤالان.. الاول يتعلق بقولك حول الحرب الباردة، ان ليس لنا ناقة فيها ولا جمل.. فهل يعني ذلك ان حزب الاتحاد الدستوري يتبنى سياسة (الحياد الايجابي) المطروحة في ساحة الدول العربية المتحررة...؟!
ولم اكد انهي سؤالي، وابدأ بطرح السؤال الثاني، حتى رأيت وجه نوري السعيد يمتقع، ويلتفت الى بعض كبار حزبه الذين يجلسون الى جانبه، وقال بعصبية ممزوجة بالغضب والاستنكار:
- انا قلت نحن ليس لنا في هذه الحرب ناقة ولا جمل.. ففسروها انتم كما تشاؤون!
وعندما اردت ان ارد عليه، اجابني مقاطعاً بحدة:
- هذا كفاية.. ولا اريد اي سؤال حول هذا الموضوع.. الاسئلة يجب ان تكون حول البيان المطبوع الذي وزع عليكم الان..
رفعت يدي للسؤال الثاني..
قال (الباشا) : ها .. بعد شكو عندك؟!
قلت : (يا باشا) سؤالي الان حول ما ورد في بيانكم المطبوع..!
قال بامتعاض: تفضل.. لكن لا تطولها..!
قلت: لقد وردت في بيان الحزب الجملة التالية: ".. واعتبار المعاهدة العراقية البريطانية، لا تأتلف مع تطور العراق والتطور العالمي، ولا مع ميثاق هيئة الامم المتحدة.. فهل يعني ذلك ان حزب الاتحاد الدستوري يدعو الى الغاء المعاهدة ام الى ابدالها بغيرها..؟!
لم يجب (فخامته) على هذا السؤال، بل خرج مسرعاً من قاعة المؤتمر، وهو يقول:
- ارجع الى المحاضرة التي القيتها سابقا..
فلم افهم ماذا يريد (فخامة الباشا) من ذلك، ولم يفهم الاخرون ايضا!!
وهكذا .. خرجنا من (الاتحاد الدستوري) لنشاهد عشرات الصبيان من باعة الصحف، وهم ينادون باعلى اصواتهم، على الملحق الذي اصدرته جريدة الحزب: "بيان خطير لنوري السعيد"!!
خرجت من ذلك المؤتمر الصحفي (الخطير)، لانشر في جريدة "اليقظة" المسائية في عددها المرقم 1569 الصادر مساء ذلك اليوم تقريرا "ريبورتاجا" عن ما دار في مؤتمر نوري السعيد الصحفي..
ومرة اخرى.. التقيت نوري السعيد، في حفلة العشاء التي اقامتها السفارة الايرانية في بغداد، بمناسبة مؤتمر ابن سينا المنعقد في بغداد، والذي حضره عدد من الشخصيات العربية والعالمية وبعض كبار المفكرين الايرانيين، وذلك مساء يوم 21 اذار 1952.
كان نوري (باشا) واقفاً وسط جماعة من انصاره ومريديه، وبيده كاس فيه قليل من الويسكي، والمرح والحبور يطغيان على وجهه، والقهقهات تنطلق بين الحين والحين من تلك الحلقة المحيطة به ، كالسوار للمعصم..!
تقدمت منه ، وفتحت له دفتر الذكريات "الاوتوكراف"، وقلت له:
- (يا باشا).. اني من هواة جمع تواقيع الشخصيات البارزة.. وان دفتري يفتقر الى توقيع (فخامتكم).. فهل تتكرمون بتسطير بعض الكلمات، وتذيلونها بتوقيعكم الكريم؟!
اجابني.. بعد ان حدجني بنظرات فاحصة، واظنه عرفني من اسئلتي الملحلحة في مؤتمراته الصحفية الكثيرة، وبعد ان وضع كأس الويسكي على منضدة جانبية اصبح دفتر الذكريات بين اصابع يديه، وفتحه متفحصا التواقيع والكلمات المسطرة فيه.. قال بلهجة بغدادية ضاحكاً..
- هاي.. شلون كدرت تجمع هل عدد من التواقيع؟!
قلت : (ياباشا).. انها هواية محببة الى نفسي، وبالتالي فهي ذخر تاريخي، تفيدني في مستقبل ايامي الصحفية..
قال: وماذا تريد ان اكتب لك..؟!
قلت: كما تشاء..
قال: لا.. هسة مو وقت كتابة.. راح اوقعلك فقط.. ووقع فعلا، في الركن العلوي الايسر من ورقة بيضاء، وكتب تاريخ اليوم تحت توقيعه، وقال مازحا:
- ما رأيك بتوقيعي؟!
قلت: انه واضح وصريح.. ويقرأ من غير جهد وعناء..
قال: انا صريح في كل شيء.. في توقيعي، وفي سياستي.. لا الف ولا ادور.. انظر.. انك تستطيع ان تقرأ توقيعي بكل وضوح.. اليس كذلك؟!
قلت: نعم.. (يا فخامة الباشا).
قال: ولكن لم تسألني: لماذا وقعت لك في الطرف العلوي الايسر من الصفحة؟!
قلت مستغربا: لقد انتهيت الى ذلك فعلا.. ولكن لماذا؟!
قال ضاحكاً: لكي لا تكتب شيئاً فوق توقيعي، وتنسبه اليّ لاني لا اثق باكثر الصحفيين، ولاسيما الشباب منهم.!!
- وضحك (الباشا) بعدها، بملء شدقيه.. وانطلقت الضحكات من الحلقة المحيطة به من جماعته ومريديه، على هذه الالتفاتة (البارعة) من زعيمها (السعيد)!!
وتوقيع نوري السعيد.. واسمه الكامل نوري بن سعيد بن صالح بن طه، ولد ببغداد سنة 1888، وترأس الوزارة العراقية اربعة عشرة مرة في العهد الملكي – واضح كل الوضوح، يمكنك ان تقرأه بكل سهولة، فيظهر اسمه الاول كاملاً، اما اسم والده الذي وضع له (ال) التعريف.. فيسرع به، ولايبدو حرف (العين) فيه واضحا، ثم في نهايته يتلاشى..
التوقيع: لا لف فيه ولا دوران، كسياسيته التي سار عليها كل دروب حياته الطويلة، فلم يكن مناوراً سياسياً جيداً، فاذا حاول ان يناور في بعض الامور، فسرعان ما يعود الى سجيته الواضحة الصريحة.
لقد ادت به تلك السياسة التي انتهجها، والتي كان يعتبرها دوما (اجتهاداً) لا تخلو من الخطأ والصواب – الى ان يقتل على قارعة الطريق، وهو مرتدياً عباءة نسائية، في اليوم الثاني لثورة 14 تموز 1958، وان يتلاشى مبعثراً في شوارع بغداد، ولم يجد له قبراً يوسد فيه، ولا حفرة يدفن فيها وهكذا.. كان قدره!.
عن كتاب شخصياتهم من تواقيعهم
 احمدفوزي ـ بغداد 1986