ما أسباب تراجع أداء القطاع الصناعي ؟

ما أسباب تراجع أداء القطاع الصناعي ؟

تحقيق / صابرين علي
يعاني قطاع الصناعة من خمول وكساد كبيرين في وقت يتجه الاقتصاد العراقي الى فضاءات اقتصاد السوق التي تعول كثيراً على قطاعات انتاجية فاعلة ونشيطة وقادرة على خلق دورة اقتصادية مستمرة، ولعل من أهم القطاعات الانتاجية هو قطاع الصناعة، حيث تشير  معطيات الواقع الى تراجع خطير في وقت تعاني الاسواق المحلية من ظاهرة الاغراق السلعي، وغدت ثقافة الاستهلاك هي السائدة في ظل انعدام الصناعات المحلية.

وتتحدث حيثيات القطاع الصناعي عن 83 شركة ومعملا للقطاعين العام والمختلط تحت أشراف وزارة الصناعة والمعادن، لم يلمس المستهلك إلا نسبا ضئيلة من المنتج المحلي لاتكاد تسد 5% من الحاجة الفعلية في مشهد يكاد يكون الأغرب في ظل التوجه الحكومي الداعي الى دعم القطاع الصناعي.
(المدى الاقتصادي) بحثت في أسباب هذا التراجع عبر التحقيق الآتي:

صناعيّــون:
قال الخبير الصناعي باسم جميل انطون: ان مشكلة تراجع اداء هذا القطاع بدأت منذ ان بدأ العراق بالحروب العسكرية حيث كانت تكلفتها تتأتى من القطاعين الصناعي والزراعي، ما اثقل كاهلهما فضلاً عن  العقوبات الاقتصادية أبان تسعينيات القرن الماضي، حيث شلت حركته بسبب قلة التخصيصات المالية له وسحب عدد من الكوادر الصناعية الى الماكنة الحربية وبما فيهم اصحاب الخبرة والكفاءة الامر الذي ادى الى وجود نقص في واحدة من المقومات الاساسية لهذا القطاع.
واضاف انطون:ان قطاع الصناعة كان لها امل كبير بعد عام 2003 في اعادة بناء مادمر منها ولكن على العكس حيث ابتليت بمشاكل اخرى الى جانب ماكانت تعاني منه وتكمن في عدم وجود استراتيجية صناعية تعالج المسار الصناعي في البلد، حيث حاولت الدولة من تفعيل دور القطاع الخاص ولكن ماحدث بعد عام 2003 وعمليات السلب والنهب الامر الذي زاد الحال سوءا واصبح القطاع الصناعي يعاني من معوقات كثيرة.
وتابع  انطون: لابد من وجود حزمة من الإجراءات التي يمكن من خلالها النهوض بهذا القطاع بالإضافة الى حاجتها الى قرار سياسي ورؤى واضحة لتفعيله لعل في مقدمتها توفير الطاقة الكهربائية او الوقود المدعوم وتقديم القروض الميسرة للقطاع الخاص او المنشآت الصناعية التابعة لوزارة الصناعة وايقاف الاغراق السلعي من كل دول العالم بدون التعرفة الكمركية لغرض حماية المنتج المحلي وتطوير المناطق الصناعية واعادة بناء مدن صناعية حديثة.وتأسيس مصرف تنموي برأس مال كبير وبعقلية القطاع الخاص واعطاء القروض الميسرة وبضمانات المشروع نفسه وتجديد المكائن وتحديثها وتحسين وضع العاملين بالقطاع المختلط ومساهمتهم بالقطاع العام وتشجيع المستثمر للتوجه نحو الصناعة المحلية وربط الصناعة العراقية بالامهات من الصناعات وتسهيل نقل التكنولوجيا والاستفادة من الشركات العالمية والاتفاقيات الاقتصادية التي يعقدها العراق لتشجيع الاستثمار الصناعي.
وقال مدير شركة صناع الابداع محسن جبار: ان مشكلة الكهرباء تعتبر سببا اساسيا في ايقاف 70% من المصانع، حيث ان عدم وجودها يزيد من عوامل التكلفة الانتاجية للصناعات فهي بحاجة الى مصادر للطاقة التي يمكن من خلالها احداث تطوير في التكنولوجيا فهي مقيدة بسبب هذا الضعف في مصادر الطاقة.
واضاف جبار: ان مشكلة الطاقة الكهربائية ادت الى انتقال الكثير من المصانع العراقية خارج العراق وبدأت المصانع فيه تتقلص تدريجياً،وما يزيد الامور سوءاً هو انخفاض سعر المستورد على حساب المنتج المحلي، وما يرافقه من عدم وجود  تعرفة كمركية على السلع المستوردة.
وتابع جبار: ان الصناعة بحاجة الى خفض تكاليف الانتاج من خلال توفي مصدر الطاقة الكهربائية ووضع شروط وقوانين تحد من اغراق الاسواق بالمنتج الاجنبي ذات النوعية الرديئة، الامر الذي يزيد من جذب المستثمر المحلي والأجنبي وتفعيل دور التكنولوجيا الحديثة التي تتحدد بوجود الطاقة الكهربائية للاستفادة منها.
دائرة التطوير والتنظيم الصناعي:
قال مدير عام التطوير والتنظيم الصناعي في وزارة الصناعة والمعادن سنان كاظم السعيدي: ان الصناعة لم تلاق  تشريعات لمتابعتها من قبل الدولة حيث انها ظلت قديمة وغير متطورة وتميل الى الاستثمار الاجنبي اكثر من الاستثمار المحلي وتعامل الاخيرة مثل ما تعامل الاولى.
وأضاف السعيدي:إن المشكلة الاخرى بالنسبة لتراجع الصناعة هي المصارف التي يصعب عليها التعرف على اساليب التنمية الاستثمارية الحديثة، حيث انها ما زالت متعلقة بالأساليب القديمة والقروض غالباً ما تكون اسعار الفائدة فيها عالية جداً، وان هذه النوافذ لايمكن من خلالها التطوير في مجال الصناعة الحديثة من قابليات وكوادر وموارد بشرية الامر الذي يعمل على ايجاد الاسباب للاستثمار من قبل التجار خارج العراق واستفادة الدول من القابليات والموارد المتاحة لدينا.
وتابع السعيدي:ان الدولة بحاجة الى مشاريع متطورة بحيث انها تستحق ان تقوم بدعمها وتقديم التخصيصات المالية اليها ويجب ان تكون ذات اولويات واهمية لصرف هذه الموال عليها وخلاف ذلك تكون عمليات هدر واسراف لها  لأن الصناعة تعد من عمليات المجازفة اما ان تكون ذات جدوى او خاسرة.
وقال السعيدي: ان عمليات الاغراق السلعي موجودة في كل دول العالم ولكن كل واحدة منها لديها قوانين تحكمها في هذا الشأن والعراق اصدر قانون11/2010 لحماية المنتجات العراقية، فان الصناعة العراقية بحاجة الى برامج متطورة للتنمية الصناعية والإقراض الضريبة حتى تتمكن من مواكبة ماموجود في دول العالم.
الخـــــــــــبراء:
من جهته قال الخبر الاقتصادي ماجد الصوري:ان عدم جدية الحكومة في التطوير لهذا القطاع تعد واحدة من الاسباب التي ادت الى تراجع  بشكل ملحوظ، حيث انها تعاني من عدم وجود اي برنامج للأصلاح فلذلك لم يتوفر لها المناخ الملائم للتطور من بنى تحتية،ومساعدات مالية واتباع سياسة ضريبية مع القطاع الصناعي وتفعيل القطاع الخاص واعادة هيكلته بشكل مناسب بحيث يمكن ان يوفر المناخ للعمل داخل الظروف التي تحيط بها من قلة الكهرباء واتباع سياسة ضريبية التي تؤثر بشكل مباشر على تكليف الانتاج وارتفاعها.
واضاف الصوري: ان وضع مقاييس للإغراق السلعي يعد من الامور المهمة التي تقلل من عامل التكلفة في الانتاج والمنافسة للسلع الموجودة في الاسواق، فأنها بحاجة الى اصدار قانون للحد من الاغراق السلعي والتأكد من عدم ممارستها له.
وتابع الصوري: ان الامر بحاجة الى اجراءات عدة من قبل الحكومة لتقديم الدعم للصناعة العراقية منها،التشجيع على التكنولوجيا الحديثة ومتابعة الكوادر للعمل وللسوق فيجب ان يتناسب مع الطلب الصناعي فان عدم وجود مثل هذا الدعم يؤثر على الزيادة في التراجع بصورة مستمرة وصولاً الى الانهيار في الصناعة العراقية تماماً وعدم مواكبة ما موجود في دول العالم.
من جهته قال الخبر الاقتصادي علي الفكيكي: ان قضية الاغراق تعد من الامور التي تكون حجة واهية يمكن استخدامها للوقوف وراء الفشل، حيث ان الأسباب وراء هذا التراجع تعود الى عدم توفر المناخ الصناعي الملائم لها وتخلف وسائل الانتاج والتطور التكنولوجي وفشل سياسات التصنيع وضعف عمليات الابتكار وتخلف الاداء النوعي في الانتاج الصناعي ممايزيد من ارتفاع كلف الانتاج الامر الذي يضعف الموقف التنافسي للصناعة العراقية.
واضاف الفكيكي: ان عدم وجود اجازات للاستيراد التي تعد من القضايا التي تكون في جميع الدول الاخرى ومع ذلك انها تنتج وتصدر ومفتوحة امام البضاعات المستوردة  والدليل على هذه ان العراق يحصل على بضائعها في الاسواق.
وتابع الفكيكي: ان الصناعة العراقية نشأت في الخمسينيات من القرن الماضي معتمدة بصورة مباشرة على الدولة في كل تفاصيلها،اما في الوقت الحاضر فحدث تطور كبير على صعيد الصناعات كافة ودخلت مرحلة جديدة من التطور والتحرر في التجارة وقلة تدخل الدول في القطاع الخاص واسعار الصرف المبالغ بها، فوجدت الصناعة العراقية نفسها امام مناخ غير ملائم لها ولا تستطيع المنافسة لأنها لاتزال تعتمد على الدولة في نتاجاتها.
وبين الفكيكي ان الانظمة الصناعية في العراق لو انها  نشأت على غرار ما موجود في الدول الاخرى في الستينيات والسبعينيات من القرن  الماضي  لكانت واكبت التطورات التي تحدث في العالم الان واصبحت واحدة من الدول المنافسة في الصناعة.
وقال الفكيكي: ان الصناعة بحاجة الى سياسات جديدة قائمة على تحرير الاقتصاد والتجارة واسعار الصرف التي تعد من الامور المهمة في انطلاق الصناعة مثل ماحدث في الدول الاخرى كتركيا والصين.
التجمع الصناعي العراقي:
وقال رئيس التجمع الصناعي العراقي عبد الحسين الشمري: ان السبب الأساسي في تراجع اداء القطاع الصناعي هو الاغراق السلعي ومايصاحبه من قوانين وتشريعات التي لاتعير اهتماما الى الانتاج المحلي حيث ان الاسواق تعاني من الاغراق السلعي للمنتجات والسلع الرديئة النوعية ذات الصلاحية المنتهية من عام 2003 والى حد الوقت الحاضر.
وأضاف الشمري:ان الصناعة العراقية بحاجة الى الدعم المادي والمعنوي حيث ان التخصيصات التي تقدم الى هذا القطاع لاتكفي لمنافسة البضائع المستوردة وهي بأمس الحاجة الى تفعيل قوانين التعرفة الكمركية لان وجود مثل هذه الكميات من البضائع المستوردة يؤدي الى تدمير القطاع الصناعي بأكمله، فالعراق يعد من الدول التي كان لها دور كبير في التنمية المستدامة ولكن هذا الانحسار الذي شهده يعد من التراكمات التي حدثت بعد التأمين  عام 1964 حيث بدأ التدهور للصناعة بعد عام 2003.
وتابع الشمري:ان السبب الاخر في تراجع اداء هذا القطاع هو السياسة التي تلعب دورا كبيرا في التأثير عليها وعلى نتاجاتها حيث ان الصناعة بحاجة الى النهوض بها حيث ان الكثير من التجار العراقيين يعزفون عن القيام باي مشاريع استثمارية هنا بسبب العوامل السياسية والتشريعات والقوانين.
وقال الشمري:ان كل بلد يطمح في صناعة متطورة هو بحاجة الى دراسة الأهداف من خلالها حتى تتمكن من التطوير الاقتصادي،واما ان تحول الصناعات الى صناعات تحويلية او صناعات صغيرة او كليهما معاً حتى تتمكن من البطالة الموجودة بشكل كبير في البلد واحداث تطور اقتصادي فيه وهذا ما حدث في الثمانينيات في استيراد العمالة وتطوير الصناعات الموجودة فعلاً.
اتحاد الصناعات العراقية:
قال رئيس اتحاد الصناعات العراقية هشام ذنون الاطرقجي:ان مصادر الطاقة عموماً والكهرباء خصوصاً تلعب دورا كبيرا في تدهور الصناعة اضافة الى دخول البضائع المستوردة بشكل يضاهي المنتج المحلي وبدون أي رقابة وتقييس وسيطرة نوعية واغراق السوق بصورة متعمدة وبالاتفاق مع المنظمات العالمية ادى الى توقف الصناعة.
واضاف الاطرقجي:ان عملية تبييض الاموال من خلال الصناعة بنسبة 50% هذا الامر الذي يؤدي الى بيع السلع العراقية بأسعار رخيصة في الاسواق بالمقارنة مع البضائع الاخرى اضافة الى عدم وجود تحميل على المواد والسلع المستوردة ومايقابله من قلة التمويل وتحطيم في البنى التحتية ادى الى وجود صورة من الترخيص للبضاعة العراقية.
وتابع  الاطرقجي:ان مسألة عدم التحاق العراق بالتكنولوجيا تعد من التبريرات التي يقدمها التجار لتختئ وراء الفشل في هذا القطاع وابقاء واستمرار تدفق البضائع المستوردة فالكثير من الصناعات لا تحتاج الى التطور في التكنولوجيا.
واستفهم الاطرقجي عن الصناعات التي تكون مسجلة بنسبة 90%والتي تعد من المشاريع المعطلة تماناًوالتي تم تسجيلها في اتحاد الصناعات مثل صناعة الكاشي والخياطة والجلود ومشتقات البناء وغيرها.
وأكد الاطرقجي ان الادعائات التي يبررها التجار بما فيها رداءة الصناعة هذا الامر الذي يزيد من فتح المجال امام السلع المستوردة في الاسواق العراقية وقلة وجود الرقابة عليها.
من جانبه قال العضو في اتحاد الصناعات عبد الله جاسم مجيد: إن الأسباب وراء  هذا التراجع كثيرة وتعد البيئة الاستثمارية وماتعنيه من ضعف اضافة الى قلة مصادر الطاقة والبنى التحتية وقلة التمويل الذي  تعاني منه الصناعة العراقية ووجود العامل المنافس الشديد بين السلع المستوردة والمحلية.
وأضاف مجيد: الأمر الذي يزيد من الاعتماد على السلع المستوردة هو قلة وجود المستثمرين فأن الغالبية العظمى منهم خارج العراق،وحتى التكنولوجيا المتطورة تزيد من الاعتماد على الاستيراد الأمر الذي يزيد من عامل التكلفة في الإنتاج، حيث إن أكثر المصانع والمعامل تزيد اعمارها على عقدين من الزمن وهي مندثرة ومتوقفة عن مدة طويلة مما يجعلها متخلفة في كافة النواحي عما موجود في العالم.
(هيئة الاستثمار):
قال المستشار الاقتصادي في هيئة الاستثمار عبد الله البندر: ان مراحل تدهور الصناعة عديدة ففي المرحلة الأولى كانت  الصناعة العراقية  قبل عام 2003 مصدر أساسي للصناعات وخصوصاً من السبعينيات وحتى الثمانينيات كان يوفر الغالبية العظمى من احتياجات في السوق مما يزيد من الناتج المحلي والإجمالي في السوق العراقية، وبعد الحرب العراقية الإيرانية تم تحويل العاملين فيها الى عسكر حيث بدأت تعاني من وجود اختلال هيكلي داخلها،وبعد عام 2003 وخصوصاً بعد تعرض المعامل الى عمليات السلب والنهب وتوقف الكثير من المشاريع التي كانت قائمة آنذاك، وما زاد الامور تدهوراً هو فتح الحدود امام السلع المستوردة وبصورة فوضوية وبدون وجود تعرفة كمركية عليها مما زاد احباط الصناعة وتدهورها.
واضاف البندر: ان الدولة لديها 192 مشروعا وهي تسعى الى ايجاد حلول للمشاريع المعطلة حيث تم العمل في هذا المجال منها مشاريع الكهرباء وتم التعاقد مع شركات تركيا في هذا المجال.
وتابع البندر: ان العراق يعد من البلدان المتخلفة تكنولوجياً الامر الذي يزيد من الحاجة الى دعم القطاع الحكومي لهذا القطاع المهم وذات التأثير الاهم في السوق العراقي.
وبين البندر ان القطاع الصناعي مرتبط بقطاعات اخرى مثل القطاع الزراعي حيث انها بحاجة الى الارتباط وتفعيلهما سوية الامر الذي يؤدي الى خفض التكلفة في الانتاج واذا ما أولته الدولة الاهتمام اللازم وخصوصاً في ما يخص خطط التنمية حيث انه  بحاجة الى ان يكون هناك تكامل بين القطاعات الامر الذي يزيد من الارتقاء في العمل بالاضافة الى الدعم والعمل على قلة ادخال السلع المستوردة من الخارج.