الموسيقار محمد الموجي .. عقد ياسمين لايذبل

الموسيقار محمد الموجي .. عقد ياسمين لايذبل

نصير شمه
كلما أشرع في كتابة نص عن الملحن العبقري محمد الموجي أجدني في حيرة شديدة، ومصدر حيرتي أسباب كثيرة جدا،ً فقد ولد محمد الموجي عام 1923 في كفر الشيخ، وهو عام رحيل سيد درويش أهم ملحن مصري أستطاع أن يخلّص الأغنية المصريّة من التبعية العثمانية، هذه مفارقة أم صدفة لاندري؟

 جاء من بيئة فلاحية مختلفة ومع ذلك أصبح أحد المجددين البارزين جداً في الأغنية العربية.
كان يسعى حتى سن متأخرة إلى أن يكون مغنياً،لكنه وجد مايريده في صوت عبد الحليم حافظ، وتفرغ له، بل صنع جانباً كبيراً من مجدهما معاً وحددا مسارهما المهني، وماكان يمكن أن يكون مشوار عبد الحليم على ماكان عليه دون ملحن موهوب، تلقائي، مجدد،جريء مثل الموجي.
أن دخول الموجي عملياً لعالم الموسيقى يعتبر متأخراً وعلى كِبرْ ودون دراسة،مع أن طفولته حفلت بمتابعة كل ماله علاقة بالموسيقى ولكن لم يحترفها، بل أتجه لدراسة الزراعة وتخرج حاصلاًعلى الدبلوم عام 1944 في الحادية والعشرين من عمره. لم يعمل في مجال دراسته الزراعية بل ذهب إلى معسكرات الجيش البريطاني، وعُين في البوليس الحربي الإنكليزي،والمفارقة أنه تعّرف هناك على عازف العود جمعة محمد علي هذِهِ صدفة أخرى،أعادته لمساره.
تعلم العود وأكتشف ذاته ومصيره في عالم الموسيقى، حينها تفرغ للجمال الذي خلق من أجله وللأغنية الجديدة، ذات المضمون الحقيقي والتي ستغيّر الواقع الموسيقي فيما بعد. وما أن ترك الزراعة والبوليس حتى تقدم مطرباً لأختبار الأذاعة،رفضته اللجنة،أعاد المحاولة بعد حين وافقوا عليه ملحناً هذه المرة،كان ذلك بين عامي 1949-1950.
وزع حبه ورغبته للغناء على جيل كامل من الأصوات الجميلة مثل:
شادية: شباكنا ستايره حرير، شفت القمر ، كاللي الوداع ، غاب القمر يابن عمي.
محرم فؤاد: رمش عينه.
عزيزة جلال: هو الحب لعبة.
عفاف راضي: يهديك يرضيك.
ميادة الحناوي: جبت قلب منين، يا غائبا لايغيب وأسمع عتابيوأغنبة زي الربي.
نجاة الصغيرة: حبيبي لولا السهر، عيون القلب وهي من أجمل أغانيها.
محمد قنديل: منديل الحلو.
كمال حسني: غالي عليّ.
طلال مداح: ضايع في المحبة، لي طلب.
ابتسام لطفي: لا تطل بالله بعدك ( بعد الحبيبي ) للشاعر أحمد رامي.
ماهر العطار: بلغوه، داب داب، دوبوني الغمزتين.
سميرة سعيد: انا ليك، شط البحر، يادمعتي هدي.
علي الحجار: مقدمة ونهاية مسلسل عمر بن عبد العزيز من أشعار عبد السلام.
صباح:الحلو ليه تقلان قوي، الدوامة، زي العسل.
أكتشف هاني شاكر وقدمه في: حلوة يادنيا،كده بردو ياقمر.
كان الموجي يعمل من أجل حبه للفن وزرع فيما ظل يشكو من غيابها لدى كل الذين قدمهم وصنع نجوميتهم.
عاش الموجي حالة رفض لكل مايخالف قناعاته وذوقه حتى مع أكبر الأسماء في الشعر والغناء. لايشرع في لحن دون قناعة تامة بالنص، وحالة أنسجام مع الكلمات، مهما كان أسم الشاعر كبيراً.
يُصّر على جملته اللحنية ويرفض تغييرها حتى لو قادته لمقاطعة أم كلثوم.
واثق كثيراً من موهبته وقناعاته في توجيه بوصلة الأغنية للطريق الذي يرسمه. في سجله ألف وخمسمئة لحن ناجح، منها ثمانية وثمانين أغنية غناها له العندليب عبد الحليم حافظ،منذُ سماعه أول مرة عام 1951، كلها جميلة،مشهورة، ناجحة وجديدة على زمانها، أغنية صافيني مرة كانت بدأت رحلته مع رفيق مشروعه وأحلامه. من حينها وهو يسير بأتجاه الكبار وسرعان ماوجد مكانه بينهم.من أعماله الكبيرة لرفيقه، رسالة من تحت الماء، جبار،كامل الأوصاف، أحضان الحبايب، وختم عبد الحليم وصديقه الموجي تعاونهما بعمل يُعد من أهم ماقدماه معاً «قارئة الفنجان»وأغلب نجاحات عبد الحليم قدمها له الموجي.
حين طلبته أم كلثوم لزيارتها في بيتها كان القصبچي حاضراً، قال له: أنت القصبچي الجديد، ولم يُعرف عن القصبچي المجاملة أبداً.
قال عنه محمد عبد الوهاب: هذا الملحن يتمتع برأس مليء بالموسيقى بحيث لا أكاد أعرف من أين تأتيه هذه الجمل الرائعة التكوين.. واعتبره صانع النجوم. موسيقاه فيها ثراء فني كبير وفيها جديد يُثري مكتبتنا الموسيقية العربية ثراءً كبيراً عظيماً. أما كوكب الشرق فوصفته بأنه نهر لا يجف ولا يتوقف مليء بالموسيقى الجديدة الشرقية المتطورة.
غنت له أم كلثوم عدة أعمال منها للصبر حدود، أسأل روحك، الرضا والنور،حانة الأقدار، نشيد الجلاء وغيرها من الأعمال التي وضعته في مصاف قمم الملحنين.
حياة الموجي كما لاحظنا متقلبة، تقودها الصدفة كل مرة، نراه تائهاً في حياته المهنية قبل الموسيقى يبحث عن طريقه. الموجي لم يخلق ليكون في مكان غير مكانته الموسيقية لذلك ظلت الحياة تتجاذبه لحين وضع قدمه في طريق الموسيقى هناك فقط وجد ضالته،ذاته،أحلامه،وطريقه المضيء.
الموجي لم يقلد أحدا رغم تأثره بالسنباطي والقصبچي وَعَبَد الوهاب، ولم يشغل باله كثيراً بفكرة الموسيقى الغربية بل حافظ على المسافة بين احترامه لتلك الموسيقى والحفاظ على هويته الشرقية الأصيلة.
الموجي كان في كل أغنية جديدة يمنح صك النجاح للمغني ويأذن له بدخول عالم الغناء بقوة وحضور.
ويمتاز بجملته اللحنية المستقلة عن التبعية ،جملة بسيطة سمعاً ،صعبة صنعةً ، له القدرة في أعطاء كل صوت الشكل الذي يلعب داخله وحين يشعر أن المغني يعمل ضد نفسه يتدخل لوضعه على الطريق الصحيح ، ربما كان عاطفياً متسرعاً في غضبه ولكنه كان كذلك في تسامحه.
لم تكن حياته ودخوله الفن أمراً يسيراً أبداً، لقد عانى طويلاً قبل أن يصبح أسمه سّر النجاح والحظ لكل الذين تعاملوا معه.
حيرتي لم تتبدد بعد وليس لكونه قامة كبيرة في سجل موسيقانا فقط ،بل تقلبات حياته المهنية والشخصية ،الصراع بين بيئة وأحلامه ،كونه زوج تقليدي وله ستة أبناء وأنسان يريد أن يتمرد على واقعه ،عاش مترادفات كثيرة في حياته، ولكن الشيء الثابت الوحيد في حياته هو ثبات فنه ،وتطور موهبته وحتى رحيله في القاهرة عام 1995عن 72 عاماً.