أمجد مالك البديري.. وحكاية فراشة حلقت في السماء

أمجد مالك البديري.. وحكاية فراشة حلقت في السماء

 ماس القيسي
بائع شاي لا يملك سوى بسطة صغيرة في منطقة العروبة استشهد يوم الخميس 3 أكتوبر
 كشك يحتل موقعه صامدا كل يوم ليروي عطش المارة وهم في طريقهم للخوض في مشاغل حياتهم اليومية، بكوب (استكان) من الشاي، طقس مقدس لدى كل عراقي قد يقف ليحتسي بعضا منه، وهو يلاطف ذاك البائع البسيط الدمث صاحب الروح المرحة الودودة،

 الذي يجد في هذا العمل المتواضع منبع قوته واستمرار حياته معيلا به افراد اسرته، ولكن كيف لوطن تجثم على صدره مخلفات الحروب والنزاعات ان يتركه وشأنه ليسترزق بكامل حريته؟! 
"سأحاول ان احب اجزائي، لعلها ترحل كما رحل كل شيء احببته" عبارة حين نسمعها تلمح في افق مخيلتنا صورة مقولبة جاهزة لشخص من الطبقة البرجوازية الثقافية، التي يتغنى اصحابها ليلا نهارا بأقوال وعبارات ابطال قصص كتبهم، لكنها كتبت كرسالة وداعية لمهزلة الحياة من قبل انسان بسيط في ايامه الاخيرة، روح رأت في جموع المثقفين من حولها بعدا آخر تتوق له وتود لو تنغمس في اعماقه.
 امجد مالك البديري، من مواليد 1992، من سكنة منطقة الاسكان في محافظة القادسية،  يعمل كاسبا في كشك خاص لبيع الشاي في ساحة العروبة، لا يملك سوى هذا العمل لإعالة عائلته، تعرض امجد قبل ايام من اندلاع الاحتجاجات الى تعد من قبل قوة تستهدف رفع التجاوزات، وكأن طرق وازقة المدن سالكة منظمة معبدة، ولم تتبق سوى تلك الاكشاك لإزالتها،  لا يكترثون لحجم المأساة التي ستخلفها  تصرفاتهم، اذ قاموا بهدم الكشك الذي يعني لأمجد واسرته حياة بأكملها.
 لم يكن صديقا لأمجد لكن جمعه معه موقف انساني جميل وطريف في احد المناسبات الثقافية، التي قد لا تمت للشهيد بصلة، موقف لا يمكن ان يفارق مخيلته "لست صديق امجد منذ فترة طويلة لكني شاهدته عندما اقمت معرضا للكتاب في حي العروبة منذ شهرين، شاهدته يرفرف مثل ملاك حاملا بيده (قوري) الشاي ويعبر الشوارع وكأنه في نزهة يومية، الى الان اتذكر اول لقاء لي معه حين صافحني، كان هناك وشم على يده، سألته عنه فأجابني بانه لهتلر، فأخبرته انه رمز للنازية وعلى اثرها مازحته بقولي (لا يمكن ان تهاجر الى اوروبا بهذا الوشم ان كانت لديك نية الهرب من هنا)".
" اطمئن، انا سوف اعيش هنا واموت هنا، وانا بائع للشاي!" رد فكاهي بارد في مظهره، موجع حارق في جوهره، لشاب في مطلع عمره له الحق في العيش مثله مثل باقي اقرانه في وطنه ولكنه مسلوب الحق والكرامة، الا ارادة الحياة لم تستطع شوائب الزمن ان تسلبه اياها، عقب صديقه محمد قائلا: "بعد مرور ايام من اقامتي للمعرض اندهشت كثيرا عندما جاءني امجد في ذلك المساء مع صديقه ليقدمني له وكأني آخر فيلسوف في هذا العصر، طالبا مني ان اتحدث له عن نيتشة وموت الاله"، ويختتم متأسفا بقوله: "نعم قد مات الاله وماتت المرجعية ولا يوجد حي  منهم بعد صديقي ليذهبوا الى الجحيم"، معلقة من معلقات الديوانية على جدران قلوب اهلها كما يصفه محمد.
 شارك امجد في الانتفاضة بجوار اخوته المتظاهرين في الديوانية من بدء الاحتجاجات مطلع اكتوبر الماضي ولسوء حظه الدنيوي، انه كان اول الضحايا الابرياء الذين سقطوا شهداء ويقول محمد في هذا الصدد: "كان امجد مهيأ للتظاهر في يوم 3 اكتوبر وتحديدا في السوق المؤدية لساحة العروبة، في هذه الاثناء اقتحم رجال الامن او ما يسمون بقوات مكافحة الشغب المكان، وبدأوا باطلاق الرصاص الحي على المتواجدين، سقط احدهم شهيدا حينها وشعر امجد تباعا، ان كل مبادئه قد نزفت من تاريخ وحضارة واعراف، كلها سارت في عروقه لتخرج على هيئة صرخات ضد الظلم"، صرخات بوجه من لا يملك شيئا من الشرف ويعقب قائلا: "كان يود امجد ان يدخل في جوف صديقه ليحيا من جديد لكن ايادي الغدر طالته قبل ان يكمل قسمه، قد قتل وكأنه مجرد حدث شائك وسط اعلام كاذب فقط لأنه عراقي"!.
 المجد يتبلور في اسمك يا امجد، فانت من تهب لمجدنا حياة حين يقال بانك (اسم على مسمى)، فكيف ان كنت صانع مجد وطن على وشك النهوض بكبريائه المعتاد بفضل عزتك سموك ومجدك، انت وكل من شاركك هذا الحراك الوطني المشرف.