يحيى حمدي من مأمور بلدية الى خبير  الموسيقى في الاذاعة والتلفزيون

يحيى حمدي من مأمور بلدية الى خبير الموسيقى في الاذاعة والتلفزيون

وسام الشالجي
بعد أن أنهى المرحلة الابتدائية من دراسته تعين يحيى عبد القادر حمدي بوظيفة مراقب بلدية لدى امانة العاصمة ببغداد في منطقة (ابو سيفين) ومنطقة (ابو دودو). كانت مهنته هذه موضع احتقار من يعرفونه لأنه كان يتعامل مع الأزبال والنفايات بصورة خاصة من خلال الإشراف على العمال الذين يجمعونها ويرفعونها في تلك المحلات والأزقة العائدة لها ومراقبة ادائهم.

وفي أوقات فراغه كان يكثر من الذهاب الى المسارح والسينمات ومنها اكتشف بان لديه موهبة فنية مما دفعه الى الاهتمام بهذا الجانب.
اكتشف في نفسه حلاوة الصوت والقدرة على التلحين مما دفعه للتقدم الى دار الاذاعة والتلفزيون العراقية الكائنة في منطقة الصالحية في عام 1946 كمغنٍ هاوي. أعجب المشرفون بدار الاذاعة بصوته وأدائه الغنائي فصار يغني الاناشيد الوطنية وأغاني الطفولة في الاذاعة ضمن برنامج مخصص للصغار. كما صار يغني أيضاً بعض الأغاني المستمدة من المقام العراقي الذي يشتمل على عدة فروع وأنغام أصيلة. ومن سيرته الفنية في تلك الفترة انه قدم بعد نكبة فلسطين عام 1948 عدة أغاني وطنية مخصصة لفلسطين السليبة من خلال ميكرفون دار الاذاعة العراقية التي كانت تبث برامجها على الهواء مباشرة من دون تسجيل. وفي بداية الخمسينيات تطور يحيى حمدي أكثر فراح يلحن الاغاني التي يغنيها بصوته. لم يكن يحيى حمدي يجيد العزف على آلة العود ولا على أي ألة موسيقية أخرى , ولم يكن أيضاً يعرف كتابة النوطة الموسيقية وكل ما كان يعرفه هو تأليف وترديد اللحن بصوته وحفظه عن ظهر القلب. وحين عكف على التلحين صار يردد الالحان التي يؤلفها على أصدقائه المقربين من المولعين بالموسيقى والغناء فيدونون له الحانه كنوطات موسيقية. وفي هذا السياق كان كثيراً ما يضطر للذهاب الى صديقه الملحن (جميل سليم) والذي يسكن في محلة العمّار القريبة من محلة المربعة ليكتب له نوط أغانيه على خلفية دراسة الأخير للموسيقى.
استمر يحيى حمدي على هذا الحال كهاوي للغناء والموسيقى من غير أحتراف ارضاء لموهبته وولعه من دون أن يستفيد من هذا المجال بأي شيء. ومن بين المفارقات المؤلمة التي تذكر في حياة هذا الفنان الرائد إنه عند انتهائه من تقديم أي وصلة غنائية على الهواء من دار الاذاعة كان يتقاضى بعدها مبلغاً قدره أربعة دنانير يستلمها مباشرة، لكنه كان يضيف إليها مبلغ دينار واحد من جيبه الخاص ليعطيها للفرقة الموسيقية التي كانت تعزف وراءه لأن أجر تلك الفرقة كان يبلغ خمسة دنانير. كما كان رحمه الله يقطع المسافة من بيته الواقع في منطقة الرصافة - محلة المربعة الى دار الاذاعة بالصالحية مشياً على الاقدام عبر جسر الاحرار حتى يصل لدار الاذاعة لمجرد ان يبقى متواصلا مع فنه. وفي اواسط الخمسينيات واستمرار عطائه المتميز قامت اللجنة المشرفة في دار الاذاعة والتلفزيون بأعتماده كمطرب رسمي محترف , فبدأت شهرته بالظهور كمطرب وملحن وأصبح شكله معروفاً نتيجة لظهوره من على شاشة التلفزيون كمغني. صار هذا الوضع الجديد يسبب للفنان يحيى حمدي المزيد من الاحراج لما يلاقييه من الصفير والمضايقات والتهريج بالكلمات النابية من قبل أطفال وصبيان الأحياء والأزقة التي يعمل فيها لمجرد انه مطرب ويعمل في الاذاعة والتلفزيون وبنفس الوقت يشرف على جمع الأزبال , وكان كثيراً ما يضطر الى ترك عمله والهروب منهم بعيداً. كما أن الضغوط الاجتماعية التي كان يتعرض لها في الأحياء والأزقة البغدادية التي يعمل فيها والتي كانت تعيب على المرء امتهان حرفة الغناء قد جعلته في وضع أكثر سوءاً وزادت من معاناته. من ناحية أخرى كان الأجر الذي يتقاضاه من وظيفته ضئيلاً حتى إنه كان يضطر لقطع المسافة بين منطقة سكنه في المربعة ومحلة (ابوسيفين) و (ابو دودو) مشياً على الاقدام حتى يصل الى موقع بعمله. وبسبب هذه الأوضاع والمضايقات التي كان يتعرض اليها يوميا قرر أخيراً أن ينقل خدماته من أمانة العاصمة إلى دار الاذاعة والتلفزيون العراقية. وبهذا الانتقال بدأت مرحلة جديدة من حياة هذا الفنان البغدادي الأصيل تفرغ بعدها كلياً للغناء والتلحين والاخراج والموسيقي .
بعد أن صار يحيى حمدي مغنياً محترفاً راح مع غيره من زملاء المهنة يسعى الى تطوير الأغنية البغدادية وإدخال طابع الحداثة إليها من خلال اعتماد مقامات موسيقية جديدة  مناسبة وإدخال الآلات الموسيقية الحديثة إليها. وبالفعل نجح بذلك نجاحاً باهراً بهذا وصارت أغانيه موضع حب واهتمام كافة المستمعين , وصار معروفاً بكل أرجاء بغداد , وبالأخص مناطق الاعظمية والفضل والمربعة وعكد النصارى وغيرها من محلات بغداد القديمة. بل أن صيته وشهرته امتدت لتشمل كل أرجاء العراق , خصوصاً إذا ما اخذنا بنظر الاعتبار أن تلفزيون بغداد أخذ ينتشر وصار الناس يتابعون الاغاني والموسيقى التي تقدم من خلاله. ظل يحيى حمدي يعمل بالغناء والتلحين لمدة قاربت الخمسة وعشرين عاماً , كما أنه لحن الكثير من الاغاني لغيره من المطربين والمطربات  وحتى بعد أن توقف عن الغناء والتلحين ظل يعمل بالاذاعة والتلفزيون كمخرج موسيقي فساهم بظهور عشرات الاغاني الى الأضواء من خلال عمله.