من يوميات كتبي في لندن : أغلى كتاب مطبوع في بغداد

من يوميات كتبي في لندن : أغلى كتاب مطبوع في بغداد

علي أبو الطحين
سوق الكتب القديمة والنادرة في بريطانيا، كما في بقية الدول الغربية، له عالم خاص، لا يتقاطع ولا يلتقي بسوق الكتاب والمطبوعات الحديثة، إلا في حدود ضيقة. فمعارض الكتاب الدورية، الشهرية والفصلية وحتى السنوية، الخاصة بالكتاب المستعمل القديم والنادر، لا تجد فيها كتباً ومطبوعات حديثة، ولا يشترك فيها ناشرون للكتب كما هو الحال في معارض الكتاب المعروفة.

 لذلك، يبذل بائعي الكتب القديمة جهود كبيرة ومضنية وبشكل مستمر في البحث والتقصي عن الكتب النادرة  والمطبوعات التاريخية لتوفيرها للزبائن من هواة الكتب في هذه المعارض.
من أهم مصادر سوق الكتب القديمة في بريطانيا هي مزادات الكتب المستعملة المنتشرة من الشمال الى جنوب الجزر البريطانية، فهناك على الأقل مزاد أو أكثر في كل أسبوع في بريطانيا مختص ببيع الكتب القديمة، هذا أضافة الى العديد من المزادات العامة الشاملة التي تحوي مجموعات من الكتب القديمة بشكل ضمني لمحتويات ومقتنيات البيوت التي تباع في تلك المزادات.
في خريف سنة 1998، حضرت مزاد سوثبيز في لندن، حين عرضت للبيع مكتبة كبيرة نادرة من كتب الرحلات الى الشرق الاوسط وأواسط آسيا، تعود للصحفي والمؤرخ البريطاني بيتر هوبكيرك (1930-  2014). كان من بين الكتب المعروضة، كتاب نادر، طبع باللغة الإنكليزية، في مطبعة الحكومة في بغداد، سنة 1918، بعنوان”تقرير عن بعثة نجد 1917-1918"، وضعه الضابط البريطاني المعروف جون فيلبي، عن رحلته من بغداد الى الرياض ومقابلة الأمير عبد العزيز آل سعود. كان هناك تنافس شديد في المزاد وبالتلفون على هذا الكتاب النادر من قبل مقتني الكتب من دول الخليج، ووصل سعر الكتاب الى حوالي ثلاثين ألف دولار أمريكي، ضمنها رسوم المزاد، وهو كما أظن، أغلى كتاب مطبوع في بغداد في العصر الحديث.
الكتاب هو تقرير عن البعثة التي أرسلها الحاكم المدني في بغداد، بيرسي كوكس، بقيادة جون فيلبي، الى سلطان نجد، الأمير عبد العزيز آل سعود، والتي كانت تهدف بالأساس بأقناع ابن سعود على مهاجمة مدينة حائل وإشغال ابن الرشيد في المعارك وايقاف دعمه للاتراك في الحرب الجارية في العراق. إضافة الى تحسين العلاقة بين ابن سعود وامير الكويت من جهة وابن سعود والشريف حسين بن علي في الحجاز من جهة أخرى.
بعد انتكاسة الجيش البريطاني الكبيرة في الكوت أمام الجيش العثماني في نهاية نيسان 1916، اكتسبت الجبهة العسكرية في العراق أهمية كبيرة لدى الحكومة البريطانية، واصبح الوصول الى بغداد هدف أستراتيجي معلن. فبدأ التحرك البريطاني لمجابهة الاتراك من عدة جبهات في المنطقة، وقام المكتب العربي في القاهرة بأتصالاته مع الشريف حسين في مكة لأعلان الثورة في الحجاز في حزيران سنة 1916. ونظم بيرسي كوكس دعوة لكل من أمير المحمرة، الشيخ خزعل، وأمير الكويت الشيخ جابر الصباح، وأمير نجد الشيخ عبد العزيز ابن سعود، لزيارة البصرة في تشرين الثاني 1916، ليروا بأعينهم قوة بريطانيا العسكرية وعزيمتها على احتلال العراق وتحذيرهم من مغبة التعاون مع الاتراك.
طفحت بعض المشاكل بين الكويت و نجد بسبب الحصار الذي وضعته الكويت على نقل المؤن والاسلحة الى نجد وكذلك ظهرت خلافات شديدة بين الشريف حسين بن علي وابن سعود بعد نجاح الثورة في الحجاز ومطالبة الشريف حسين العلنية ليكون ملك لكل العرب. فكان لابد من ارسال بعثة الى الرياض لدعم ابن سعود الذي كان ممتعضا من دعم بريطانيا للشريف حسين. أستغرقت رحلة جون فيلبي الى نجد عاماً كاملاً، من نهاية تشرين الاول 1917 الى بداية تشرين الثاني 1918. ويقع نص التقرير الذي وضعه فيلبي في 39 صفحة، إضافة الى 14 صفحة من الملاحق.
بعد لقائه ابن سعود في الرياض أنتقل جون فيلبي الى الطائف وثم الى جدة للقاء الشريف حسين، ويبدو ان تلك الزيارة وموقف بريطانيا من ابن سعود لم تعجب الشريف حسين، فلم يسمح بعودة جون فيلبي الى الرياض لأكمال المحادثات، تحت ذريعة الخطورة الامنية في طريق الصحراء، مما اضطر جون فيلبي الذهاب الى القاهرة لمناقشة الامر في المكتب العربي والعودة الى البصرة عن طريق بومبي ومن ثم الترحال مرة ثانية الى الرياض.
يقول فيلبي أخبرني الشريف حسين بأن لديه بعض الوثائق الغامضة، التي تؤيد دعوته بأن يكون ملكاً لكل العرب وأنه على قناعة بأن بريطانيا سوف لن تنكث بوعدها بأن يكون ملكاً للعرب، لكنه لم يفصح عن هذه الوثائق.  وبين فيلبي عدم قناعته في بأن يكون الشريف حسين ملكاً للبلاد العربية، من الممكن ان يحمل لقب خليفة المسلمين ولا يمانع ابن سعود بذلك، فحقيقة كونه من سلالة الرسول يعطيه بعض من الهيبة الدينية لهذا، لكن لا يمكن ان تخضع نجد تحت حكمه ولا حتى الامصار العربية الاخرى مثل اليمن والعراق ولا حتى اطراف الجزيرة العربية.

روبرت هاملتون ورحلته الى نجد
في الصيف الماضي كنت على موعد مع مزاد آخر للكتب القديمة في جنوب إنكلترا، وكان في كتلوك المزاد المطبوع، والمنشور كذلك على الأنترنت، بعض المجاميع من الكتب التي تهمني، وهي على الدوام تتعلق بالعراق والعالم العربي. في أحدى المجموعات كان هناك تسعة كتب تباع سويةً، منها أربعة مهمة. الأول كتاب الكابتن هونت عن”الحملة الفارسية”المطبوع سنة 1858 وفيه لوحات ملونة رائعة عن بغداد، والثاني كتاب ويليم موير عن”الخلافة : ظهورها وانحطاطها وسقوطها"، المطبوع سنة 1915، والثالث نسخة من القرآن الكريم بالانكليزية من طبعات القرن التاسع عشر، والكتاب الرابع والمهم كان للوكيل السياسي البريطاني في الكويت روبرت هاملتون، وهو تقرير ليوميات رحلة من الكويت الى نجد قام بها هاملتون سنة 1917 بطلب من الحاكم السياسي والمدني في بغداد السير برسي كوكس. بالعادة في المزادات العالمية يضعون سعر تقديري لكل مجموعة معروضة في كتلوك المزاد، وكات السعر التقديري لهذه الكتب التسعة هو بين 200 الى 300 باون استرليني (بين 300 الى 450 دولار تقريبا)، وهناك رسوم البيع على المشتري قيمتها 22% في هذا المزاد. كنت أتوقع ان تكون هناك منافسة قوية على المجموعة بسبب تقرير هاملتون النادر والغير معروف، وهو في الحقيقة من مطبوعات الحكومة البريطانية الخاصة. لكن المفاجأة الغير متوقعة كانت بظهور منافس مجهول عبر التلفون، فقفز السعر بشكل جنوني، وتخطى كل التوقعات ليستقر عند اكثر من 17 ألف باون استرليني (حوالي 25 ألف دولار) مع رسوم المزاد.
تقرير هاملتون هذا يقع في 26 صفحة فقط، بحجم فولسكاب 34x22 سم، يتحدث فيه عن تفاصيل الرحلة من الكويت وحتى نجد، ذكراً اسماء جميع المواقع في الطريق، وأسماء جميع المرافقين من حرس وخدم، وكل من التقى به من أمراء أو بسطاء، وكل ما دار من احاديث مع امير نجد عبد العزيز أبن سعود، أو مع رجل عابر في الطريق.
كان مطلب بيرسي كوكس من عبد العزيز ابن سعود، كما نقله له هاملتون، هو القيام بغزو حائل وقطع الطريق على ابن الرشيد المساند للأتراك في جبهة العراق خلال الحرب العالمية الأولى، إلا ان الأمير عبد العزيز كان مترددا في ذلك رغم الاموال والاسلحة التي كان يوفرها له الانكليز، بل أن الانكليز كانت لهم شكوك في أن أبن سعود يدعم أبن الرشيد بالأسلحة رغم العداء الظاهر بينهما. وبدوره لم يكن كذلك ابن سعود يثق بالأنكليز، لما يحض به غريمه في الحجاز الشريف حسين من مساندة ودعم.
من غرائب التقرير، تسآل الأمير عبد العزيز أبن سعود، فيما أذا كان من الممكن أن يحصل على المساعدة البريطانية في تحقيق حلم جميل رآه في المنام الليلة البارحة، كما ذكر ذلك الى هاملتون. وكان الحلم أنه رأى جنوده يغزون بلاد الشام وأنهم دمروا دمشق على عروشها. أراد هاملتون أن يستدرجه قائلاً : نعم بالتأكيد ستكون الواجهة دمشق بعد ان ننتهي من حائل، إلا أن أبن سعود بقي متخوفاً من المغامرة في غزو حائل ذلك الوقت. ومن مطالب ابن سعود التي ذكرها هاملتون في تقريره، أنه طلب من الأنكليز ان يسمحوا له بتعيين وكيل له في الحواضر العربية، في مدن القطيف وقطر والكويت والزبير والبصرة وسوق الشيوخ وحتى كربلاء والنجف وفي كل المدن التي يتصل بها بدو الجزيرة ويعتبرها مناطق نفوذه.
دون شك للتقرير اهمية كبيرة في تاريخ العلاقات البريطانية مع العراق والجزيرة العربية في مطلع القرن العشرين. اتمنى أن تقوم احد مراكز الدراسات التاريخية في العراق بترجمته.