تباشير فكر الاحتجاج في العراق

تباشير فكر الاحتجاج في العراق

سعد محمد رحيم 
- 3 -  
كانت مصر حاضنة لنشر أفكار وطروحات مفكرين نهضويين مسلمين وعرب مثل جمال الدين ( الأفغاني ) والكواكبي ( السوري ) وخير الدين ( التونسي )  وشبلي شميل ( اللبناني ) وغيرهم. وحين نطّلع على مسرد فكر النهضة العربية في القرن التاسع عشر

 والعقود الأولى من القرن العشرين نتفاجأ بخلوه من الإشارة إلى مساهمات فاعلة لمفكرين عراقيين. ولا سيما قبل الحرب العالمية الثانية ( 1938 ـ 1945 ). وهناك من الباحثين من يشير إلى انفصال الدعوة العلمانية التي طبعت الدولة العراقية الناشئة "عن حركة التنوير العلمي والاجتماعي والتي سنتها مدرسة السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده. وكان من دعاتها في العراق السيد محمد سعيد الحبوبي ومدرسته الفكرية" العلوي/ ص69ـ70. والمتابع للتاريخ العراقي الحديث والمعاصر لن يتلمس شيوعا وتأثيرا كبيرا لمدرسة الحبوبي، كما ليست هناك أدبيات نظرية لهذه المدرسة أو غيرها من المدارس المشابهة خلقت تنمية فكرية وإزاحة بأي قدر في المناهج والمفاهيم والرؤى مثلما خلقتها كتب الطهطاوي والأفغاني وعبده والكواكبي وطه حسين.
   وبقدر ما يمكن لوم المثقفين العراقيين وتوجيه سهام النقد لأفكارهم يجب التنبه إلى حقيقة أن هذه الشريحة التي تُحشر في ضمن اصطلاح الأنتلجنسيا بتحديد أدغار مورانا لها، كونها تعيش بين جمهرة غير مثقفة وسلطة بربرية، نقول؛ إن هذه الشريحة عانت من تضييق المجتمع والسلطات الخناق عليها. وكما يقول الدكتور سيار الجميل فقد "كان مجتمعهم قاسياً عليهم ( المثقفين العراقيين ) بسلطاته القسرية المتعددة التي أحكمت قيودها على أي مثقف كان يحمل فكراً مستنيراً ويعلن بجرأة عن مواقفه الحرة والصريحة إزاء سلبيات المجتمع وأمراضه. كان المجتمع لما يزل أقوى من المثقف المستنير، فيشقى بوعيه وأفكاره وتجاربه، ويجد أن مجال التثاقف هو الأقوى والمسيطر بفعل السلطات الاجتماعية متعددة الأطراف التي تخدم التخلف". فكانت التابوات الاجتماعية والدينية التي جذرتها العهود المظلمة حيث ساد الجهل والتقليد والجمود والفوضى والاستبداد. ولذا كان يجب أن يُلقى بأول حجر لتحريك الراكد في بركة الأدب. ومثلما أشرنا في الحلقات السابقة فقد أخذ الشعراء على عاتقهم مهمة إيقاظ العقول، وإشاعة فكر جديد، لابد أن يكون تنويرياً يدعو إلى التقدم. فمشكلة مثل تحرير المرأة وسفورها وحقها في التعليم والعمل والكرامة في سبيل المثال وهي تًطرح وتناقش في مصر وبلدان عربية أخرى كانت تتردد أصداؤها في العراق من خلال حوارات ومقالات مثقفيه وسياسيه وقصائد شعرائه ونصوص قصاصيه وروائييه منذ نهايات القرن التاسع عشر والعقود الأولى للقرن العشرين. ويمكن أن نقول الشيء نفسه عن مسائل الحرية والديمقراطية والاستقلال والتمدن.
هذا ما نعرفه بشأن الشعر ودوره، ولكن ماذا بشأن الفنون السردية؟.
تأخرت النخب الفكرية والأدبية في البلدان العربية، نسبياً، في التنبه إلى أهمية فنون السرد في تأصيل الوعي الاجتماعي والسياسي وإطلاق سراح المخيلة بعدّها مصدر كل إبداع أدبي وفكري وعلمي. ولعل الشروط الثقافية والاجتماعية لم تكن ناضجة لكتابة رواية عربية فنية قبل مطالع القرن العشرين فيما كانت الرواية الغربية قد رسخت تقاليد وأساليب مبدعة وأفرزت أسماء أعلام كبار تحت راية هذا الفن منذ سرفانتس مبدع رواية دون كيخوته التي رأت النور، للمرة الأولى، في عام 1605. حيث ساهم اختراع المطبعة، ومن ثم انتشار الصحافة المكتوبة في ازدهار هذا الفن الأدبي في أوروبا، ومن ثم في أميركا. وليبزغ، في ما بعد، فن أدبي جديد هو فن القصة القصيرة الذي يعد وليد الصحيفة بامتياز.
كان الهاجس الاجتماعي الواقعي، في العراق، يدفع بأبي ثناء الآلوسي، في منتصف القرن التاسع عشر لكتابة مقاماته. وقطعاً لم يكن للرجل، المحكوم بالظروف الثقافية لزمنه وبيئته أن يخرج من أسر هذا النوع السردي القديم ويخوض في كتابة سرد قصصي بأسلوب ورؤية حديثين. ولاسيما أنه لم تكن ثمة ترجمات لعيون الرواية الغربية، ولم تكن النخب الثقافية متمكنة من اللغات الأوربية التي كتبت بها الروايات الكبرى كالأسبانية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية، وغيرها. وكان يجب أن نعبر عقدين من القرن العشرين حتى يكتب سليمان فيضي ( الرواية الإيقاظية ) وينشرها في عام 1919، داعياً إلى استيقاظ الأمة من سباتها والدخول في عصر النهضة والتقدم. من غير أن يغادر كثيراً الأسلوب التقليدي للسرد العربي. وكان عطاء الأمين، في السنة ذاتها قد نشر في مجلة ( دار السلام ) رؤاه عن فجر النهضة بعنوان ( كيف يرتقي العراق ). مؤكداً ضرورة الالتفات إلى، والأخذ بأسباب، الثقافة والمعرفة والتعليم والصناعة والزراعة والإدارة الحديثة، بعدّها مرتكزات أية حركة نهضوية وتنويرية.. وحتى محمود أحمد السيد بعد أن نشر روايتيه ( في سبيل الزواج/ 1921 ) و ( مصير الضعفاء/ 1922 ) لم يقع على أسلوبه الفني الناضج إلاّ مع رواية ( جلال خالد/ 1928 ) بعد انفتاحه على منجزات السرد الغربي، وهو الذي انكب على ترجمة ملخّصة لرواية ( البعث ) لتولستوي. وفي هذه الآونة انغمس كثر من أدباء تلك الحقبة في ترجمة نماذج من الأدب الغربي. بعد أن كان التماس مباشراً، في الغالب، مع المثقفين الأتراك "كان حسين الرحال صاحب جريدة الصحيفة معروفاً بحسن إطلاعه على الثقافة التركية، لتتسع اتجاهات الترجمة بعدئذ، حتى أسهم فيها أبرز مثقفي العصر في نهاية العشرينيات والثلاثينيات: كذي النون أيوب ونزهت غنام وعبد المسيح وزير ومحمود أحمد السيد نفسه، وخلف شوقي الداودي وسليم بطي وعبد الوهاب الأمين"الموسوي/ ص15. وصار الشارع الثقافي العراقي يتداول أسماء أعلام الأدب والفكر الغربيين كموباسان وفكتور هيجو وجورج اليوت وأوسكار وايلد وتوماس هاردي وتولستوي وديستويفسكي وجيكوف وغوركي وغيرهم.. يقول الدكتور محسن جاسم الموسوي أنه "إذا كان الاتصال بالثقافة العربية المصرية على أيدي الشعراء البارزين قد أفرز أثراً واضحاً في حركة الشعر، تماماً كما كان له شأنه بين المثقفين في الشام ومصر، فإن الأدب القصصي شهد مثل هذا التلاقح، كما تثبت المراسلات المتبادلة بين السيد ومحمود تيمور" الموسوي/  ص15ـ16.
بالمقابل، نمت حياة صحافية جديدة بعد صدور الدستور العثماني في عام 1908.، فصدرت في بغداد بين عامي 1908 و1914 حوالي 40 جريدة. لتولد وتنتعش في ظل الصحافة فنون القصة والمقالة الأدبية، ولاسيما بعد عام 1921. ثم كان بزوغ أولى الروايات الفنية العراقية على يد محمود أحمد السيد، كما نوهنا، والتطور الذي طرأ على فن القصة القصيرة، فكتب السيد مجموعتيه ( الطلائع/ 1929 ) و ( ساعة من الزمن/ 1935 )، وظهرت مجموعات ذو النون أيوب ( رسل الثقافة/ 1937 ) و ( الضحايا/ 1938 ) وصديقي/ 1938 ) و (  الكادحون/ 1939 ). كما كانت هناك أسماء جعفر الخليلي الذي أصدر ( التعساء/ 1923 ) و ( السجين الطليق/ 1935 ) و ( اعترافات/ 1937 ). وعبد المجيد لطفي الذي أصدر ( أصداء الزمن/ 1937 ) وفؤاد بطي الذي أصدر ( صيحات الفؤاد/  1939 ) وغيرهم، قبل أن تأخذ القصة القصيرة العراقية شكلها الفني الحداثي على يد القاصين عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي. وفي موازاة هذا كان النقد القصصي يثبت أسسه في الصحافة العراقية بدءاً من مطالع الثلاثينيات؛ ( كتب ممتازأكرم العمري مقالته ـ فن القصة والوسط العراقي ـ في جريدة النهضة العراقية في نيسان 1930 ). وتميز القص العراقي في مضامينه بالحس الواقعي وروح النقد الاجتماعي، والرؤية السياسية القائمة على مفاهيم الاستقلال والحرية والعدل.
أما الفتوحات الإبداعية في فن الشعر فقد تمثلت بلحظة كتابة القصيدة الحرة منذ الأربعينيات وبروز أسماء أعلامها الكبار نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي التي تعد إزاحة حقيقية في المشهد الأدبي العراقي والعربي، وخطوة تأصلت وفتحت مديات مدهشة على صعيد الشكل الفني والمضمون الفكري معاً لتأتي بعدها إنجازات الأجيال اللاحقة مكملة، من غير انقطاع. ولعل هذه الإزاحة كانت المساهمة العراقية الأهم في مسار النهضة الفكرية والأدبية العربية في التاريخ المعاصر. وعلينا أن لا ننسى المساهمات الفذة لرواد الفن التشكيلي العراقي منذ عبد القادر الرسام الذي أنجز لوحاته قبل اجتيازنا عتبة القرن العشرين، وحتى الأعمال المتقدمة لفائق حسن وجواد سليم.
وحتى بعد الحرب العالمية الثانية بقي العراق مستورداً ومستهلكاً للأفكار الجديدة. وهذه المرة كانت الأفكار التي وصلت لها طابعها المختلف بهذا القدر أو ذاك عمّا ألفه الشارع الثقافي والسياسي العراقي. وأبرزها الأفكار القومية (العربية ) والماركسية. وفي الغالب تحولت تلك الأفكار بتبنيها من قبل نخب ثقافية وسياسية عراقية إلى دوغما إيديولوجية. ومناسبة لاحترابات ونزيف دم من غير أن تتعاطى معها نقدياً، أو أن تطورها إبداعياً، وبشكل ملموس.
في مسار الفكر العراقي المعاصر طغى النظر السياسي، وحيد البعد، في الغالب، على التحليل الاجتماعي البنيوي المتعمق. واستحوذ الإيديولوجي على الاسترسال الفكري الحر. فاتسمت الأطروحة الفكرية بالحماس والانفعال والشاعرية الرومانسية على حساب الرؤية العقلانية المتأنية والنافذة. وحتى أولئك الذين كتبوا ما هو مميز وثري لم يأت من يبني على الأسس التي أرسوها ما يحقق التواصل الفكري المبدع فبقيت نتاجاتهم تعاني الإهمال والانقطاع. ولعل السبب يرجع إلى سطوة الاستبداد وتاريخه المرعب في العراق، إلى جانب فاعلية التابوات السياسية والاجتماعية والدينية والإكراهات التي حالت دون أن يتنفس العقل العراقي النقدي، في مراحل تاريخنا القريبة والبعيدة، في مناخ من الحرية، وينتج بجرأة فكر نهضة حقيقي. وربما يعد علي الوردي استثناءً فذاً بهذا الخصوص، استطاع عبر تجربة فكرية علمية ومنهجية أن يدرس التاريخ الاجتماعي للعراق الحديث، وأن يؤشر بعضاً من الاختلالات والانفصامات والتناقضات والصراعات الظاهرة والخفية في بنية المجتمع، متجاوزاً لخطوط حمر كثيرة بشجاعة لم تعرف، حتى ذلك الحين، عند غيره، على الرغم من أنه حسب حساب السلطات الاجتماعية والسياسية ولكن بتقيّة أقل من تلك التي التزم بها كثر من مفكرينا ومثقفينا.
علي الوردي:
 لم تحصل إلاّ قلة قليلة من المفكرين والباحثين العراقيين على شهرة واسعة خارج الحدود الضيقة لأوساط النخبة المثقفة، وربما يكون المفكر والباحث الاجتماعي الدكتور علي الوردي هو الأشهر والأكثر إثارة للغط والاهتمام من بين أولئك المفكرين والباحثين. ولاشك في أن قطاعاً واسعاً من المتعلمين وحتى أنصاف المتعلمين، في العراق، قد تعرفوا بهذا القدر أو ذاك على أفكار علي الوردي وطروحاته المتعلقة بطبيعة الشخصية العراقية والمجتمع العراقي. وبعبارة أخرى فإن مؤلفات الوردي حظيت، وربما ما تزال، بالنسبة الأعلى من القراءة في العراق. فللوردي أنصار كثر وأعداء كثر، فهناك من يوافقه جملة وتفصيلاً على ما قال وهناك من يرفضه جملة وتفصيلاً، وبين هؤلاء وأولئك فريق ثالث يتناول طروحاته برؤية نقدية مدققة، محاولاً وضعه في مكانه العلمي الذي يستحق.
وفي الأحوال كلها لا يمكن أن نتحدث عن الفكر العراقي المعاصر والثقافة العراقية الحديثة مع تجاهل الوردي وأفكاره ومواقفه. أما أسباب شهرته والاهتمام الذي لقيه فعديدة، أهمها أنه كتب في حقل حساس يهم المواطن الاعتيادي إلى جانب المثقف والأكاديمي والسياسي بلغة سلسة وواضحة يمكن أن يفهمها حتى أولئك الذين لم يتبحروا كثيراً في دنيا الفكر والفلسفة. فضلاً عن امتلاكه لجرأة قل نظيرها في تشخيص الأمراض والاختلالات والتناشزات الاجتماعية والنفسية عند شرائح المجتمع العراقي، متخطياً بهذا بعض الخطوط الحمر، في تحد واضح لمواضعات وقناعات متجذرة وراسخة. أي أن الفرد العراقي وجد في كتب الوردي نوعاً من المرآة التي تحاول أن تعرّفه بنفسه على حقيقتها. ولذا واجه عداء السلطة السياسية والسلطة الدينية ناهيك عن آخرين من المثقفين الإيديولوجيين وبعض الرعاع. وربما يكون هذا العداء الذي أحيط به سبباً آخر، أكثر فاعلية، في تلقف كتبه من قبل القراء، جرياً على المثل القائل أن الممنوع مرغوب.
خرج علي حسين عبد الجليل الوردي من بيئة علمية دينية محافظة، فقد ولد في الكاظمية في عام 1913. درس في الجامعة الأميركية ببيروت وحصل على شهادة الماجستير في عام 1948 من جامعة تكساس الأميركية، وعلى شهادة الدكتوراه في عام 1950 من الجامعة نفسها. حيث تنبأ له رئيس الجامعة وهو يسلمه الشهادة: (أيها الدكتور الوردي ستكون الأول في مستقبل علم الاجتماع). ومنذ ذلك التاريخ بدأت مؤلفاته تنشر وتوزع وتعرف الانتشار الواسع وتترجم إلى لغات أخرى.. تلقى الترحاب حيناً، والإنكار حيناً، وتحظى بدراسات نقدية وأطاريح جامعية في معظم الأحيان. ومن مؤلفاته؛ ( شخصية الفرد العراقي ) و ( وعاظ السلاطين ) و ( مهزلة العقل البشري ) و ( خوارق اللاشعور ) و ( أسطورة الأدب الرفيع ) و ( لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث/ بستة أجزاء وملحقين ).
استقى الوردي نماذجه من الواقع العياني المعاش، فضلاً عمّا وجده في كتب التاريخ مما يفيد مجال بحثه، بعدما تحقق منه بعد تمحيص. وعليه وضع افتراضاته وقام بتحليلاته وبنى استنتاجاته. ولأنه كان متحرراً من المسبقات الإيديولوجية فلم يدعِّ قط أنه قد وصل إلى معرفة يقينية قاطعة، ودوماً كان يطلب من قارئه أن ينظر إلى ما يقرأه نظرة الشكاك المستريب. ومن موقع العالم الواثق من نفسه والمتواضع ظل يؤكد أن ما يقوله ويكتبه بحاجة إلى دراسات أوسع وأعمق، مؤمناً أن العلم قادر على الوصول إلى أوجه الحقيقة المتعددة، وأن هناك فرصة أخرى دوماً للإضافة وإثراء البحث.
أما منهجه فلا شك في أن جذوره تمتد إلى ما تعلمه من خلال دراسته في أميركا حيث يطغي المنهج التجريبي على غيره من المناهج. لكن مرجعيته الأساسية تبقى ما أخذه من ابن خلدون في مقدمته ذائعة الصيت، ولاسيما في ما يتعلق بفرضيته عن صراع البداوة والحضارة، إذ أن مصدر العصبيات في الشخصية العراقية، برأيه، يكمن في ذلك الصراع. كما أنه رجع إلى مناهج مؤرخين عرب قدماء آخرين، وكما نوّه في إحدى تعقيباته بأنه وهو يكتب عن ثورة العشرين في ملحق الجزء السادس من ( لمحات اجتماعية ) كان منهج الطبري حاضراً أمامه. وبذا لم يقع في فخ أية إيديولوجية من تلك التي عاصرها وهذا مما زاد من جمهرة مناوئيه. حيث أنه لم يضع نفسه تحت مظلة الأحزاب التي كانت تعطي صك المرور والشهرة على وفق مقياس الولاء الإيديولوجي. أما فرضيته عن ازدواجية الشخصية العراقية فأخذها من عالم الاجتماع الأميركي مكيفر.
تقول هذه الفرضية أن الازدواجية هي ظاهرة اجتماعية أكثر منها نفسية تولد نتيجة الصراع بين منظومتين من القيم ( قيم البداوة وقيم الحضارة ) حيث يميل الحضري إلى الاستقرار والسلم واحترام القانون والمهن فيما لا يرغب البدوي في الخضوع للدولة، يقول؛ "إن العداء العميق بين العشائر والحكومة الذي دام عدة قرون لا يمكن أن يزول بتأثير فورة حماسية مؤقتة" كذلك يأبى البدوي امتهان حرفة عملية، وتحركه العصبية القبلية، وتكون الغنيمة في نظر العشيرة دليلاً على شجاعة صاحبها. وقد تأصلت هذه الازدواجية بعدما تعرض العراق إلى موجات بدوية متعاقبة في تاريخه لوقوعه جغرافياً على تخوم الصحراء. كما حصلت هوّة بين التفكير وما يقوله الفرد وبين الممارسة والعمل. ويورد الوردي أمثلة كثيرة بهذا الشأن. ولعل للطبيعة المناخية العراقية المتقلبة بين صيف حار وشتاء قارص البرودة، وبين شح دجلة في مواسم الصيهود وفيضانه الذي لا يبقي ولا يذر في مواسم الأمطار دوره هنا، وهذا ما يلاحظه الشاعر الجواهري إذ يقول:
ودجلة زهو الصبايا الملاح تخوِّض منها بماء صرى
تريك العراقي في الحالتين يسرف في شحه والندى
يقول سيّار الجميل "ربما كان التأثير الجغرافي قليلا في صنع التناقضات، ولكن على امتدادات السنين سيخلق أنواعاً من الأمزجة الملتوية والسلوكيات المتنافرة".
وفي المقابل برز التناشز الاجتماعي ( وهذه فرضية الوردي الثالثة التي أخذها من اصطلاح الفجوة الثقافية التي قال به عالم الاجتماع الأميركي أوغبرن )، وسببه هو الاتصال بالغرب والدخول في عصر الاستعمار والتماس مع أفكار الغرب والتعامل مع تقنياته ومخترعاته الحديثة. والتناشز أيضاً له جانبان اجتماعي ونفسي إذ وقف الفرد العراقي مبهوراً ومصدوماً أمام قيم وتقنيات الغرب، قبلها حيناً ورفضها حيناً. وتتلازم فرضيات الوردي الثلاث تلك وتتداخل، حتى لتبدو وكأنها ثلاث صور ملتقطة من ثلاث زوايا مختلفة لوجه واحد.
أشار الوردي إلى أن شخصية الفرد هي نتاج اجتماعي محض. وفي هذا كان قريباً من الأطروحة الماركسية القائلة أن الفرد هو مجموع علاقاته الاجتماعية. وهنا، أيضاً، يوافق كل من دوسن وكيتز اللذين يريا الشخصية كممثلة للحضارة التي تنشأ  فيها.. يقول الوردي: "إن شخصية الإنسان، بما فيها من نفس وعقل وضمير وغير ذلك، ليست في الغالب إلاّ صنيعة من صنائع المجتمع الذي ينشأ فيه، ومن الممكن القول بأن الشخصية صورة مصغرة للمجتمع" ص33 ( شخصية الفرد العراقي ).
لم يعجب الوردي أسلوب الوعظ الذي يبرز المثال المفتقر للأساس الواقعي، فانتقده بشدة كونه أحد أخطر طرق التربية عندنا وقد دار كتابه ( وعاظ السلاطين ) حول هذه المسألة فالوعظ، على وفق وجهة نظره، هو منطق الظالمين والمترفين، وأن نزعات وغرائز الإنسان الأصلية هي التي تسيّر التاريخ وليس التفكير المنطقي.    
كان ذلك في حزيران عام 1994، يوم أقام اتحاد أدباء ديالى ندوة فكرية عن دور ديالى في ثورة العشرين.. كان من بين الحضور العلامة حسين علي محفوظ والدكتور علي الوردي، إلى جانب متخصصين في تاريخ العراق الحديث.. وفي تلك الندوة قيل كلام كثير عن الملاحم والبطولات والتضحيات فيما كان الوردي الجالس في الصف الأول يحاول استراق السمع ضاغطاً  بإصبعه على السماعة الصغيرة في أذنه، وبين الفينة والأخرى كان يكتب بضع كلمات في ورقة يضعها على ساقه. حتى إذا انتهى المحاضرون من قول ما لديهم طلب مدير الجلسة ( السيد عبد الحليم المدني ) من الوردي أن يقدم مداخلة طالما أنه كان يكتب ملاحظات عما يسمع، فاعتذر الوردي في البدء إلا أنه رضخ في النهاية لإلحاح السيد المدني، وصعد على المنصة وسط تصفيق الحضور.. وبحسب ما أذكر تطرق أولاً إلى كتابه عن ثورة العشرين ( ملحق الجزء السادس من لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث ) وكيف أنه لم يعجب كثيراً من الناس، وأنه في حقيقة الأمر اتخذ فيه منهج الطبري في المقاربة التاريخية الذي يتلخص بإيراد الروايات ووجهات النظر المختلفة التي نُقلت عن الواقعة، وهي هنا ثورة العشرين العراقية، تاركاً للقارئ حرية التقاط الحقيقة وفهمها استناداً إلى مرجعيته الثقافية وحدسه وذكائه ومن خلال فهم إيحاءات المؤلف المبثوثة في تضاعيف الكتاب. وبعد أن طرح بعض آرائه في الثورة، أو فيما قيل فيها، ومنها أن مؤرخي اليوم يسقطون مفاهيمهم ومعاييرهم الحالية عليها والتي لم تكن متداولة ولا معروفة ولا تشكل جزءاً من الوعي الجمعي في حينها، قال: "لا تنهض أمة من غير حماس، إلاّ أنها لن تنهض أبداً بالحماس وحده". وأحسب أن الوردي في عبارته الجلية والحادة هذه قد شخص داءً حقيقياً عانينا منه طويلاً. ذلك الداء الذي طبع إلى حد بعيد، روحية الحركة الوطنية العراقية وخطابها السياسي بطابعها في التاريخ المعاصر. وهذه الحركة نشأت جنيناً بدءاً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ونمت مع انطلاقة ثورة العشرين، وتأسيس الدولة العراقية الحديثة في عام 1921 وتبلورت بعد هذا التاريخ لتكتسب ملامحها عبر تجارب متباينة في أهميتها ونضجها ونتائجها.

المصادر:
1ـ  ( دولة الاستعارة القومية ) حسن العلوي.. منشورات روح الأمين.. ط1/ 1427هـ.
2ـ ( نزعة الحداثة في القصة العراقية ) الدكتور محسن جاسم الموسوي.. المؤسسة العربية للدراسات والنشر.. بيروت.
3ـ بعض مقالات الدكتور سيّار الجميل، ومحاضرته في غاليري الكوفة بلندن بتاريخ 20 أيلول 2005. ( كتاب موقع إيلاف )
4ـ بعض مؤلفات علي الوردي.