لم يعد الصمت ممكناً

لم يعد الصمت ممكناً

ينشر ملحق احتجاج الجزء الثاني من مقالات رئيس التحرير فخري كريم خلال الايام الماضية والتي نشرت كافتتاحية لصحيفة المدى وهي تؤشر لملامح مهمة من المشهد العراقي اليوم .. وتحاول ان تثير الكثير من علامات الاستفهام

من القصور الرئاسية إلى السجون "المسكونة".. دولة الآباء .. والبنين 
 (1)
أثبت العلم على امتداد الزمن منذ العصر الهيليني صدق الفيلسوف العظيم ديمقريطس، وهو يقول إن كل شيء يتغير، وانك لا تستطيع أن تسبح في النهر "الماء الجاري فيه" مرتين، رغم أن استنتاجه بني على التفكير المجرد، إذ لم تكن المختبرات التجريبية قد توفرت للفلاسفة والعلماء آنذاك. وإذا كان ماء النهر يتغير في كل جزء من مليون على مليار من الثانية ويتعذر عليك أن تخوض في نفس الماء سوى مرة واحدة، فأن مثل هذه التغيرات تنمو وتتراكم وتتحول بنفس المقاييس
غير المرئية في الحياة الاجتماعية والسياسية، وتنهي سلسلة تفاعلاتها إلى ما نواجهه من انتقالات نوعية في أشكال وأنماط وأساليب الحكم والحكام، وفي العلاقات الاجتماعية وتفاعلاتها، وفي انعكاساتها في سائر الميادين.
ولا غرابة ألا يدرك هذه التحولات وسيرورتها في الحياة السياسية، قادة الدول العربية المعاصرة، وكيف لهم أن يدركوا وهم عاجزون عن أن يبصروا ما يدور حولهم من وقائع ومعطيات وأحداث جسام، لا تخفى حتى على الضرير. وكما يبدو فأن عمى البصيرة هو الخيط الرفيع الذي يجمع بينهم جميعاً ويشدهم بوثاق لا فكاك منه إلى كراسي الحكم وحياة القصور والقلاع الملكية والرئاسية، ويوحي لهم بوهم الأبدية والخلود، فبعضهم يرى فيما هم عليه من أسباب الحكم والنعيم إنما هو قدر إلهي، وآخرون منهم لا يكلفون أنفسهم مشقة البحث، فكل شيء مقسوم لهم كتحصيل حاصل لا مردَّ له. ولن يخطر ببال أحدٌ منهم الاتعاظ بتجارب الآخرين ممَّن سبقوه، بل منهم من لا يرى حتى ما يدور من حوله وفي محيطه، وعلى مرأى ومسمعٍ منه، فيغضّّ النظرَ عن كل ذلك ويكتفي بصدى ما يقوله المرتزقة والحاشية المتزلفة المحيطون به، من انه سيد زمانه وحكيم حكماء قومه، وليس هناك من يعلو عليه قدراً وعلماً ودراية وخبرة في أصول إدارة الحكم وشؤونها، ولا طاعة لرعيته سوى له، فطاعته واجبة شرعاً وتقليداً، فتضيع مع الأوهام التي توحى له، أقدار الأمة ومصالحها.
 ومما زاد في غيِّ الأنظمة المستبدة التي استولت على مقاليد الحكم في البلدان العربية، الملكية منها والجمهورية الوراثية، أن بضعة عقود مضت من الجور والبطش الذي مارسته بحق شعوبها، دون أن تتلمس مظاهر تمرّد على حكمها سوى بضعة احتجاجات لـ"خارجين عن القانون" أو "جرذان" كما يسميهم الملتاث القذافي، يعزز من قناعة هذه الأنظمة أن ما تفعله هو موضع رضا الناس وقبولهم، وهو بالتالي قمين بالاستمرار على ذات النهج والتنعم على شعوبها بتوريث الحكم للبنين من بعدهم.
وغاب عن الحكام والأنظمة المستبدة، ما يمور تحت سطح المشهد السياسي والاجتماعي من تفاعلات عميقة وتراكم نوعي وما تختزنه الذاكرة الجمعية من وقائع لاستباحاتهم وانتهاكاتهم للمبادئ والقيم، وهي كلها تنتظر لحظة الانبعاث والتجاوز. ولهذا جاءت العاصفة المدوية في تونس ثم في مصر خارج السياق وخلافاً لأي توقع، وظلت أشبه بكابوس، حاول كل منهم، الراحل والمُنْتَظِر، أن يصده عن نفسه بالتعاويذ التي تعلمها طوال حكمه، رفضاً بالرصاص الحي ثم ممانعة وتسويفاً وتخديراً ثم قبولاً متقطعاً خجولاً، وانهياراً ذليلاً في نهاية المطاف.
لقد انتهى زمن النشوة المتغطرسة وحلَّ يوم الحساب، وهو ما لم يكن في حسبان أحدٍ من هؤلاء الطغاة الذين استباحوا كلَّ المحرمات ودنسوا كلََّ المبادئ والقيم، وتوهموا أن الدنيا استكانت لهم ولأولادهم وخاصتهم ومحازبيهم، ولم يخطر ببالهم أن الكراسي والقصور والقلاع لن تخلد لأي طاغٍ أو جلاد. ونشوة المتغطرس تجعله لا يمكن له تحت أي ظرف، سوى الموت، أن يتخيل انه سيتحول في لحظة ما نزيل سجن أو معتقل، وشاءت له تخيلاته وتهويماته أن تحجب عنه حكمة زيارة السجون لمعرفة أحوال بعض رعاياه ولو من باب وعظهم على بيعته وإبداء الندم على شقاوته في معارضة ولايته، ولو فعل ذلك لتعرّف على حال السجون ومحنة المسجونين، وقد يتسلل إليه ولو من باب الخيلاء انه قد يحل هو أو أبناؤه وآل بيته، يوماً في ضيافة واحد من سجون ضحاياه، وان تلبسته مثل هذه الحالة ولو كشاردة بنت هنيهة، لربما اوحت له بالاهتمام بالسجون وتهيئة بعضها على النسق الملوكي أو الرئاسي افتراضاً بأنه قد يحل نزيلاً فيه، أو تليق له بوزرائه ومسؤولي نظامه ممن تضيق بهم هذه الأيام، بعض معتقلات وسجون مصر، وتثير حفيظة السجناء من عامة الشعب النعيم والامتيازات التي تتهيأ للنزلاء الجدد من الحكام السابقين.

 (2)
إن نشوة الحكم ودوامها، كما تدونها سجلات التاريخ، وترويها مدونات الحكام منذ فجر البشرية، تُعدي بالتماثل على الجور، ولا توقظ أو تحذر وتعظ من سوء العاقبة والمصير. ونادرة هي الأمثلة التي قدمها التأريخ على انتباه ملك جائر أو حاكم مستبد على ما يقوم به ضد مواطنيه. كما لم يرد في سجل أحداثه، مثلاً على اخذ الطغاة بالحسبان لما ينتظرهم من مصائر وما يحل بهم وذويهم، وما كان عليهم أن يتداركوه من عاقبة لا توفر لهم خلاصاً. ولا داعي للاستجارة بالتاريخ القديم، فها نحن في قلب عاصفة الغضب التي أطاحت بحكام لم يتعظوا ولم يستدركوا حتى في اللحظات الأخيرة التي كان يمكن أن تمنحهم فرصة النجاة بأقل ما يمكن من التبعات والعواقب. ولم ينفع درساً عجزهم عن الإفلات من قبضة الشعب رغم كل ما بذلوه للنفاذ من الأزمة، لغيرهم من الحكام المتغطرسين الذين يتصرفون كما لو أنهم غير معنيين بالعاصفة، بل يتوهمون لقلة حيلتهم  بأنها  "ربيعٌ" جديدٌ يحلُّ على نظامهم المتصدع بفعل البطش والغلّو في العسف والتعدي على مواطنيهم.
ويظلّ هذا البعض من القادة الذين يثبتون كسَلهم وغفلتهم عن التقاط دروس تجارب مجايليهم من الحكام الذين سقطوا والذين ينتظرون، دون أن يرمش لهم جفنٌ وهم يرون دماء خيرة أبناء شعبهم تسيل، وغيظهم المكبوت، والمسكوت عنه يطفو على السطح، غضباً ونقمة وتصميماً على الحرية والخلاص، والحكام الجائرون لا يلتقطون قشة النجاة بوقف الاستباحات والرضوخ للإرادة الشعبية التي لا مردَّ لها، وإيجاد مخرج من العاصفة التي تحاصرهم، بالاستجابة لأماني شعبهم والاستغفار منهم على ما ارتكبوه بحقه من جرائم وتعديات، لعل ذلك  يفتح أمامهم طريق الخلاص ممّا هم فيه من مأزق ويحفظ لهم ماء الوجه وما يبقى لهم من كرامة.
إن عمر الصمت أو السكوت على الضيم قصير، فقد يُخدع الناس لبعض الوقت، كما يقال، لكن من المستحيل خداعهم كلَّ الوقت. ولكل قانون ما ينقضه وما يبطل مفعوله، وهذا ما ينطبق بالأساس على العلاقة بين الحاكم والمحكوم، والتاريخ مليء بابتكار الطغاة عبر التاريخ لأساليب كم الأفواه ومصادرة الإدارة وسن قوانين وتشريعات، لقسر المواطنين وإخضاعهم وكسر شوكتهم، لكن الزمن كان دائماً كفيلاً بتجاوز كل تلك الابتكارات وما كانت تشيعه السلطات وقوانينها من مظاهر الخوف والرهبة والاستسلام، لتتحول مع مرّ الزمن إلى قوة معاكسة، تفقد مفعولها ودلالاتها. وهي نفسها سرعان ما كانت تصبح مصدراً للتندر والسخرية من الحكام والتهكم عليهم، بعد أن يتم تفكيك عناصر هيبة السلطة وأجهزتها وأدواتها القمعية ويتداعى نفوذها مع تجرؤ الناس على تجاوز خوفها وسكوتها، بانتقالها من حالة المعارضة الصامتة المكبوتة، إلى ظاهرة النهوض والجهر بما يعكس نفاذ صبرها والتنفيس عن مكنونات غضبها الدفين ورفضها التسلط الأعمى.

(3)
يظهر من مجرى صعود العاصفة الجماهيرية المستدامة في العالم العربي، أن القيادات عندنا، باختلاف كتلهم وتياراتهم ومواقعهم، هم أيضاً لم يلتفتوا بعد لما تنطوي عليه التغيّرات العميقة التي يشهدها العالم العربي والنتائج التي ستترتب عليها، وليسوا في وارد أخذ العظة أو التجربة منها، ليرفدوا بها رصيد تجربتهم في الحكم وأسلوبهم في التعامل مع الدولة ومصالح المواطنين. كما يبدو أن بعضهم لا يتصور أن سيل النقمة الشعبية وتراكمها يمكن أن يجرفه، وان يضعه خارج الحياة السياسية، وقد تفيض النقمة عليه بأكثر من ذلك.
 وتزداد الشواهد والوقائع الملموسة، على أن مظاهر الاسترخاء والخدر التي توفرها مواقع السلطة ومسؤولياتها على اختلاف درجاتها وامتيازاتها، تدفع أعداداً متزايدة من المسؤولين المتنفذين إلى إعادة إنتاج سلوكيات وعادات تظهر في مجرى تشكل وتكامل ملامح الأنظمة الشمولية والاستبدادية ولا تبرز بوضوح إلا مع ما يبدو انه توطيد لأركانها. وهذه السلوكيات والقيم لا تظهر إلى السطح فجأة إلا مع تكامل بناء تلك الأنظمة على أسسٍ سياسية وتنظيمية وقيمية، وتتغير بفعلها الدولة بنيوياً، وان الملامح الجنينية التي تقوم عليها تتشكل كإمكانية في رحم كل الأنظمة الانتقالية، شبه الديمقراطية، وفي الدولة التي لم يكتمل بناؤها بعد كما هي عليه دولتنا الهشة، ولا تسلم منها أحيانا الديمقراطيات الحديثة، ولكن في بيئة الشرق وفي الأطراف، وفي تخوم المجتمعات شبه المتحضرة وهي تنتقل إلى عالم الحضارة.
إن الفضل في إشاعة مناخ الفساد والإفساد، وخلق الأسس التي تنطلق منها الأنظمة الشمولية في  إنتاج العادات والقيم المرتبطة بها يعود بامتياز إلى الحاكم المدني للاحتلال بول بريمر. انه أول من بذر نواة الفساد المالي والإداري وأغرى بالتجاوز على المال العام حين أقدم على توزيع مئات آلاف الدولارات وملايينها على وزراء ومسؤولين كبار في الدولة تحت بند تمشية شؤون الوزارات والمؤسسات الحكومية، ريثما تعد الموازنة الحكومية، والملفت في هذا التصرف المريب انه سلم المبالغ بلا وصولات رسمية، وبلا حقائب تقليدية، وإنما بأكياس "كونية".!
 وهو وليس غيره من اعتمد للمرة الأولى في العراق الجديد إحالة المقاولات بالجملة عبر الوسطاء العاملين معه، مترجمين كانوا أم مرافقين أو خبراء ثانويين، ومن هؤلاء من أصبح اكبر ممولٍ  ومليونير. وبفضل بريمر تكرّست المحاصصة الطائفية، وفي ظل وصايته أصبح الآباء والبنون حكاماً، يرث الابن موقع أبيه، أو يحتل حصة طائفته في الوزارة ومراكز القرار الأخرى في الدولة.
ولا ينتهي هذا المسلسل من إشاعة مناخ الفساد والإفساد وإباحته، في جسد الدولة الجديدة وبنيانها الرخو من أساسه، بل يتواصل ليشمل كل ميادين إعادة بناء الدولة العراقية والعملية السياسية فيها  ومفهوم المصالحة المعتمدة وقاعدة المنظومات الأمنية والعسكرية المقامة فيها، وغيرها من الميادين والمجالات الحيوية التي يتوقف على وجهة سيرورتها وتطورها، استكمال تكوين العراق المدني الديمقراطي الاتحادي الموحد، ومستقبله.
ومع رحيل بريمر أصبحت قيد التداول قراراته وتوجهاته، وخلف وراءه تقاليد عمله ومناخ الفساد والأدوات التي اعتمدها في إرساء قواعد بناء الدولة وهي تتكوّن. 
وهذه التقاليد التي تنخر اليوم في كيان العراق، وتشتت أي جهد لاستنهاضه والحيلولة دون تعمق أزمته البنيوية. فالفساد أصبح آفة ملازمة لتوأميه، الطائفية والإرهاب.
والصراع الدائر بين ملوك الطوائف وأربابها وأمرائها، وفي إطار كل منها، تتسع مساحته ودوائره وتقوى بصيلاته وجذوره. فالنهب لم يعد يقتصر على الاستيلاء المباشر على المال العام، بل تنوع من حيث الوسائل والمنافذ ولم يعد من السهل التصدي له وتصفية مظاهره، فهو بات يمر عبر وسطاء عرب وأجانب، ومن خلال توجيه الموارد وتبديدها في غير وجهتها الصحيحة، على مشاريع وهمية أو  يزعم أنها تعاد أكثر من مرة، ويكفي متابعة ما قاله مسؤول من على شاشة التلفزيون وأمام مرأى ومسمع من المشاهدين إن إعادة تبليط بعض الشوارع في بغداد ثلاث مرات يعود لضعف خبرة المقاولين العراقيين.!

 (٤)
ويطل علينا مشهد البنين وذوي القربى والمتزلفين والحواشي كجانب آخر للفساد الذي ابتكره بريمر، بالصيغة التي وافق عليها في تسمية الأبناء للتناوب على المشاركة في اجتماعات مجلس الحكم وفي تشكيل أول حكومة ظافرة. فقد اعتمد تفويض كل عضو في ترشيح من يمثله فيها.
ومن اليوم المشؤوم ذاك تقافز الأبناء والبنات والأقارب وآلُ البيت إلى مراكز النفوذ والدرجات الخاصة في قمة السلطة وإطرافها المثلومة حتى كاد حضورهم المهيمن أن يطغي على المشهد السياسي كله، ويبعث في النفوس الملتاعة المزيد من الكرب والنقمة والشعور بالإحباط.
ومن لا يصدق فليرافق خلسة احد السعاة المتنفذين في مراكز القرار وفي مختلف الوزارات والدوائر الحكومية ليرى بالعين المجردة،  مشاهد الآباء والبنين وهم يتحكمون في إدارة الدولة ومصالح المواطنين قبل أن يحين موعد فطام الدولة المسبيّة وتشب عن الطوق .!
أثار معي صديق تفاقم هذه الظاهرة وتساءل عمّا إذا كانت بداية مبكرة لظاهرة التوارث والهيمنة العائلية على السلطة في البلاد. واستعرضنا معاً تجلياتها في مختلف مواقع ومرافق الدولة وشخصنا حالاتها الملموسة، فلم نجد من بينهم سوى مدراء عامين ومستشارين ووكلاء وزارات ومدراء مكاتب ومعاوني مدراء ومساعدين أو موظفين بدرجة خاصة ولكن في المراتب الدنيا. والأقل تأثيراً فيهم، تبين، أنها مديرة مكتب والدها بالباطن أو مدير غير مسمى لوالده أو زوج شقيقته أو شقيق زوجته. واغرب حالة مرّت علينا، مشهد ابن يذهب ليتسلم  نيابة عن أبيه  وزارته من الوزير السابق.!
إن ما تعيشه دولتنا اليوم يشهد على تطور يحسب لها، إذا ما أجرينا مقارنة بالوزارة السابقة التي استعان وزير فيها بكل أركان عائلته لتشكيل طاقمه الوزاري، ولم يبق فيها سوى حفيدته التي اهتمت الوزارة في تهيئة روضة خاصة بها في حرم الوزارة.
لقد وجدت في الحراك الجاري في أروقة الدولة بين الآباء والأبناء، عاملاً ايجابياً، قد ينتج عنه صراع خفي وتجاذبات داخل الأحزاب والكتل والمكونات يؤدي في المحصلة النهائية إلى إعادة اصطفافات وفرز لصالح تقويم العملية السياسية وإضعاف للتجمعات الطائفية وتفكيك لبعض جوانب الفساد.
ولمن لا يعرف خلفيات نشوء وتطور التوارث في الأنظمة الجمهورية، فأن بنات وأبناء وزوجات الرؤساء والوزراء في مصر وتونس وفي اليمن وليبيا والجزائر وغيرها من بقاع العالم (الاشتراكي) السابق بدأ كل منهم،  مجرد موظفين صغار، وعمل بعضهم "بكده وعرق جبينه" سمساراً لدى رجل اعمل أو صيرفياً، وبفضل نبوغهم المبكر، ودون تدخل مباشر من أولياء أمورهم الرؤساء والوزراء والمتنفذين، أصبح بعضهم قادة فرق وفيالق، كما هو الحال في اليمن وليبيا وغيرها، والبعض الآخر جنى الملايين والمليارات، ورغم كل ما يمكن أن يقال عن هذه الظاهرة، فان الحقيقة تشير إلى أنها لم تتحقق إلا بعد عقود من سلطة الآباء وتسلطهم على مصائر البلاد والعباد، فأي زمن خرافي، يعيشه العراق الديمقراطي، لتبدأ فيه رحلة المشاركة في الحكم قبل التوارث ولما تزل الدولة تحبو ولم يحن بعد فطامها.
في التعرف على الحقيقة حول ادوار الآباء والبنين، يكفي السؤال أو الاطلاع عن قرب على موظفي الدولة الكبار، وعلى المكاتب، وسجلات الرواتب، فستظهر أسماء وأرقام وأعمار ودرجات وفضائح، ومن لا أثر له فيها، فابحثوا عنهم في مكاتب الشركات الكبرى  والوسطاء والسماسرة المعروفين في عمان وبيروت ودبي والقاهرة وهناك ستعثرون على من ضاع أثره عليكم. فلا تعجبوا إذا ما وجدتم شركاء الأبناء والأقارب ورجال الدولة المترفين منهم والزهاد، الشركاء السابقين لعدي، وحاملي كوبونات النفط ومن على شاكلتهم. ولا تخشوا من ضياع اثر احد منهم، فهم ظلوا محافظين على سيمائهم ولم يحوروا ملامحهم السابقة بالعمليات الجراحية التجميلية، لأنهم لا يجدون فيها غضاضة أو خشية من ماضٍ معيب كما نتوهّم، لأن ماضيهم إنما هو جواز مرور لهم لا يرد، فقد تعلموا فنون البزنس ومتطلباته في مدرسة عدي، وأصبحوا مراجع وفقهاء في أصولها وفروعها.
بقي أن نتمنى على كل المسؤولين والوزراء وقادة الكتل والأحزاب والنواب، التوابين منهم والأصلاء أن يخصصوا بعضاً من وقتهم الثمين للاطلاع على رحلة الرؤساء العرب المغيبين منهم في المعتقلات والسجون، والذين لم تتحدد مصائرهم، وما إذا كانت رحمة السجن ستستر عليهم أو ينفتح أمامهم باب الهروب، لعلّ فيها نافذة للرحمة والمغفرة، لكن فيها دون أدنى شك مساحة واسعة للمتعة والتندر المفيد.الدولة المنسية..
وثلاثية الفساد والإرهاب والطائفية

(1)

كان من الممكن أن تشكل لحظة سقوط الدكتاتورية في ٩ نيسان ٢٠٠٣ منعطفا تاريخيا لا تنتهي فيه، الحقبة الاستبدادية وارثها حسب، وإنما يتم فيه ايضا إرساء الأسس السياسية والقانونية والأخلاقية، لإيقاف مسلسل التصفيات السياسية بوسائل القمع للخصوم وحَمَلَة الرأي الآخر والمختلف.
هذا ما كان يتوقعه المواطنون بمختلف مشاربهم السياسية والفكرية والتكوينية ، وبضمنهم القاعدة الاجتماعية الواسعة التي ارتبطت بالنظام السابق ، على غير هوى منها واقتناع ، بعد أن أصبح الانتماء لحزب البعث وإعلان الولاء له ، شرطاً لانجاز أي معاملة او توظيف او دراسة وتدريس او إجازة مرور. ولم تكن الجامعات  والتجارة او الجيش والقوات المسلحة ومؤسسات الدولة بكل مرافقها بمنأى عن هذا الشرط القسري الملزم.. وفي  هذا السياق، وفي اطار التوجه لتبعيث الدولة والمجتمع ، شرع " مجلس قيادة الثورة " سلسلة من القوانين الجائرة، اعتبر بموجبها حزب البعث العربي الاشتراكي ، الحزب القائد للدولة والمجتمع، وإيديولوجيته مصدراً وحيداً للإلهام والتوعية والتأهيل بدءاً من رياض الأطفال حتى دُور العَجزة . وحرّم العمل السياسي والتنظيمي والتعبوي لغير حزب البعث ، في جميع القطاعات والمنشآت الحيوية، ومرافق الدولة الحساسة، وفي مقدمة هذه المؤسسات القوات المسلحة والجيش والأمن والمخابرات . ولضمان التضييق على أي خروج عن هذا التوجه ، تم سن قانون يحكم بالإعدام على كل منتمٍ لحزب البعث تسول له نفسه الخروج منه والانضمام إلى أي حزب او تنظيم آخر ، حتى إذا كان حليفا للبعث او موالياً له . واقترن هذا التوجه التبعيثي بعسكرة المجتمع وإيجاد اطرٍ لتطبيقه ، في رياض الأطفال والمدارس الابتدائية والثانوية والجامعات، ثم في سائر دوائر الدولة والقطاعات الأخرى التي لا تطالها هذه التوصيفات ، ومن هذه الأدوات فدائيو صدام وجيش القدس . وبهذه الحزمة شدد من قبضة البعث والنظام على المواطنين وضيّق عليهم الخناق ، وحال بين المواطنين العازفين عن هذا الانتماء واللجوء إلى أي تدبير او مناورة .
ويتبين من كل هذا ، ان ملايين العراقيين الذين سُجّلوا قسراً ولاعتبارات مختلفة في البعث ، خلافاً للقناعة الإيديولوجية والسياسية ، أصبحوا بعثيين وان " لم يؤمنوا " ، مثلما أصبح الآخرون من المواطنين الذين شاء حظهم أن لا يواجهوا محنة الانضمام القسري إلى حزب السلطة " بعثيين وان لم ينتموا " كما أطلق عليهم صدام حسين ، إمعاناً في حصارهم .
 ويتذكر من كانت لهم قرابات او صداقات مع كثرةٍ من هؤلاء المنتمين ، ان بعضهم كان يعيش لحظات كابوسية حينما كان يتلقى " التشريف " دون إرادة منه بالتقديم في المهمات الحزبية ، التي قد توحي له بالتصفية لأية هفوة يصدف أن يرتكبها خلافاً لإرادته او بلا وعي منه . وليس هذا السرد لحقائق الوضع الملتبس في ظل النظام البعثي السابق ، تزكية لمن كانوا القاعدة الفعلية للبعث ولنظامه ، او لأولئك الذين كانوا أدواته ومنفذي جرائمه وارتكاباته بحق الشعب العراقي او من واصلوا حمل رسالته الإيديولوجية الفاشية متفاخرين بـ" عروس ثورته " وزانياته الأخريات عبر عقود سلطته وحتى اليوم . فهؤلاء طغمة معروفة ، لا ينبغي إسدال الستار على جرائمهم تحت أي شعار او مبرر ، ولا بد لكل منهم أن يأخذ جزاءه وعقوبته أمام القضاء العادل وليس بأي وسيلة انتقامية أخرى .
لقد انهار النظام الدكتاتوري في ظرف تميز باشتداد عزلة ذلك النظام شعبياً ، بغض النظر عن المظاهر الخادعة، التي كان يروج لها الدكتاتور ولم تقتصر تلك العزلة على الأوساط الشعبية التي أنهكها الحصار والتدابير القمعية ، بل شمل الجيش والقوات المسلحة التي أُذلّت كرامتها وأُهينت مراتبها وأُلحقت بها الهزائم والانكسارات في المغامرات الطائشة للدكتاتور ومن خلال تهميش قيادتها على أيدي أبنائه وزبانيته ، ويكفي الإشارة إلى ما بدا استسلاماً مذلاً للجيش والقوات المسلحة أمام القوات المتعددة الجنسية نهار ٩ نيسان وغياب أي مظهر " للمقاومة " عسكرياً وسياسيا . وهو في واقع الحال لم يكن إلا تعبيرا بليغاً ، باللغة العسكرية عن رفض النظام والتمرد السلبي عليه . وتكتمل صورة هذا الموقف بترك الجنود والمراتب والضباط لمواقعهم وقطعاتهم والعودة إلى بيوتهم ومناطق سكناهم ، بل انهم كانوا قد تهيأوا مسبقا لمثل هذا الموقف ، بجلب ملابسهم المدنية " الشعبية " معهم.!
 إن هذا الموقف الكامن ، الذي جرى التعبير عنه بالصيغة المذكورة ، لم يكن ليكتمل ، دون  إبراز ملامحه الأخرى في المشهد الشعبي الذي ظهر للعيان على العالم المتقطع الأنفاس ، وهو يتابع شاشات القنوات العربية والعالمية التي تنقل خروج المواطنين الى الشوارع وأمام البيوت وفوق السطوح ، وعلامات الفرح والأمل تغمر وجوههم ، لا ترحيباً بالاحتلال وإنما سعادة بالخلاص من الطاغية ونظامه .
هذا المشهد وتلك اللحظات التي اكتملت فيها ملامحه ، كانت تعبيراً عن انعطافة تاريخية لإسدال الستار على عقودٍ من الاستبداد ومصادرة إرادة الشعب ، وتكريس مصالحة مجتمعية ، سياسية وأخلاقية ، تنخرط فيها القاعدة الاجتماعية بكل تجلياتها ، بمن فيهم المنضوون في صفوف البعث وان لم " يؤمنوا " او المنتمون "على كراهةٍ منهم "  او " البعثيون وان لم ينتموا "، وتتوحد من خلالها إرادتهم مع أنصار التغيير ،  في احتضان النظام الجديد وتكريس أسسه الديمقراطية على قاعدة المواطنة والحريات والمساواة والعدالة الاجتماعية . وبمثل هذه الخطوة الوطنية الحكيمة كان ينبغي أن يتم فرز وعزل فلول البعث والقيادات والكوادر المؤدلجة بـ" بإيمان " وطواعية على مواصلة حمل الراية المهلهلة للاستبداد ، وكان ممكناً عبر ذلك أيضا تشديد الخناق عليهم بأدواتهم السابقة ، وتجفيف مصادر تأمين حمايتهم ومد يد العون لهم او ترتيب خطوط إعادة تحركاتهم  ، والاهم في ذلك كله ، تصفية المناخ السياسي والاجتماعي الذي يستظلون به.
لكن أحدا لم يمسك هذه اللحظة التاريخية النادرة، ولم يلتفت إلى ما توحي به ملامحها الايجابية ومغزاها. ان ضياع تلك اللحظة، أشر لمرحلة التحول من التصفيات الجسدية التي كرسها النظام الدكتاتوري المستبد ضد الشعب ، الى التصفيات على الهوية بين الطوائف والملل والمكونات ، وإعادة الاصطفاف الاجتماعي والسياسي على أساسه ، وضاعت في خضم الجرائم التي ارتكبت تحت لافتاته الفرصة التاريخية للمصالحة الحقيقية وترميم النسيج الوطني العراقي.
فكيف يمكن تجاوز نتائج وتداعيات خيبة ضياع فرصة المصالحة الوطنية المجتمعية الحقيقية ، والتأسيس لانبثاقها من جديد؟الدولة المنسية.. وثلاثية الفساد والإرهاب والطائفية

 (2)
 
في خطوة تفتقر الى الحكمة وبعد النظر، أصدر الحاكم المدني للاحتلال بول بريمر"قانون اجتثاث البعث"، قاصداً أو"متظاهراً"بذلك انه يستهدف إقصاء أزلام النظام الدكتاتوري عن المراكز الحساسة والحيوية في الدولة، وتجريدهم من إمكانية تجميع قواهم ثانية وإعادة تنظيمها في القوات المسلحة والجيش للوثوب الى السلطة ثانية عبر الانقلاب العسكري. لكن ما يثير الشك في نوايا بريمر، انه كان في نفس الوقت، يوسع دائرة المحيطين به من رجالات البعث ونظامه
من العاملين في القصر الجمهوري والدوائر الحساسة الأخرى، بدعوى أنهم"موالون"للتغيير! دون أن يكلف نفسه عناء التوثق من القيادات العراقية المعنية بالتغيير عن السيرة السياسية لهم، بل على العكس من ذلك فقد أصبح هؤلاء هم مجساته للتعرف على الأوضاع العراقية ومستجداتها ورجالاتها"الصالحين".! وقد ذهب أبعد من ذلك، باعتماده على العديد من هؤلاء في الإشراف على إعادة بناء الوزارات ومؤسسات الدولة.
وقبل وصول بريمر كانت القوات الأميركية قد دخلت الى بغداد وهي تحمل صور (٥٥) مطلوباً من قادة البعث والنظام الدكتاتوري المنهار، مطبوعة على ورق اللعب"كوتشينة- دسته" التي سبق وان نُشرت وعُممت على نطاق واسع في وسائل الإعلام العالمية على امتداد الفترة التي مهدت لبدء العمليات العسكرية على قوات صدام حسين.
وكان القصد من تعميم"الكوتشينة - دسته"الإيحاء بان الخمسة والخمسين من قادة النظام هم وحدهم من يتحملون وزر الجرائم التي ارتكبتها الدكتاتورية طوال عقود تسلطها، وهم المستهدفون بالقصاص، أو هكذا أرادت الرسالة أن توحي.!
وبالفعل تبين في ما بعد أن قوات الاحتلال لم تحفظ في"حاسباتها"معلومات عن غيرهم مطلوبين للملاحقة القضائية سواءً كانوا من العسكريين أم المدنيين، مما سمح لقيادات معروفة بالمسؤولية عن جرائم النظام بالإفلات من قبضة العدالة والمغادرة الآمنة الى دول الجوار عبر المنافذ الحدودية الرسمية، وهم يحملون وثائق عدم تعرض من مكاتب الحاكم المدني، سهل لهم الحصول عليها رجالات القصر الجمهوري السابقون، الذين أصبحوا موظفين متنفذين في مكاتب بريمر"ومجساته العراقية"الموثوقة.
إن تحديد ٥٥ مطلوباً من قيادات النظام السابق والتبرئة الضمنية لغيرهم، شكّلَ أول صدمة أخلاقية لملايين العراقيين الذين عاشوا طوال 3٥ سنة في ظل سلطة لم توفر وسيلة لتشويه"آدميتهم"وازهاق أرواح مئات الآلاف منهم في حروبها ومغامراتها العبثية الداخلية والخارجية، وإلحاق الدمار بالبنية التحتية للبلاد وتبديد وإفراغ الخزينة من احتياطياتها وإثقال الميزانية العراقية بالديون الباهظة التي تجاوزت تريليون دولار، بالإضافة الى نشر الخراب والتخلف والأوبئة في أرجاء البلاد.
لقد كان من المفترض أن تلتقط القوى السياسية وتتفهم المغزى العميق من"الكوتشينة - دسته"باعتبارها رسالة مقصودة من المحتلين"المحررين"تعكس محاولة بـ"وسيلة الحرب"لاستدراج العراقيين لتنفيذ"الخطة-المشروع"الذي دعت الى إمراره، الدبلوماسية الأميركية سواء بشكل مباشر بإغراء صدام حسين على قبوله، أو عبر بعض الحكومات الخليجية التي روجت له وفاتحت به الدكتاتور مباشرة. وكانت الخطة- المشروع، تقضي بالإبقاء على النظام القائم كما هو عليه، ولكن بلا صدام حسين وأولاده والطغمة المفضوحة المحيطة به!
ومعروف الآن أن دولاً عربية وإقليمية، كانت متحمسة للخطة الأميركية المذكورة، لأنها رأت فيها ضماناً للحفاظ على البنية السياسية والتركيبة القائمة عليها، وهو ما يدرأ عنها ما تخشى أن تكون تغيرات دراماتيكية، تغير من موازين القوى في المنطقة لصالح إيران. وهذا التوجس الذي كان يخفي في حقيقة الأمر نزعة طائفية مشبوهة، وعداءً"قومانياً"مضمرا للكرد والقوميات المتآخية الأخرى التي يجمعها النسيج العراقي الوطني، وهو الذي دفع هذه الأوساط والدول الى دعوة الإدارة الأميركية لتمكين صدام حسين من قمع انتفاضة  31 آذار عام ١٩٩١ من خلال السماح له باستخدام المروحيات العسكرية وتحريك الدبابات لسحق المنتفضين.
إن القصور السياسي أوحى لذوي الأمر من العراقيين أن الرغبة في إيجاد أرضية مناسبة للمصالحة بين مكونات المجتمع هي التي اوحت للأميركيين بـ"كوتشينتهم"وما أقدموا عليه من تحديد دائرة المسؤولين المجرمين من النظام السابق. كما أن البعض منهم تبنى الادعاءات الإعلامية التي جرى أوسع ترويج لها في الصحافة الأميركية والأوربية ووسائل الإعلام العالمية الأخرى، ودفعت باتجاهها بلدان خليجية وعربية، والتي كانت تقول بان النظام السابق كان"نظاماً سنياً"وان سلطته كانت تعبر عن مصالحهم. وهذا يعني في نهاية المطاف أن الصراع الذي يشهده العراق الجديد، إنما هو صراعٌ بين السنة والشيعة والكرد.
لقد كان لهذا التوجه السياسي،الذي ربط السنة العرب بالنظام الدكتاتوري وصورهما كتوأمين متلازمين، من حيث التمثيل المذهبي والتعبير عن المصالح، انعكاسات خطيرة على العملية السياسية ومجرى تطورها ومستقبل النظام الديمقراطي المدني المنشود.وكانت وسائل الإعلام العربية مبادرة في الترويج لهذا التقسيم للعراق على أساس طائفي وعرقي، وسباقة لإطلاق التسميات التي تعبر عن ذلك. فهي أول من وضعت خارطة مذهبية للمناطق المختلفة التي لم تعتد عليها الذهنية العراقية، إذ أطلقت للمرة الاولى مصطلح المنطقة الغربية"السنية"و"الجنوب الشيعي"والتكوينات المناطقية الأخرى وفقاً للطبيعة الدينية والمذهبية والعرقية والقومية فيها، وهو ما لم يكن في وعي العراقيين ولا في ذاكرتهم الجمعية.
وكانت الدوائر الأميركية سباقة هي الأخرى في الترويج لهذه المفاهيم والتوجهات، وهي التي كرست دولة ملوك وأمراء الطوائف والملل قبل سقوط الدكتاتورية، بل في وقت أبكر من ذلك بكثير حيث تركز الجهد الأميركي بالتعاون والمشاركة المباشرة وغير المباشرة مع الدول العربية والإقليمية المعنية بالشأن العراقي ومستقبله، العربية السعودية وإيران وسوريا ومصر والمملكة الأردنية وتركيا وغيرها من الإمارات والدول الخليجية، على تكوين إطار للمعارضة تنتظم فيه القوى والأطراف العراقية وفقاً للانتماءات الطائفية والدينية والعشائرية والمناطقية. وهذا ما نجحت في تحقيقه، الدول المذكورة. وكان لتلك القاعدة التي قبلت بها الأطراف الرئيسية في المعارضة أوخم العواقب على العراق والعراقيين وانعكست في الانقسام الذي عاشه العراقيون بعد ٩ نيسان ٢٠٠٣ وما تزال نتائجها تتفاعل سلبياً حتى الآن.
إن الفراغ السياسي والإداري الذي أعقب سقوط النظام الدكتاتوري، وغياب رؤية وإرادة مشتركة توحّد معارضي الأمس، وإحكام القوات الأميركية سيطرتها على شؤون البلاد، حتى قبل فرض الاحتلال بقرارٍ أممي، خلق بوتيرة سريعة بيئة سياسية انتعشت فيها قوى الردة، مستفيدة من انطلاق القوى الكامنة التي ظلت مأسورة الإرادة طوال عقود وعهود، لتشيع القلق والمخاوف بين المكون العربي السني، ولتستدرج أوساطاً منه الى تبني مفهوم توأمته مع البعث ونظامه، ولتثير المخاوف بين صفوفه من الحملات الانتقامية التي يمكن أن تتعرض له.
وقد غذّى هذا الاتجاه السلبي، الانتقال الجماعي لقواعد النظام السابق من القيادات والكوادر المعروفة ومن المراتب العسكرية العليا الى مدن المنطقة الغربية، الفلوجة والانبار، التي أصبحت حتى قبل ٩ نيسان، مرتعاً وطريق مواصلات للقاعدة والتنظيمات والميليشيات المسلحة، التي قَدم بعضها في وقت سابق الى العراق لنصرة صدام حسين. وترافقت هذه الهجرة السياسية المقصودة مع حملة إعلامية وسياسية متصاعدة من الأنظمة العربية الطائفية بطبيعتها، وكذلك من الأوساط القومانية الشوفينية المتمذهبة في نزوعها، تتهم القوى العراقية بالعمالة للاحتلال والامتداد لإيران، وتستنفر العرب والمسلمين للجهاد ضد الغزاة والحكم الجديد.
في هذا الوقت كان بريمر قد أصدر فرمانه الشهير بـ"الحكم على الميت"أي حل الجيش العراقي الذي شكل إعلانه، عامل تحفيز على الاستقطاب السلبي، كما جاء فرمانه الثاني بـ"اجتثاث البعث"ليعزز القناعة بأن حملة تصفيات انتقامية قادمة لا محالة. ولتوخّي الموضوعية لابد من الإشارة الى أن انتقال الكثرة من القادة السياسيين والعسكريين  المعروفين بهوية طائفية معينة والذين انتقلوا الى  المناطق الغربية، واستهداف العديد منهم الذي جرى ليس بسبب انتمائهم الطائفي وإنما لارتباطهم القوي بالنظام السابق وولائهم المطلق للبعث، قد عمّق القناعة، لدى شرائح واسعة بعيدة عن العمل في الحياة السياسية المنظمة، بان عليها أن تتيقظ وتستعد وتلتئم على بعضها البعض، تحسباً لما سيأتي من أيام مشؤومة.واستفاد بقايا البعث والقاعدة وأنصارهم من هذا التحول الذي جرى في اصطفاف القوى ودفعها الى تغذية ذلك بكل الوسائل المتاحة، وقد كانت كثيرة، بفضل سياسة"الكاوبوي"التي انتهجتها القوات الأميركية وممثلو الإدارة السياسية في مكاتب بريمر، وتحول الصراع الذي كان يفترض أن يوحد العراقيين ضد بقايا الدكتاتورية وأنصارها وإيديولوجيتها الفاشية، التي تخلصوا منها تواً، الى صراع بين المكونات العراقية نفسها، لتبدأ أسوأ مرحلة من المواجهة الدموية والتصفيات على الهوية.
ولم يكن ذاك الذي جرى"قدراّ محتوماً"، أو تطوراً موضوعياً لا رادّ له...
ولكن هل كان ذلك تعبيراً عن ضعف تكويني في وعي القيادات السياسية، أو انعكاساً لقلة حيلة وانعدام تجربة؟
أم كان في الأساس استراتيجية التقت عند تخومها أهواء ومصالح؟الدولة المنسية وثلاثية الفساد والإرهاب والطائفية: التمثيل المخل للطوائف ودوافعه المشبوهة

  (3)

إن عودة إلى الماضي قليلاً ، للتعرف على الإصطفافات التي تكونت في السنوات الأخيرة من عمر النظام البعثي الشمولي ، توفر للمتتبع أن يرى أن الحياة السياسية في الداخل ، أُفرِغت تقريبا من الأحزاب السياسية المنظمة ،
حيث تمكن النظام  من إلحاق أقسى الضربات بالتنظيمات الديمقراطية والقومية ، وان يصفي قواعدها وكوادرها دون أن يوفر أي وسيلة قمعية وحشية . وفي خطوة تالية ، شدد صدام حسين قبضته على حزب البعث وجرده من أي مظهر للتعبير عن رأي أو موقف آخر في مواجهة خططه الجهنمية المغامرة ، على المستويين الداخلي والخارجي ، وحوله إلى أداة عشائرية أولا ثم إلى إطار عائلي محكوم بإرادته الفردية المطلقة.
وإمعاناً في نهجه هذا ، صفى صدام حسين جميع خصومه أو من افترضهم منافسين له من العناصر القيادية والكوادر التابعة من صفوف البعث  بوسائل لم تكن بأرحم مما استخدمها مع الأحزاب والقوى الأخرى .
في مثل هذه الأجواء التي سادتها التصفيات الجماعية المشبعة بالوحشية والانتقام ، وإفراغ الحياة السياسية من أي صوت أو صورة ، سوى صوت وصورة صدام التي لم يعد أمام العراقيين ما يسمعون أو يرون  غيرها ، خيم اليأس والاستسلام واللامبالاة على أوسع الأوساط الشعبية ، وحل الشك وانعدام الثقة حتى بين أفراد العائلة الواحدة.
وكان من آثار ذلك ، ومن أخطاء ارتكبتها قوى وطنية بحق نفسها قبل غيرها، تدهور في القيم والمفاهيم وتراجع في الحياة السياسية والفكرية وانغلاق في الأفق . وازداد الوضع التباساً وإرباكاً بسبب مواقف وسياسات " البلدان الاشتراكية " التي اعتبرت العراق والأنظمة العربية المماثلة لها آنذاك  إطاراً لحركة التحرر الوطني ، وأطلقت على إجراءاتها الاقتصادية الفاسدة ، " توجهاً لا رأسمالي "  وجرى الاحتفاء بها وتقييمها ليس بالانطلاق من سياساتها الداخلية القمعية المعادية للديمقراطية ، وإنما اعتماد على سياساتها الخارجية المنافقة ذات الوجهين المتناقضين ..، على أنها" نهج " وطني معادٍ للامبريالية "  وبفعل تلك العوامل مجتمعة ، اختلطت على الأوساط الجماهيرية التوّاقة إلى الحرية و العدالة الاجتماعية ، المفاهيم والأفكار والتوجهات بما كان يروج لها البعث في العراق ، والأحزاب الرسمية في البلدان الأخرى على أوسع نطاق باعتبارها تجسيداً عملياً على تطلعاتها ومعتقداتها ، ووظفت لتسويق بضاعتها الرثة، إجراءاتها الاقتصادية وسياساتها الاجتماعية التي قدمتها على أنها تنطوي على الطابع "الاشتراكي التقدمي" المنشود.
 وبهذه الصورة المزورة تم تسويقها والترويج لنماذجها في المنظمات والمحافل الدولية، كل هذا كان يجري بالتزامن مع اشد الحملات القمعية والتصفيات الجسدية ضد الشيوعيين والتقدميين والقوميين والحركات الإسلامية المناهضة للبعث .
لقد تعمقت العزلة السياسية التي أحاطت بالمجتمع العراقي خلال العقدين الأخيرين من عمر النظام، وشددت من تأثيراتها حالة الإفقار والعوز التي تعرضت لها كل الشرائح الشعبية، وفاقمتها أيضاً العزلة عن الخارج وما أصاب المجتمع نتيجة لذلك من انهياراتٍ وتخلف وتدهور في كل الميادين والمستويات العلمية والثقافية والاقتصادية والتعليمية ، انعكس على المستوى العلمي والخدماتي والمعيشي ، وأنتج هياكل وعادات وتقاليد وقيما اجتماعية وأخلاقية مقطوعة الجذور عن الماضي وتراكماته الايجابية في سائر ميادين الحياة الإبداعية والخلاقة . لقد سعى النظام بكل ما تيسرت له من الأدوات لتحطيم الشخصية العراقية المتوازنة الايجابية وتفكيكها وإعادة خلق نموذجين متقابلين، نموذج الضحية المنكفئة اليائسة المشدودة إلى الرغبة على البقاء، والبحث عن مصادر ديمومة الحياة بعيداً عن الانكسارات والضياع، ونموذج الجلاد، الذي يعيش على حساب ضحاياه، وبينهما جمهور تسحقه الفاقة والقلق، ويستدرجه الأمل الذي سرعان ما ينطفئ، كلما لاح بريقه .
ومن كثرة الآمال التي كانت تلوح في الأفق وتتوارى خيوطها وراء السدم ، هجر العراقيون التفاؤل من إمكانية الخلاص من النفق المظلم الذي تسللت إليه البلاد في السنوات الأخيرة .
لقد ضاقت فسحة الأمل في النفوس حتى بدت كما لو أنها الوهم بعينه ، خصوصاً، بعد سلسلة الأزمات التي كانت تشدد الخناق على صدام حسين، وسرعان ما تنفرج عنه ، بما يشبه المعجزات وبالذات أثر فشل انتفاضة آذار 1991.
وفي المسافة التي كانت تفصل بين انطفاء ومضة الأمل، وصعود آخر الأزمات التي تلمّح لنهاية صدام حسين وبين الشك والخوف من ضياع فرصة جديدة ، سقط النظام الاستبدادي ، وتداعى بنيانه وتصدع الصنم وانهار وسط اندهاش وتردد وعدم تصديق .
وكل ما تكون بعد ذلك من مشاهد الفوضى والنهب والحرائق والقتل المجاني وتراجع الأمن والأمان ومناطق العزل الطائفي والعرقي وظواهر الشبّيحة  والحواسم والانتقالات الفجائية من حال إلى حال ، والتغيرات المناخية والاختلاطات الأخلاقية ، لم يكون سوى أطار اللوحة السياسية والاجتماعية التذكارية للمشهد العام للعراق الجديد الذي وقع مراسيمه الأولى بول بريمر  وباركها ملوك وأمراء الطوائف ، بالأحرف الأولى ليكون رمزاً وشاخصاً بليغاً  لثماني سنوات عجاف لا تزال  تتفاعل وتعيد إنتاج صورتها الكئيبة .! 
 وفي خلفية هذا المشهد العام ، ومنذ الأيام الأولى للتغيير وسقوط الطاغية ،بدأت دوامة حركة الإدارة " المتعددة المراكز والمصالح "للاحتلال بمختلف أجنحتها: البيت الأبيض ، البنتاغون ، المخابرات الأميركية ، وزارة الخارجية ، وغيرها من الإدارات المتسترة بالواجهات المعروفة في مختلف الاتجاهات سعياً وراء إيجاد توازن ، يساعد من وجهة نظر كل دائرة ، على تطمين المكونات العراقية وتأمين قدرٍ ممكن من الاستقرار للوضع الجديد، وهو ما لم تفشل بتحقيقه فحسب ، بل عجّلت من تشديد تناقضاته وصولاً إلى تفجيرها والتمهيد السياسي والعسكري لانفلات امني ظل يتمدد ليتحول إلى عمليات إرهابية و مواجهات طائفية على الهوية .
ولعبت التباينات وتعارض المصالح بين الممثليات الأميركية ووجهات نظر كل منها في تفاصيل الوضع (وظهر فيما بعد جهلهم بها) دورا تصعيدياً في وجهة تطور الأزمة التي بدأت تتبلور بسرعة ، مع توسع وازدياد التدخل العربي والإقليمي في الشأن العراقي .
إن التصادم الخفي بين الأجهزة المخابراتية والعسكرية من جهة، وتوجهات البيت الأبيض ووزارة الخارجية وفريق بريمر من جهة أخرى انعكس بوضوح في تحرك كل طرف منها ، لتطويق الأزمة التي أخذت  تشير بعض اتجاهاتها بوضوح إلى أنها مرشحة إلى أن تشهد توسعا في  النشاط المسلح الإرهابي ، دللت على مدى خطورتها وعواقبها، تحول مدن بكاملها إلى مناطق آمنة للقاعدة والإرهابيين وفلول البعث والنظام الدكتاتوري .
وعوضاً عن اتخاذ الإجراءات السريعة ، والفعالة لحماية الحدود العراقية ومنافذها ، وكان هذا بمستطاعها ، تصرفت بمنتهى الاستخفاف مع هذا الاستحقاق الأمني والعسكري ، وبدلاً من مد جسرٍ سياسي مع أهالي المدن الغربية وعشائرها ووجهائها ممن لم يكونوا ميالين إلى الانخراط في العمل ضد النظام الجديد، والاستماع إلى هواجسهم ومطالبهم  وبذل الجهد المكثف الدؤوب لفرزهم سياسياً عن قواعد البعث والنظام السابق والميليشيات الإرهابية، جرى استفزازهم والتحرش بهم ، والتعرض لعاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية والعشائرية . وبدا هذا التخبط بأجلى صوره في التعامل السلبي المتعالي مع منتسبي الجيش المنحل من الضباط والمراتب العسكرية التي أطلقت جماعات منها نداءات علنية طالبت فيها بمعالجة قضاياهم بعدالة ، وحسم أوضاع عوائلهم المعيشية، سواءً بإعادتهم الى مراكزهم  أو تنسيبهم إلى وظائف أخرى في الدولة أو إحالتهم على التقاعد، واقرنوا نداءاتهم من بعد ما تكررت دون استجابة ، بتهديدات تشير إلى أن استمرار هذا الوضع والموقف اللا مبالي والسلبي  سيضعهم أمام خيار الانحياز إلى العمل المسلح و " المقاومة " .
وفي بغداد وسائر المدن قابل الجيش الأميركي دعوات المواطنين لتخليص محلات سكناهم من كدس الأسلحة ومخازنها ، بان" هذا ليس من شأنهم لأنهم جنود وليسوا عمال بلديات ".
 إن أحد المظاهر الفاضحة لسياسة الاحتلال،  يكمن في توصيفه للوضع ما بعد سقوط صدام حسين، كثنائية شيعية - سنية، وشريك كردي، وفسيفساء من المكونات الدينية والمذهبية والعرقية .  والتوصيف للدلالة على تعددية المجتمع وتنوعه صحيح ، لكن استخداماته وإعادة تركيب الحياة السياسية في العراق الجديد على أساسه ، دون اعتماد المواطنة وتجلياتها ، شَطَرَ المجتمع والحياة السياسية إلى كانتونات طائفية ومكوناتية ، دون أن تتحقق لكل منها استحقاقاتها السياسية، بل أنابت عنها أحزاب وحركات تدعي تمثيلها وتحتكر حقوقها دون من تدعي تمثيلها من طوائف ومكونات .. وعلى هذا الأساس المخل والمختل تم إرساء المحاصصة الطائفية.
وكان التعامل مع السنة العرب ، بوصفهم  الوجه الآخر للنظام الساقط وورثة البعث الحاكم ، من أسوأ البدع الأميركية المضللة. ويعود الفضل في بلورة هذا المفهوم  والترويج له، لشخصيات عربية سنية، بعضهم من البقايا الثانوية المغمورة من النظام المنهار، رأت في هذا المنحى والدفع باتجاهه في وسائل الإعلام وفي المحافل العربية والإقليمية وتبنيها مجالا للاستفادة في تقديم نفسها في مقدمة المشهد السياسي ووجدت في الجانب الأميركي حاضنة لها وفي ممثلية الأمم المتحدة وموظفيها وما تقوم به من ادوار مؤثرة عاملاً في تكريس هذا النهج  ومصدراً للعثور على من ترى أهمية للنهوض بهذا الدور المزدوج " السني - البعثي " واستقطابه لمثل هذا التمثيل.. والملفت أن المجتمع السني، متجسد في حواضره، تقبل هذا الربط المسيء له،  وعبر عن تعاطفه مع من دعا إليه في الحياة السياسية، ومنحهم الأصوات التي زكت دعاواها .
إن مصادرة التمثيل العربي السني ، وهو مكون تعرض لقمع وتصفيات ، في ظل سلطة البعث وطغمته ،شكل وما زال  إساءة بليغة لهم، من قبل من تصدروا العمل السياسي باسمهم وهمشوا دورهم، وتعمدوا لاعتبارات لا تجسد مصالح العرب السنة او تطلعاتهم الوطنية ، الخلط بينهم كمكون مذهبي وطني ، وتمثيلهم للبعث ونظامه وما يترتب على ذلك من تبعات وانعكاسات سلبية .
وفي هذا الجانب تتجلى مواقف الشخصيات التي مثلت النماذج المذكورة لتكريس جل نشاطها السياسي كما لو أنها معنية بالدرجة الأساسية ، لتزكية البعث والبعثيين والإنابة عنهم والدعوة في كل المناسبات لإعادة الاعتبار لهم والتخفيف من وطأة الجرائم التي ارتكبها نظامهم الدموي الفاشي ، والمطالبة الملحة  بإيقاف أي ملاحقة لهم ، حتى وان اتخذت صيغة مساءلة قانونية .
 ويخطئ من يظن أن الرموز السياسية التي حملت هذا المشروع ودافعت وما تزال عنه بقوة وفي سائر المجالات، تعبر بذلك الطموح في معافاة الحياة السياسية وإيقاف مسلسل التصفيات الثأرية، بوسائل العنف وغيرها ضد الخصوم السياسيين وحملة الرأي المختلف، لان مثل هذه الرغبة تعكس أماني وتطلعات جميع الوطنيين العراقيين، وبلوغها يستلزم عكس ما يقومون به وما يستهدفونه .
ف

ذات صلة