نقد الكتاب الأخضر..آلة الحكم

نقد الكتاب الأخضر..آلة الحكم

 رياض الأسدي
من أصعب الممارسات تخلي الإنسان عن مهنته الأساسية التي نذر نفسه لها ليعمل في مهنة أخرى لا علاقة له بها ولم يهيئ نفسه إليها سلفا. لكن بعضهم يصرّ على فعل ذلك. والعرب كما يبدو في هذا العصر مولعين بهذه التحولات إذ يعود تفسير ذلك بقوة إلى رغباتهم في الخلاص الفكري دائما؛ من هنا تتخذ هذه المحاولات - غير المدروسة

 غالبا- طابعا سيئا على الحياة العربية ومستقبل العرب أنفسهم بعد أن أصبح من الواضح أهمية التخصص كلغة علمية للعصر الحاضر. وربما كان العسكر – والعقيد القذافي في هذه الأيام يصول ويجول- من الذين استولوا على السلطة في النصف الثاني من القرن العشرين في الأول من سبتمبر/ايلول عام 1969 هم أكثر الفئات الاجتماعية التي وقعت بهذا الخطأ الفادح. وذلك لا يعني بأية حال وجود (ممنوعات أو ممانعات) معينة في عدم كتابة العسكر في السياسة أو الأدب أو الاجتماع أو غيرها من العلوم والفنون؛ فتلك حالة أخرى لدينا من الشواهد عليها ما يكفي.. لكن الاعتراض هو في تحول العسكري الذي استولى على السلطة بقوة السلاح إلى سياسي ومنظر وصاحب رسالة وإيديولوجيا خاصة به.
ولعلّ من أخطر المشكلات الفكرية التي واجهت الفلاسفة القدماء والمحدثون هي قضية الحكم والحكم العادل والحكم الرشيد: بدءا من أفلاطون في جمهوريته والفارابي في مدينته الفاضلة و(توماس مورSir Thomas More؛ 7 فبراير/شباط 1478 - 6 يوليو/تموز 1535) في (اليوتيبيا) وكارل ماركس في الشيوعية.. ويبقى السؤال الذي يواجه البشرية: ما الصفات التي يتوجب عليها أن تكون في الحكم العادل أو الحكم الرشيد كما يوصف في أدبنا السياسي؟ وكيف يمكننا إنشاء هذا الحكم على أرض الواقع؟ وما الطرق الصحيحة للوصول إلى السلطة وممارسة العدل من خلالها؟ وهل يختلف العدل الإلهي بين الناس عن العدل البشري؟ ينقسم المفكرون على العموم إلى فئتين رئيستين في هذا المجال:
الفئة الأولى: ترى في إمكانية الإنسان أن ينشئ لنفسه حكما عادلا وان يوظف من القوانين ما يكفي لجعل ذلك الحكم قريبا إلى العدالة الإنسانية.
الفئة الثانية: ترى أنها تستمد (نظرية الحكم) من الله الذي أرسل الأنبياء والرسل لوضع قواعد الحكم في الأرض. وعلى الرغم من ذلك فهم بطبيعة الحال يختلفون في منظومات ذلك الحكم وأدواته ليس باختلاف الأديان فحسب بل في الاجتهادات في الدين الواحد نفسه حيث يطل (التأويل) للنصوص برأسه بقوة بينهم.
وفي الوقت الذي يدعي العسكر جميعا بلا استثناء - ما خلا مصطفى كمال أتاتورك- أنهم أنصار الإسلام ودين الله والعاملون على نشره والدفاع عنه، إلا أنهم في الوقت نفسه وجهوا إلى الإسلاميين في كل البلدان طعنات نجلاء وإعدامات ومنافٍ وسجون كثيرة، وعدوا أولئك من ألد أعدائهم. فسلطتان لا تجتمعان في مكان واحد كما لا يجتمع سيفان في غمد واحد.
ويعد القذافي في حساب عددي مبسط وغير علمي إن الأنظمة الديمقراطية هي دكتاتورية في محصلتها النهائية لأنها فقط تفوز بنسبة 51% في الانتخابات حيث يظهر قصور (فهم) القذافي لدور المعارضة باعتبارها السلطة المرآة الأخرى ففي حساب بدوي ساذجاً يعد القذافي ال49% الخاسرين للانتخابات مظلومين؟؟. ومن الغريب عن القذافي يعد مسألة أداة الحكم مستمرة في حين ان البشرية قد قطعت أشواطا كبيرة في هذا المجال منذ الثورة الجليلة Glories Revolution عام 1688في انكلترا حيث تم ولأول مرة تحديد السلطات المطلقة للملوك، ومازالت البشرية تعمل على تقعيد أصول الحكم وخاصة بعد انهيار نظام الاتحاد السوفيتي السابق وسقوط جدار برلين في عام 1989 وظهور الأنظمة الديمقراطية وشيوع المفاهيم الليبرالية في العالم.
ويعد القذافي المجالس النيابية هي العمود الفقري للديمقراطية في العالم وهي تمثيل خادع (ص11) ويرى القذافي هذه المجالس حالت دون ممارسة الشعب للسلطة إذ يكون هؤلاء الممثلون من وجهة نظره مزيفين لطموحات (القطيع) من خلال عدم تحقيق مطالب الناس بمجرد الوصول للسلطة؛ وهي الفكرة الرئيسة لعموم (نظرية) القذافي المسطحة للحكم. ولذلك هو يرى من الضروري ممارسة القطيع بأكمله للسياسية؛ هذه الممارسة لا تتم إلا من خلال زجه بالعمل السياسي. في حين إن حتى هذه الفكرة المبسطة تستدعي – إذا ما تمّ تطبيقها- وجود مراكز قوى وسط هذا القطيع نفسه يمكن فرض رأيها على الجميع قبولا أو رفضا مما يعني نسف الفكرة من أساسها.
وتصل فكرة نقد القذافي للنظام الديمقراطي إلى نقد فكرة صناديق الاقتراع نفسها التي تعدّ الآلية المناسبة للتمثيل الديمقراطي حيث يفترض العقيد فكرة غريبة بديلة لوجود الفرد في القطيع وإمكانيته التعبير عن رأيه ولو بقي وحيدا متفردا وهذا ما لا يتلاءم وطبيعة طرق كبت الفرد وقوة الرأي العام المكون داخل القطيع في حين يكفل النظام الديمقراطي للفرد إمكانية الرفض ولو كان وحده كما أنه منحه فرصة حق عدم التصويت أيضا. ويرغب القذافي  بتنفيذ هذه الفكرة لتحقيق هدف واحد هو محو أية معارضة يمكن أن تنشأ داخل( القطيع) من خلال زجه في حظيرة واحدة. في وقت لاضمانات في ممارسة الحرية الفردية بأي حال من الأحوال فمن ذا الذي يستطيع الاعتراض على (قائد القطيع) المطاع؟ ومن هنا يدعو القذافي إلى قيام ما يعرف بثورة شعبية ضد (النيابة) عن الشعب لتحرير السلطة نحو سلطة الشعب ولا نعرف لتلك السلطة أي تنظيم أو تشريع محدد سوى الرضوخ للقيادة أو القيادات المسبحة بحمد القائد الواحد المطلق فيها؛ وهذا يعني بالطبع تيارا معكوسا للدكتاتورية يفترضه القذافي لحكم ( القطيع) الذي يكون متبني وجهة نظره – بالطبع- غير قادر على ممارسة الشرعية إلا من خلال القائد والقيادات الثانوية المسبحة بحمده تماما مثلما يحدث في ميليشيات ما قبل الدول الحديثة. وتتطور الفكرة المسطحة حول آلية الحكم لدى العقيد القذافي إلى فكرة محو الأحزاب السياسية الفائزة بالانتخابات باعتبارها فازت كأحزاب وليس كسلطة شعب فيكون الشعب فريسة لحزب أو عدد من الأحزاب الفائزة؛ لكنه لا يجعل من الشعب فريسة في النظام الميليشياوي الذي يقترحه. فالتمثيل الديمقراطي للشعب محض تدجيل(ص15) في ظل أنظمة الحزب الواحد أو الحزبين المتناوبين على السلطة كما في الولايات المتحدة أو أنظمة الأحزاب المتعددة. ثم يخلص القذافي بان الانتخابات لا تجلب إلا الأغنياء فقط.
وتعود الأصول الأولى لأفكار القذافي إلى التجارب الناصرية الأولى حيث قام – وبأمر من عبد الناصر-  بزج جميع الأحزاب السياسية ذات الاديولوجيات المختلفة من الإخوان المسلمين إلى الشيوعيين إلى القوميين إلى الوطنيين التقليديين في تنظيم سلطوي واحد كان يدعى (الاتحاد القومي) ثم انتقل أسميا بعد ذلك إلى ما عرف ب(الاتحاد الاشتراكي) حيث تم بموجب هذين التنظيمين مصادرة الحريات بكل أشكالها في مصر الناصرية. وهكذا يعد القذافي في معالجة آلة الحكم إلى زج (الجميع: القطيع) في اللجان الشعبية. فعداء القذافي في مضمونه النهائي ليس لفكرة التمثيل الشعبي ظاهرا بل لعموم الأحزاب التي تدعي تمثيلها للشعب او لقطاعات واسعة منه. وهذه القوى بالطبع هي المنافسة الرئيسة لفكرة القائد او قائد الثورة كما يحلو للقذافي أن يوصف.
وفكرة القذافي عن الأحزاب لا تنمو إلا بتلك الطريقة الغائرة في الفهم القبلي للأشياء والكائنات حيث يرى القذافي أن ليس ثمة فرق بين الحزب والطائفة والقبيلة إلا بإسقاط رابطة الدم. فالحزب هو " قبيلة العصر الحديث" (ص25) وتحتل مفاهيم القبيلة (القطيع) في رؤية القذافي لقضايا إنسانية كبرى كتبت بها نظريات ودرجت البشرية على تجاوز الكثير من معضلاتها؛ ليعود إلى أفكار هي نتاج التعليم البدوي بالدرجة الأساس. وهو لا يتوانى عن وصف الصراعات الحزبية التي تتم وفق دستور وقواعد اجتماعية متفق عليها وحرية مكفولة بالصراعات القبلية والطائفية؛ ففي إلغاء القذافي لفكرة الصراع يكون قد وضع اللبنة الأولى في رفض مواجهته ومساءلته تماما كما هو شيخ القبيلة المطلق. ويظهر ذلك في كتابه الآخر (القذافي رسول الصحراء) وكذلك في وصف ذاته بأنه ثائر من الصحراء إلى الصحراء. وربما تكون المناطق الصحراوية الواسعة التي تغطي ليبيا قد أضفت على فكره هذه (الحلول) القطعية فضلا عن سكنه في خيمة –كما يبدو في إعلاناته السياسية- هذه الخيمة هي التي منحته تبسيط مسائل مازالت البشرية تحاول حلها وقد حلّت كثيرا من معضلاتها وخاصة ما يتعلق بالحكم التوافقي بين الشعوب.
ويواصل القذافي نقده التبسيطي للحياة السياسية وآلة الحكم من خلال نفيه لأهمية الحزب أو الأحزاب عموما ويجعل منها أداة لحكم الشعب دكتاتورية حيث يرى القذافي أي حزب مهما كانت قاعدته الجماهيرية عريضة هو لا يمثل الشعب وهو يريد حكم من هو خارج الحزب. ومن هنا فان الرؤية لا تتعدى تلك القاعدة المستهلكة القديمة التي شاعت في مصر الناصرية برهة من الزمن وكذلك في العديد من البلدان العربية: (من تحزب خان) وحينما يجعل القذافي من الحزبية خيانة فهو يريد بذلك احتكار الحكم بطريقة أو بأخرى تحت ستار رفض الحزبية، ولما تكونه الحزبية من معارضة للحكم الشيخوقراطي الذي يطمح إليه العقيد. ويرى القذافي في صراع الأحزاب على نحو مبهم وغريب :  صراع الأحزاب مدمرا للمجتمع برغم ما يبدو عليه من نشاط سياسي؛ فالرجل يرفض أي شكل من أشكال الاختلاف في الرأي، وتصل هذه الحرمة المصطنعة إلى الحياة أيضا.