جنون البقر السياسي

جنون البقر السياسي

علاء حسن

سلوك الكذب والرياء والنفاق والمخاتلة والانهزام والعدوانية ، وحتى الجنون لا يقتصر على بني البشر فحسب ، فانتقلت  هذه الاوصاف والحالات الى السياسة ، فما اكثر ما نسمع بالنفاق السياسي هذه الايام ، وكل طرف يتهم الاخر ،  في بلد يشهد اضطرابات

  ولا يعرف الاستقرار بفعل صراع قواه المهيمنة على المشهد السياسي ، سواء  بادعاءات اتساع قاعدتها الشعبية  ، لانها تزعم بانها تعبر عن طائفة او مذهب،  او من خلال استخدام التسلط وفرض الارادة بالقوة على شرائح اجتماعية واسعة ، مازالت تنتظر الفرج ، حينما صدقت شعارات الدفاع عن الحقوق والغاء المظلومية وتحقيق العدالة الاجتماعية ، والتخلص من الفقر .
     في هذا المشهد المضطرب وفي ظل ديمقراطية تسير بعكازات يعتقد البعض بان التعددية الحزبية واحدة من مظاهر الحياة السياسية ، والواقع يؤكد ان تلك التعددية لم تنطلق بفعل عوامل موضوعية،  وانما جاءت نتيجة مرحلة عابرة لا تتعدى المشاركة في الانتخابات ، والحصول على مقاعد في البرلمان ، من خلال اصوات ناخبين،  اصطفوا والتفوا حول تنظيمات مذهبية بدوافع انفعالية ، ابعدت القوى الديمقراطية صاحبة المشروع الوطني من التمثيل في السلطتين التشريعية والتنفيذية .
وبهيمنة تلك القوى على المشهد السياسي وعلى السلطة يتراجع الاداء الحكومي ، ويظل ترسيخ الديمقراطية خاضعا لارادات وتفسيرات متقاطعة ، فيهمل الدستور نتيجة تفاقم الصراع ، ولكن الاطراف سرعان ما تتفق او تتوافق حينما تشعر بان مصالحها باتت مهددة ، فيتجسد النفاق السياسي بأوضح صوره ليعبر عن حالة كارثية تبطش باخر ما تبقى من مؤسسات
 الدولة .
في ظل ديمقراطية هشة يتحول التنافس السياسي في بعض الاحيان الى نفاق ثم الى صراع فنزاع مسلح ، ولاسيما ان الكثير من مستخدمي غطاء الديمقراطية ، مازالوا يحتفظون بفصائلهم المسلحة ، الخاضعة على الدوام لانذار مشدد،  ومتوثبة بانتظار ساعة الصفر لتنفيذ واجبات تصفية الشركاء او الحلفاء وليس  الخصوم ، ومما ضاعف هذا التوتر التدخل الاقليمي  وانتظاره إشارة من خارج الحدود باعلان ساعة الصفر .
وضع ساعة الصفر ضمن برامج وحسابات القوى السياسية،  يعطي الدليل الواضح بانها مصابة بـ  "جنون البقر " ولهذا الجنون مظاهر ، ومنها غياب المنهج ، وتناقض المواقف ، وفقدان استقلالية القرار لارتباطه بالخارج ، وابشع  مظاهره الادعاء بالدفاع عن حقوق الشعب والسعي لتلبية مطالبه ومشاغله ، وانقاذه من معاناته بالتصريحات والوعود الكاذبة .
في الساحة العربية اكثر من نظام مصاب بهذا النوع من الجنون ، فبينما تعلن وسائل اعلام عن سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى نتيجة قمع النظام وحزبه الحاكم المتظاهرين باستخدام الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع ، ينفي النظام تلك الانباء ، ويختلق الروايات والقصص لتكذيبها ، ويعلن انه يسعى لتحقيق اصلاحات تلبي مطالب المتظاهرين الذين خرجوا يشيعون قتلاهم .ولعل ما يجسد الجنون السياسي تجاه هذا الموقف دعم اجراءات النظام القمعية من بلدان مجاورة ، ووصفها ما يتعرض له ذلك النظام بانه مؤامرة ، بامكانها اجتياز الحدود لتقويض الديمقراطية واجهاض العملية السياسية في البلد المجاور .
للجنون السياسي لدى البشر وليس البقر مظهر مضحك،  حينما يحشد تنظيم سياسي تظاهرة تأييد وتضامن مع احد الشعوب العربية ، لكنه داخل بلده يمنع مناصريه ومنتسبيه وعناصره من المشاركة في التظاهرات الاحتجاجية المطالبة باصلاح النظام وليس اسقاطه .
من حق المنظمات والجمعيات المعنية بالدفاع عن الحيوانات ان تندد وتشجب وصف الابقار بالجنون ، ومن حقها ايضا ان تدافع عن حيواناتها بشجاعة من خطر الانقراض والصيد الجائر ، فهي تنظر الى حيواناتها نظرة واحدة لاتفرق بين الخرفان والبعران والابقار ، فمواقف تلك الجمعيات ثابتة وراسخة ولم تتأثر بجنون البشر السياسي وهو السبب الرئيس في تخلف بعض الشعوب لان حكامهم مجانين ، وعقولهم لاتستوعب فكرة التخلي عن السلطة.