كيف عرف العراقيون التجنيد الإجباري في العهد العثماني.. ولماذا كرهوه؟

كيف عرف العراقيون التجنيد الإجباري في العهد العثماني.. ولماذا كرهوه؟

ماريا حسن التميمي
حاولت الدولة العثمانية خلال فترة حكمها المباشر (1831-1917) ان تفرض الخدمة العسكرية الاجبارية على الولايات التابعة لحكمها،حيث سبقت محاولة مدحت باشا التي تعد الاولى من نوعها في فرض قانون التجنيد الاجباري على ابناء العراق، محاولات من قبل الوالي (السردار الاكرم عمر باشا1857-1859) في اصدار قانون الخدمة العسكرية الاجبارية على السكان الا انهم لم يستجيبوا لهذا القانون وفروا الى الاهوار والصحاري حيث رفضت العشائر تقديم أبنائها الى الحكومة.

لقد جاء تطبيق قانون التجنيد الاجباري بمرحلته الأولى بصورة جدية حينما تسلم الوالي مدحت باشا الحكم في العراق وكان صدور هذا القانون للأسباب الاتية:-
1- ضرورة توفير جيش لاسناد الحكومة العثمانية في فرض الاصلاحات.
2-لاحظ مدحت باشا ان اغلب جنود الجيش العثماني ليسوا من العراقيين وأن اغلبهم يودون الرجوع الى اوطانهم.
3-بصدور قانون التجنيد سوف يوفر الامن والاستقرار للعراقيين والحفاظ على الحدود العراقية من عمليات السلب والنهب والقتل.
ومن الجدير بالذكر أنه تم تطبيق قانون التجنيد الاجباري في ولاية بغداد اولا ثم في العراق كافة كالسليمانية والموصل وكركوك والبصرة ولم يشمل هذا القانون ولايات المنتفق والدليم والعمارة والتي كانت اكثرية سكانها من البدو الرحل) وقد استعمل نظام القرعة للمشمولين بالتجنيد البالغة اعمارهم (20) سنة حيث يؤخذ من كل ثلاثة عشر شخص شخص واحد سنويا،وقد شكلت لجان للتجنيد يرأسها ضباط من الجيش العثماني يساعدهم مختارو المحلات لدعوة المكلفين بالخدمة العسكرية، وعلى ما يبدوان نظام القرعة كان ذا نتائج ايجابية حيث طبق في النجف وطبق أيضاً في لواء الحلة فقسم اللواء الى سبع محلات من اجل السيطرة عليها،وتجدر الاشارة الى ان الحكومة العثمانية وضعت شروطاً لغير المشمولين بالتجنيد الاجباري وهم:-
1-أبناء العشائر العربية والبدو الرحل وابناء العشائر الكردية إذ استعاضت بالبدل النقدي عن الاشخاص المكلفين بالتجنيد الاجباري او ضريبة الاعفاء من الخدمة العسكرية ((بدل عسكري))وتبلغ قيمة البدل (40قرشاذهبيا،أي حوالي (7شلنات انكليزية) سنويا.
2-رجال الدين المسلمون والعلماء والشيوخ وطلبة المدارس الدينية والاعدادية والمعلمون وأئمة الجوامع.
3-غير المسلمين أمثال القساوسة والرهبان والحاخامات وطلبة المدارس المسيحية واليهودية.
4-المعيل (وحيد أسرته).
5- ويعفى من الخدمة العسكرية لاسباب صحية المصابون بالامراض المزمنة والمعوقون والتي استغلت في بعض الاحيان للتهرب من الخدمة العسكرية.
وكان سن التجنيد يتراوح بين 19-20 سنة،إذ كانت الخدمة في الجيش العثماني مقسمة الى:-
1- الخدمة النظامية وهي اجبارية ومدتها اربع سنوات ثم قلصت الى ثلاث سنوات
2-الخدمة الاحتياطية ومدتها سنتان ثم اصبحت خمس سنوات
3-الخدمة الرديفية ومدتها ست سنوات ثم أصبحت اثنتي عشر سنة، تعقبها المستحفظة وهي مكملة لها ومدتها ثمان سنوات لكنها قلصت الى خمس سنوات ومما تجدر الاشارة اليه ان مدحت باشا حدد مدة تدريب الرديف بين الخامس من آذار الى الخامس عشر من نيسان حتى لا يتعارض مع أوقات عمل المزارعين،ومن اجل دعم مشروع التجنيد الاجباري في العراق فقد قام مدحت باشا بتهيئة العديد من المستلزمات المادية والعسكرية،وذلك بانشاء العديد من المعامل والمصانع العسكرية لانجاح عملية التجنيد الاجباري ومن هذه المشاريع:-
1- توسيع معمل النسيج في بغداد (العبخانة) إذ خصص مدحت باشا مبالغ ضخمة لجلب مكائن حديثة تبلغ قوتها (50 حصانا) لصناعة الاقمشة العسكرية
وإنشاء مدرسة الصنائع للصناع، وانشاء مطبعة لطبع الجرائد ومنشورات
 الجيش والاوامر العسكرية وغيرها.
2-انشاء دار (الحدادة) للاستفادة منها في تنظيف واصلاح السلاح.
 3-انشاء معمل للخبز لتجهيز الجنود والوحدات العسكرية.
4-اجراء بعض المناورات العسكرية للحفاظ على نشاط القوات العسكرية.
5- ومن اجل تهيئة الاماكن المناسبة لتدريب الجنود فقد قام مدحت باشا بانشاء العديد من المعسكرات (الثكنات العسكرية)ومنها على سبيل المثال القشلة التي تقع في بغداد –باب المعظم – والتي لا تزال معالمها قائمة الى  الوقت الحاضر.
 6-كما قام مدحت باشا بأرساء اللبنات الاولى لتكوين الجيش في العراق عندما أسس اول مدرسة متوسطة عسكرية في بغداد عام 1870 لتخريج الكادر المهني (من المراتب) للجيش العثماني من ابناء الولايات الثلاث….. ثم أصبح عددها قبل الحرب العالمية الاولى عام 1914 ثلاث متوسطات اثنتان منها في بغداد والثالثة في مدينة السليمانية وكان يطلق عليها اسم المدارس الرشيدية وكانت مدة الدراسة فيها اربع سنوات يقبل فيها خريجو المدارس الابتدائية حيث يتلقون فيها العلوم العسكرية التي تؤهلهم للانتساب الى الاعدادية العسكرية الوحيدة وكانت موجودة في بغداد بالاضافة الى وجود مدرسة اخرى لتدريب وتخريج نواب الضباط لمختلف الصنوف،ويعد بذلك مدحت باشا اول من وضع صرح النظام التعليمي الحكومي في العراق وتطبيق السياسة التعليمية في العراق ولم يتجاوز مدحت باشا في المدارس العسكرية الاعراف والتقاليد العثمانية من حيث التعليم الداخلي والمجاني وباللغة التركية،وقد شجعت الحكومة العثمانية أبناء شيوخ العشائر على الانخراط في المدارس العسكرية،وذلك لترسيخ الوجود العثماني، لان ذلك الجيش سيكون اداة من ادوات الحكم العثماني،ولتخريج اكبر عدد من الضباط وباسرع وقت ممكن، حيث قدر لخريجي هذه المدارس أن يلعبوا دورا بارزا في تاريخ العراق الحديث.
ويمكن القول أن اثر التجنيد الاجباري كان واضحا في تضاعف افراد الجيش العثماني اذ اصبح مكونا من (16) كتيبة مشاة وكتيبة من الخيالة وكتيبة من المدفعية.
اما الجيش النظامي والمسمى (الجيش السادس) فهو مستقل بذاته وكان له قائد برتبة (مشير) واركان حرب وقواد لوحداته المختلفة وعدد كبير من الضباط والمراتب والجنود حيث كان يتالف من فرقة مشاة وفرقة خيالة وتشكيلة من المدفعية وكان موقعه يتغير طبقا للمتطلبات العسكرية (المشاكل العشائرية)،وكان عدد افراده عندما تولى مدحت باشا الحكم في العراق(7 الاف)جندي ثم ارتفع الى (12الف) جندي،يذكر ان تسليح هذا الجيش يعتمد على السيف والمدافع والبنادق المسماة(شيشخانلي تفنك) واضيف لها طراز قديم من البنادق يعرف بـ(القباقلي).
وكان مقر الجيش السادس في العراق،وقد لعب هذا الجيش دورا في السيطرة النسبية على بؤر الانفلات الأمني التي كانت سائدة في الولايات الادارية الثلاث (بغداد، البصرة، الموصل)، حيث كانت مهمته القضاء على الانتفاضات العشائرية ولاسيما العراقية.
أما المرحلة الثانية من التجنيد الاجباري فكانت في العهد الحميدي (1876-1909) حيث اصبح المواطن العراقي خاضعا للخدمة العسكرية بعد بلوغة سن الثامنة عشر وكانت مدة الخدمة للمتطوع (27)مع الاحتياط  ومن اجل القضاء على الرشوة والفساد في عملية اجراء القرعة فقد شكلت (لجنة تجنيد) تتالف من عدد من الضباط اضافة الى رئيس اللجنة او الوحدة الادارية والمفتي العام والحاكم ورجال الدين ويتولى رئاسة هذه اللجنة ضابط برتبة (مقدم) وفي حالة عدم وجوده يعين شخص مناسب محله.
 وعلى ما يبدو ان السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909) حاول تطوير الجيش العثماني مستفيدا من الاصلاحات التي احدثها سابقوه فقام بانشاء عدد غير   قليل من المعسكرات في مناطق مختلفة من العراق وأخذت القوات العثمانية تستعمل التلغراف،كما استعملت الزوارق البخارية في القوات البحرية.
كما أن المدارس العسكرية التي ترفد الجيش بالضباط أخذت بالتطور والازدياد حيث أعد الجنرال الالماني (فون درغولج) تقريراً يشرح فيه خطةً لتطوير الجيش العثماني في المدارس العسكرية، حيث كان النظام في هذه المدارس صارما والمراقبة شديدة تجري بدقة وانتظام والامتحانات شفهية وتحريرية تقوم بها لجان متخصصة وقد بلغ عدد العراقيين المنتمين الى المدارس العسكرية في سنة 1899 (761 طالبا).

العهد الاتحادي (1908-1918)
ازداد الاعتقاد بتطبيق نظام التجنيد الاجباري، حينما صدر قانون جديد سنة 1909 للخدمة العسكرية أصبحت بموجبه الخدمة الإجبارية على المسلمين وغير المسلمين ممن بلغ الحادية والعشرين من العمر، واصبح مجموع سنوات الخدمة العسكرية،(25 سنة) وكآلاتي (3 سنوات) نظامية و(5 سنوات)  أحتياطية و(12سنة) رديفية و(5سنوات) مستحفظة هذا في القوات البرية، اما القوات البحرية فقد حددت مدة الخدمة فيها بـ (20سنة) ثم قبيل الحرب العالمية الاولى صدر قانون جديد للتجنيد خفض بموجبه سن الدعوة للتجنيد الى(18 سنة)(،وقد ابعد عن الجندية البدوالرحل والاكراد،واستمر قبول دفع البدل النقدي من غير المسلمين.
وكانت الرتب العسكرية لضباط الجيش،هي ملازم ثان ملازم اول، يوزباشي (نقيب)، صاغ باشي (رائد) بين باشي (مقدم)، مير الاي (عميد)، لواء، فريق، فريق اول مشير.
أما رتب الجنود فهي جندي مكلف (جندرمه نفر)، جندي متطوع (كوننلي)، جندي اول متطوع (أونباشي)،عريف متطوع (جاوش) رئيس عرفاء متطوع (باشي جاوش)، ويتقاضى ضباط الجيش إلى جانب رواتبهم مساعدات عينية تسمى (معيشية) أو مبالغ كتعويض عن المساعدة العينية وتسمى (تعيينات) وكثيراً ما تتأخر رواتبهم وتُصرف لهم رواتبهم غالباً على شكل سندات لصرفها من رجال البنوك أو الصيارفة، ولكنهم يتسلمون أقل من قيمتها الفعلية بكثير، أما رواتب الجنود فهم لا يتقاضون شيئاً منها في الواقع حتى نهاية خدمتهم، ولكنهم يتسلمونها على شكل سندات لا يمكن  صرفها إلا لدفع الضرائب.
وعلى ما يبدو ان فكرة التجنيد كانت غير مرغوب بها من قبل العراقيين إذ لحظة ما اعلن النفير العام بعد دخول تركيا الحرب العالمية الاولى 1914 ازداد الهروب من الخدمة العسكرية وبالرغم من ذلك فقد كان العراق يزود الجيش العثماني بالضباط من ذوي المستوى الرفيع.
 الدولة العثمانية وسياسة فرض التجنيد الاجباري
استخدم العثمانيون القوة العسكرية دائما في فرض أي قانون،ولحظة ما اعلن خبر التجنيد الاجباري في بغداد، واستعداد الوالي السردار الأكرم عمر باشا (1857-1859) لتطبيق القانون على عشائر العراق كافة وخاصة مناطق الحلة وكربلاء والنجف،رفضت هذه العشائر تجنيد أبنائها وتركت قراها ومزارعها وهربت الى الصحاري والاهوار، كما رفضت عشائر ديالى تجنيد أبنائها وأعلنت التمرد على الحكومة، كما رفض أهالي الحلة تقديم الجند او دفع البدل عنهم واحتجوا على الحكومة وقاموا بمظاهرات عدائية ضد الحكومة.
ويذكر ان الوالي عمر باشا طلب من عشائر الهندية تقديم (90 مجنداً) وعشائر الشامية والديوانية تقديم (180مجنداً) فامتنعت كلها، وأخذت تغير على المراكز الحكومية وتنهب القوافل والمسافرين في الطرق العامة، ونتيجة النفور العام من التجنيد الاجباري قرر الوالي عمر باشا ترك هذا الموضوع،واعلن العفو العام عن جميع العشائر فأستتب الامن والنظام.
أما عملية فرض التجنيد الاجباري في عهد الوالي مدحت باشا فقد جوبهت أيضا بحركة تمرد في بغداد في 28اب 1869 في محلات قنبر علي وباب الشيخ والفضل حيث رفض الـ(300) مكلف الذين أصابتهم القرعة الانصياع عندما استدعوا الى الخدمة العسكرية فأرسل الوالي مدحت باشا جيشا للقضاء على هذا الاضطراب،وتمكن من انهاءه بعد ان ادرك الاهالي خطورة الموقف فتفرقوا قبل ان يطلق عليهم الجنود طلقة واحدة وتم دعوه الـ(300) مكلف الذين اصابتهم القرعة فقبلوا طائعين.
وبعد سريان قانون التجنيد الاجباري على جميع العراق حدثت ثورة في منطقة الفرات الاوسط بالتحديد في منطقة الديوانية والحلة،وكان السبب الرئيسي لقيامها هي الضرائب الفاحشة وقانون التجنيد الاجباري، وعرفت هذه الثورة ب(الدغارة)او (ذبحة المتصرف)وقد استمرت هذه الثورة مدة شهرين وقعت اثنائها صدامات عدة بين العشائر والجيش العثماني وذهب نتيجتها الالاف من القتلى من الطرفين،وتمكنت القوات العثمانية من اخمادها بالقوة.
 وعلى ما يبدو  ان معارضة التجنيد الاجباري انتقلت من الفرات الاوسط الى جنوبه في منطقة البصرة حيث عارضت العشائر تطبيق قانون التجنيد الاجباري واعلنت التمرد على الحكومة العثمانية،مما دعا مدحت باشا الى اصدار قانون خاص لرجال العشائر الرحل وكلفهم بتقديم خياله غير نظامية او دفع البدل النقدي.
ومن خلال ذلك نتبين ان قانون التجنيد الاجباري أثار كره العراقيين له، ويرجع ذلك للاسباب التالية:-
1- ان صورة التجنيد الاجباري في العهد العثماني تقترن بمعاني الابتزاز والسخرة والمداهمة والاعتقال.
2- سوق المجندين العراقيين الى اصقاع بعيدة مثل القفقاس)ونجد، حيث تنقطع صلتهم بعوائلهم وقد لايعود المجند ابدا الى أهله.
3-عدم فهم الادارة العثمانية لطبيعة المجتمع العراقي،والذي يشكل ابناء القبائل غالبيته العظمى،وكان هؤلاء يشعرون بمسؤليتهم الدفاعية تجاه قبيلتهم ويدينون بالولاء لها،ولذا فانهم لم يعتادوا على العيش في معسكرات أشبه بالسجون و يلبسون ملابس عسكرية لم يعتادوا عليها،وياتمروا ضباط لا يفهمون لغتهم بالاضافة الى ان مدة التجنيد تصل من(4- 12 سنة) وهي مدة طويلة جدا مما تؤدي الى التهرب من الجندية.
4- عدم دفع الرواتب للجنود.
5-عدم الاهتمام بالجند وشؤونه الادارية كالترقية والاجازات والطبابة وغيرها.
6- ان الشعب العراقي من اشد الشعوب بغضا للتجنيد الاجباري،لانهم اعتادوا على معاداة الحكومة العثمانية المسيطرة على مقاليد شؤون العراق ويعتبرون التجنيد الاجباري كالضريبة يجب التهرب منها بكل وسيلة تقع في ايديهم فهو يثير الحنق والامتعاض اكثر مما تثيره المؤسسات العثمانية الاخرى.
عن رسالة (التجنيد في العراق)