الحزب الشيوعي العراقي بين حزب التحرر الوطني ووثبة 1948

الحزب الشيوعي العراقي بين حزب التحرر الوطني ووثبة 1948

د. سيف عدنان رحيم
عانى العراقيون كثيراً ويلات الحرب العالمية الثانية، عبر عنها المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني أحسن تعبير عندما أشار الى أن العراقيين "قاسوا مظالم جمة ونكبوا بحرياتهم وتجرعوا الام التجويع والتخويف الواناً كثيرة"، وشهدت الاسواق شحاً واضحاً في المواد الاستهلاكية الرئيسية وأولها الخبز، القوت الاساسي لمعظم العراقيين، حتى وصل الامر إلى أن الحصول عليه كان يقتضي عراكاً.

وعلى الرغم من تلك الصورة المأساوية كانت نهاية الحرب عام 1945،بداية النهاية لمرحلة تاريخية، إذ دشنت بداية لأفول عصر الاستعمار, ففي العراق مثلاً، اتجهت الأنظار الى ضرورة تخفيف القيود والضغوط على الشعب ومنها منح الحريات وإطلاق سراح بعض السجناء، وارادت الحكومة العراقية من وراء ذلك مجاراة الانظمة الديمقراطية والظهور بمظهر الدولة الديمقراطية.

من جانبه طالب الحزب الشيوعي العراقي، الذي عد أنتصار الحلفاء في الحرب انتصاراً للاشتراكية التي يؤمن بها، الحكومة العراقية بالحريات الديمقراطية وإلغاء الاحكام العرفية وتوفير الغذاء، وأوضح في بيان له صدر في الحادي والعشرين من تشرين الثاني 1945، أن الشعب العراقي الذي تحمل وعانى ويلات الحرب وقلة الخبز والكساء والدواء وضيق المساكن لابد من أن يبدأ عصرٌ جديدٌ يتمثل بنظام حكم ديمقراطي يبدأ بإلغاء القوانين الاستثنائية والمحاكم العرفية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين سواء كان منهم العسكريون أو المدنيوّن.
وقبل أن يودع عام 1945 أيامه الاخيرة، ألقى عبدالاله الوصي على العرش خطاباً أمام مجلس الامة في السابع والعشرين من كانون الاول أوضح فيه سياسة جديدة تتمثل بفسح المجال لممارسة النشاط السياسي، وفي التاسع والعشرين من كانون الثاني 1946 قدمت وزارة حمدي الباجةجي إستقالتها، وشكل توفيق السويدي، وزارته في الثامن والعشرين من شباط 1946، وضمت جيلاً جديداً من السياسيين، الذين توسمت بهم الاحزاب السياسية عصراً جديداً يختلف عما أعتاد عليه من السياسيين المخضرمين.
حدد توفيق السويدي ملامح سياسته الداخلية بإنتهاء الوضع الشاذ في البلاد وإلغاء الاحكام العرفية وغلق المعتقلات وفسح المجال أمام الاحزاب السياسية، الامر الذي رحب به الحزب الشيوعي العراقي وبدأ بتنظيم مِلاك حزبي لتأليف حزب علني ضم كلاً من "حسين محمد الشبيبي ومحمود صالح السعيد ومحمد حسين أبو العيس ويوسف عبود وعبدالجبار حسون الجارالله ومحمد علي يوسف ومحمد خلف ومحمد علي الزرقا وسالم عبيد النعمان"، وتقدم بطلب إجازة، الا أن الحكومة أجازت لاحزاب الاحرار، الاستقلال،و الوطني الديمقراطي،والاتحاد الوطني،والشعب،وعصبة مكافحة الصهيونية، التي يسيطر عليها الشيوعيون، ورفضت إجازة حزب التحرر الوطني الاسم العلني للحزب الشيوعي العراقي، فلجأت الهيئة المؤسسة الى إصدار رسائل دورية بأسم رسائل التحرر، حاولت أن تبين فيها أهداف الحزب ومنها "الاستقلال والسيادة الوطنية" و"الجبهة الوطنية".
لم يقف الحزب الشيوعي مكتوف اليدين بل دعا الى تشكيل جبهة وطنية وتكتل القوى الوطنية في جبهة واحدة، وطالب أيضاً بتنظيم حملة واسعة من التأييد من خلال تقديم العرائض والبرقيات من مختلف المدن والقصبات في البلاد.لم تستمر وزارة السويدي طويلاً إذ قدمت إستقالتها في حزيران 1946، لتحل محلها وزارة أرشد العمري، التي أنهت شهر عسل الاحزاب السياسية، ووأدت آمالها بحياة ديمقراطية حتى ولدت قناعة لدى القوى الوطنية بأن المظاهرات قد تؤتي ثمارها في تغيير حقيقي.
وبالفعل قاد حزب التحرر الوطني وعصبة مكافحة الصهيونية، واجهتا الحزب الشيوعي العراقي في الثامن والعشرين من حزيران مظاهرة صاخبة هدفها إرغام حكومة العمري على الاستقالة، أنطلقت من جانب الرصافة وآتجهت الى السفارة البريطانية في منطقة الشواكة بالكرخ، ولما حاولوا اقتحام مبنى السفارة فتحت الشرطة النار على المتظاهرين، راح ضحيتها طالب وعاملان وجندي وطفل وتم إعتقال (سبعة وستين) مدنياً و(مائة وعشرين) عسكرياً.

ان تلك الواقعة ومانتج عنها من قتلى وجرحى دفع الاحزاب السياسية الى تقديم احتجاج شديد اللهجة مستنكرة إجراءات الحكومة.إن تلك المظاهرة وعلى الرغم من التضحيات الجسيمة التي قدمها الحزب الشيوعي فيها الا انها عبرت عن قوته في الشارع العراقي، ولاسيما بعد أن رص صفوفه من جديد وانتهت مرحلة الانشقاقات الداخلية.

ولم تثن عزم الحزب الشيوعي العراقي مالاقاه في مظاهرة الثامن والعشرين من حزيران في بغداد، بل ان أعضاءه كان لهم دور فاعل في حادثة كاورباغي في كركوك، ففي الثالث من تموز 1946 بدأ عمال شركة نفط العراق في كركوك إضراباً عن العمل مطالبين بتحسين أحوالهم المعيشية سواء كان بزيادة الاجور او تخصيص وسائط لنقلهم من والى أعمالهم وتهيئة دور سكن لهم ورعايتهم الصحية، فضلاً على السماح لهم بتشكيل تنظيم نقابي لهم وما يؤكد دور الحزب الشيوعي في ذلك الاضراب أن قيادة الحزب في بغداد وجهت رسالة الى مسؤول الحزب الشيوعي في كركوك مؤكدة "أن النفط هو من الاحتكارات (الأم) للاستعمار في بلادنا، فيجب أن نركز جهوداً عظيمة ليكون أحتكار النفط من المركز (الأم) للحركة الثورية البروليتارية".

واستمر إضراب العمال جراء عدم الاستجابة لمطالبهم المشروعة، وتجمهروا في حديقة كاورباغي، الا أن قوات الشرطة أمطرتهم بوابل من الرصاص فقتل خمسة عشر عاملاً وجرح العشرات وأعتقلت قادة الإضراب،وقدم (اثنان وعشرون) عاملاً للمحاكمة الامر الذي أحتج عليه رؤساء وممثلو أربع عشرة نقابة عمالية، وهذا يعني ان المواجهات بين حكومة أرشد العمري، والشيوعيين قد أشتد وطيسها، ولاسيما أن الحكومة بدأت البحث عن محرضي إضراب كاورباغي ليس في كركوك وحسب بل في مدن العراق الاخرى، وهذا ما أشار أليه كتاب متصرفية لواء الموصل الى وزارة الداخلية في السابع والعشرين من تموز يشير الى أنه "لايخفى أن الأفكار الشيوعية أخذت تنتشر في العراق يوماً بعد يوم حتى إنتهت بحوادث كركوك".
ومن جانبها كثفت وزارة أرشد العمري من ملاحقتها عناصر الحزب الشيوعي ومنهم، أعضاء حزب التحرر الوطني وعصبة مكافحة الصهيونية، تحت ذريعة أنهم يقومون بأعمال تهدد الامن الوطني.ليس هذا وحسب بل هاجم بيان للحزب الشيوعي وزارة العمري ووجه الدعوة للتظاهر ضدها من أجل دعم مطالب عمال النفط في كركوك. ولم يجد مدير شركة النفط خيارا الا الطلب من السلطات العراقية الرسمية  لمساعدته للتفاوض مع العمال المضربين.
         لم يستمر عمر الوزارة طويلاً، إذ قدم أرشد العمري إستقالته يوم السادس عشر من تشرين الاول 1946، وشكل نوري السعيد الوزارة في الحادي والعشرين من الشهر نفسه، الذي حل البرلمان ووعد بإجراء إنتخابات نزيهة، ولكن التدخل الحكومي الفاضح رافق تلك الانتخابات منذ بدايتها لضمان فوز الموالين للحكومة، فوزع الحزب الشيوعي بياناً هاجم فيه حكومة نوري السعيد وأكد ان المجموعة التي تقوم بالانتخابات هي ذاتها التي تآمرت لاسقاط وزارة توفيق السويدي مشيراً الى أن هذه الانتخابات تخدم أغراض الدول لاستعمارية.
وعلى الرغم من كل هذا النشاط والفعاليات للحزب الشيوعي العراق كان نوري السعيد يتظاهر بأن لاشيوعية في العراق، لانه وحسب اعتقاده "أن الشيوعية تظهر في البلدان الصناعية، أما نحن فلا صناعة عندنا"، جاء ذلك في مؤتمر صحفي لنوري السعيد يوم الحادي والعشرين من تشرين الثاني 1946.
وفي خضم هذا النشاط السياسي للحزب الشيوعي على الساحة الوطنية، تم إعتقال سكرتير الحزب يوسف سلمان يوسف (فهد) ومعه عضوا المكتب السياسي حسين محمد الشبيبي وزكي محمد بسيم، يوم الثامن عشر من كانون الثاني 1947 في أحد الدور الموجودين فيها بالصالحية.
وجاء إعترافه أمام محكمة الجزاء ببغداد بأنه يفتخر بكونه شيوعياً، بل دافع عن الحزب الشيوعي بالحرف الواحد "أني كمواطن شخص لي تيار خاص في الحركة الوطنية هو المعروف بالشيوعية، وقد إعتنقت هذا المبدأ منذ عام 1932- 1933".
وفي الثالث والعشرين من حزيران 1947، حكمت المحكمة على فهد بالاعدام وعلى زكي محمد بسيم وأبراهيم ناجي الصيدلي، الذي قبض على فهد في بيته إضافة الى ثلاثة عشر شيوعياً بالاشغال الشاقة مدًدا مختلفة، وجراء الضغوط الدولية ولاسيما الاحزاب الاشتراكية التي نددت بالحكم، عدلت تلك الاحكام في الثالث عشر من تموز 1947، فأصبحت عقوبة (فهد)الاشغال الشاقة المؤبدة وزكي محمد بسيم بالاشغال مدة خمسة عشر عاماً وتم نقلهم الى سجن الكوت.
توالت الاحداث السياسية في العراق، وكان للحزب الشيوعي موقف واضح منها، ومنها وثبة كانون الثاني 1948، فمن المعروف ان مطالبات عراقية عديدة قد أكدت ضرورة الغاء معاهدة 1930، التي أصبحت تناقض روح ومبادئ الامم المتحدة.وبالفعل بدأت مراسلات عراقية- بريطانية لايجاد معاهدة جديدة، وطالبت وزارة صالح جبر التي تولت مسؤوليتها في التاسع والعشرين من آذار 1947، ومنح مجلس النواب حكومته الثقة ليمضي قدماً في تحقيق المعاهدة.

وبدأت المفاوضات الرسمية بين الجانبين العراقي- البريطاني تحت إشراف الوصي على العرش في قصر الرحاب وعلى الرغم من محاولات إبقاء المفاوضات بين الجانبين بعيدة عن أعين وأسماع الشعب بدأت الاخبار تتسرب الى الشارع العراقي، فدعا الحزب الشيوعي، شأنه شأن الكثير من الاحزاب السياسية العراقية الى عقد الاجتماعات لتوضيح بنودها والاطلاع على سير المفاوضات، بل أكد ضرورة تحديد اساليب الوقوف ضدها، مستخدماً جريدة القاعدة وسيلة اعلامية لفضح مخططات حكومة صالح جبر.
ولما وقعت المعاهدة في العاشر من كانون الثاني 1948، التي عرفت بمعاهدة "جبر- بيغن"، أصدرت الحكومة بياناً بالغاء معاهدة 1930، وان رئيس الوزراء وقع اتفاقية جديدة "معاهدة بورتسموث"، أثار ذلك الاعلان الشارع السياسي العراقي وخرجت مظاهرات حاشدة، وإضرابات عمالية وطلابية لم تقتصر على بغداد وحدها بل مدناً عراقية أخرى، قادتها الاحزاب السياسية العلنية منها والسرية، ومنها الحزب الشيوعي العراقي وشكلوا "لجنة تعاون"، ضمت حزب الشعب الملغىَ، وجماعة كامل قزانجي المنشق عن الحزب الوطني الديمقراطي,والحزب الشيوعي العراقي,وحزب رزكاري كرد "الديمقراطي الكردي".

أشترك الحزب الشيوعي العراقي في المظاهرات الحاشدة،التي جرت في ايام 16 و17و 18 كانون الثاني، كان الدور الرائد فيها لطلبة الكليات، وأستغل الحزب الشيوعي تلك المظاهرات والاجتماعات الجماهيرية في الدعوة لاطلاق سراح قادة الحزب الشيوعي.ومن جانبها اتهمت الحكومة المشاركين بالوثبة بأنهم صنيعة الشيوعية "عملاء موسكو"، ودعت في بيانها إلى وحدة العناصر المعادية للشيوعية.
وتجددت المظاهرات يوم السابع والعشرين من كانون الثاني بعد عودة صالح جبر من لندن وأطلقت الشرطة النيران على المتظاهرين ذهب فيها العشرات بين قتيل وجريح، ممّا أدى الى استقالة وزير المالية يوسف غنيمة ووزيرالشؤون الاجتماعية  جميل عبد الوهاب ورئيس مجلس النواب عبد العزيز القصاب و(عشرون) نائباً آخر، وعلى أثر ذلك قدم صالح جبر إستقالته في اليوم نفسه وهذا يؤشر مدى الدور الذي قام به الحزب الشيوعي العراقي مع بقية الاحزاب السياسية العراقية من دور وطني لافشال إبقاء العراق تحت الهيمنة البريطانية.

وعلى الرغم مما قامت به وزارة السيد محمد الصدر،التي أعقبت وزارة صالح جبر  من إلغاء معاهدة بورتسموث رسمياً وحل مجلس النواب وإطلاق سراح المعتقلين، والتحقيق في أسباب إطلاق النار على المتظاهرين، عدّ الحزب الشيوعي تشكيل حكومة محمد الصدر وقراراتها ماهي الا لتهدئة الناس وإعادة المياه الى مجاريها.
         وفي ظل هذه الظروف العصيبة دعا فهد من سجنه في الكوت الى ضرورة تقوية صلات حزبه مع الحزبين الوطني الديمقراطي والاحرار لتشكيل جبهة وطنية موحدة.

    ولما أقر مجلس الوزراء فكرة حل مجلس النواب وإجراء انتخابات جديدة، رفع الحزب الشيوعي شعارات تطالب بـ "لا الانتخابات والأحرار في السجون" و"إطلاق الحريات الديمقراطية".
وهذا يدل على أن دوره ومكانته السياسية بدأت تأخذ مكاناً وحجماً أوسع مما مضى، ولهذا فلا عجب امام موقفه ذاك ان انضم الى الحزب المزيد من الاعضاء بل زادت شعبيته.
ويبدو ذلك بشكل أوضح عندما حل المجلس النيابي في الثاني والعشرين من شباط 1948، وخاض الحزب الانتخابات، ورشح عنه شريف الشيخ والملاك الكردي المستقل محمد هماوند عن السليمانية وفي بغداد رشح أحد مؤازريه محمد زكي عبد الكريم، وفي البصرة رشح اثنان من أعضائه وعن العمارة ساند مرشح حزب الشعب عبدالرزاق الزبير وقاسم أحمد عباس، وفي الموصل ساند المرشح كامل قزانجي.

ان تلك المساحة الضيقة من الحرية في العمل السياسي قد أنتهت من جديد بأعلان الاحكام العرفية التي أعلنت في الرابع عشر من أيار 1948، مع إعلان حرب فلسطين التي إستغلتها الحكومة، وضيقت الخناق على المعارضين وبشكل خاص على الشيوعيين، ومع عودة نوري السعيد الى الحكم انتهت كما يرى حنا بطاطو، مرحلة الحرية، وتلاشى الانجاز الايجابي الوحيد للوثبة.

ومن جانبهم أضرب أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي في سجن الكوت خلال شهر أيار 1948، مطالبين بالتمتع بحقوق السجين السياسي، وأعتبارهم سجناء سياسيين، وفي رده الى والدته التي ناشدته بأنهاء الاضراب، كتب فهد "كوني على ثقة من عدالة مطاليبنا، فأذا قضيت نحبي فأغفري لي، وأني لست أول ضحية من ضحايا الاستعمار والرجعية وأعلمي أن قضية الحرية ستنتصر في النهاية".وأمام ذلك الاصرار الذي تزامن مع دوافع محلية ودولية استجابت الحكومة وكسرت القيود عن فهد التي كانت تكبل يديه وجسده بالحديد.

عن رسالة
 (الحزب الشيوعي العراقي ودوره في الحركة الوطنية)