هكذا تشكلت الجبهة الوطنية سنة 1954.. هل كان حسين جميل وراء تأسيسها؟

هكذا تشكلت الجبهة الوطنية سنة 1954.. هل كان حسين جميل وراء تأسيسها؟

بشرى سكر الساعدي
بعد استقالة وزارة الجمالي الثانية، كّلف أرشد العمري، المعروف بولائه للبلاط وشدّته في مقاومة الحركة الوطنية، بتأليف وزارته الثانية في 29 نيسان عام 1954. وفوجىء الرأي العام العراقي بوزارة العمري، الذي يزخر تاريخه وتاريخ أقطاب وزارته بالأعمال الاستفزازية ضد الشعب وحرياته، مّما لا يمكن الاطمئنان إليها بأيِّ شكل من الأشكال، أو اعتبارها أهلاً لإجراء الانتخابات. لهذا قدَّم الحزب الوطني الديمقراطي،  مذكرةً إلى الملك،

 محذّراً من أعمال الوزارة التي أَصدرت إرادة ملكية بحلّ المجلس النيابي، وتحديد يوم التاسع من حزيران موعداً لإجراء الانتخابات الجديدة، بموجب بيان وزارة الداخلية في 3 مايس عام 1954.

وعلى الرغم من تشكيك الأحزاب السياسية في قيام انتخابات نزيهة، إلاَّ أنّ نشاطها السياسي قد تصاعد للمشاركة فيها، بأمل تفويت الفرصة على الحكومة للتلاعب والتزوير، رغم قناعاتها بأنّها ستلاقي من السلطة مقاومة عنيفة. وساهمت جريدة (صوت الأهالي) مساهمة فعّالة في تلك الانتخابات، فنشرت قائمة بأسماء مرشحي الحزب في جميع المناطق، مع بيان تشككها في قيام انتخابات نزيهة، وحثَّت الأحزاب السياسية الوطنية على التكاتف وتعطيل تدخلات الحكومة. ولمتابعة سير الحملة الانتخابية والاستعدادات والتحضيرات التي هيئها أبناء تلك المناطق، وضمن حملة الدعاية التي يقوم بها حسين جميل باعتباره مرشحاً عن المنطقة الثانية لبغداد، ألقى كلمة في التجمع الذي أقامته المنطقة، موضحاً فيها هدف الحزب من دخول الانتخابات على الرَّغم من معرفته بأنّ التزوير سيعمل عمله، وأنّه لن يحصل على ما يرنـو إليه في المجلس، وأشار إلى أنّ دخول الحزب الانتخابات يأتي لتوطيد الحريات الديمقراطية وممارسة المواطنين الحق في الانتخابات وتثبيت هذه الممارسة، وهذا ما أثبته أبناء المنطقة الثانية من خلال إظهار التأييد المستمر لمرشح الحزب الوطني الديمقراطي حسين جميل بصورة اجماعية. كما طلب حسين جميل من أبناء المنطقة أن يكونوا حذرين في اختيار مرشحهم ومن يمثلهم في المجلس، وأنّ عليهم دراسة التاريخ السياسي البعيد والقريب لكلّ مرشح، ليروا حقًّـا أنّ ذلك المرشح يدين بهذه الآراء والمبادئ التي يعلن عنها، مثل السعي إلى إلغاء المعـاهدة العراقية – البريطانية لعام 1930، وأنّه سيطالب بإطلاق سراح السجناء السياسيين، وسيطالب بإِلحاح بحلّ المشاكل الدولية عن طريق التفاوض السلمي، وأنّه سيعمل على رفض الحلف التركي- الباكستاني، وغيرها من المطالب الملحة للحركة الوطنية وأماني الموطنين، كما أكَّد أنّ هذه الانتخابات تختلف عن جميع الانتخابات السابقة وستكون بمثابة استفتاء عام لرفض جميع الأحلاف العسكرية الاستعمارية، بما فيها الحلف التركي- الباكستاني، أو أيّ نوع من أنواع الدفاع المشترك، لذلك شدَّد حسين جميل على أنّ الواجب الوطني يدعو لتشديد النضال في خوض هذه المعارك، والاشتراك فيها اشتراكاً فعلياً، لإنجاح هذا الاستفتاء الشعبي العام. ويبدو أنّ حسين جميل قد كشف في وقت مبكر عن الاهداف المشتركة التي تسعى اليها الاحزاب الوطنية في دخولها الانتخابات، تلك الاهداف التي كانت وراء قيام الجبهة الوطنية، كما سيأتي ذكره.
أثمرت جهود الأحزاب السياسية عن اتفاق مرحلي ناجح، يقضي بقيام جبهة وطنية انتخابية تقتصر مهمتها على خوض الانتخابات. وقد ضمَّت الجبهة ممثلي أربعة أحزاب سياسية، بضمنها الحزب الوطني الديمقراطي، وأقرَّت ميثاقاً يضمّ الأهداف المشتركة لهذه الأحزاب على المستويين الداخلي والخارجي. وقد وصفت تلك الجبهة بأنّها ضرورة أملتها الأهداف الشعبية، تقع عليها مسؤوليات جسيمة في ذلك الظرف الدقيق الذي تمرّ به البلاد. وهذا ما أكّده حسين جميل لمراسل جريدة الشرق الأدنى، حينما بيَّن الأهداف الرئيسة للجبهة الوطنية، ليقدّم بذلك إيضاحاً وافياً لهذه الأهداف، وما ترنو إليه الجبهة من تطلعات وأماني مشتركة، تتطلبها حسب رأيه مقتضيات المرحلة، تلك التي تتضمن اطلاق الحريات الديمقراطيـة، كحرية الرأي والنشر والاجتماع والتظاهر والإضراب وتأليف الجمعيات، وحقّ التنظيم السياسي والنقابي، وتفسير ذلك أنّ بعض هذه الحريات وإن كان منصوصاً عليه في الدستور غير أنّ الحكومة لم تدع مجالاً للمواطنين لممارستها، وما تريده الجبهة فعلياً هو جعـل هذه الحريات حقيقة واقعة، وكذلك الدفاع عن حرية الانتخابات وصيانتها من المداخلة، والدعوة لإلغاء معاهدة عام 1930 وإجلاء الجيوش الأجنبية، ورفض مشروع الدفاع المشترك، وجميع المحالفات العسكرية، بما فيها الحلف التركي- الباكستاني، ورفض المساعدات العسكرية الأمريكية، التي يراد بها تقييد سيادة العراق وربطه بتلك المحالفات، وكذلك التضامن مع الشعوب العربية المناضلة في سبيل جلاء الاستعمار والتخلص منه ولاسيَّما في مصر والمغرب العربي، والعمل على تحقيق استقلال البلدان العربية التي ما تـزال محرومة من استقلالها،  كما أوضح حسين جميل حقيقة الخلافات الرئيسة بين منهاج الجبهة الوطنية وحزب الاتحاد الدستوري الذي يرأسه نوري السعيد  قائلاً: إن يمكـن التعبير عن حزب الاتحاد الدستوري بأنّه حـزب المحافظين، فهو حزب يريد الابقاء على الأوضاع الحاضرة، ولاسيَّما الأوضاع الاقتصادية والامتيازات الاحتكارية، لأنّه حزب يرتكز على تأييد الاقطاعيين وأصحاب المصالح الكبيرة وجعلهم السند الأساسي، وعدم الاهتمام بمصالح الشعب العراقي، أمّا في السياسة الخارجية فإنّ حزب الاتحاد الدستوري يؤمن بالتحالف مع بريطانيا ومع الغرب في إقامة قواعد عسكرية في العراق وفي التكتل الدولي، في حين تعمل الجبهة على نقل العراق من أوضاعه الحاضرة إلى دور تزول منه كلّ تلك الآثار المتردية والمتدهورة، كما أكّد حسين جميل أيضاً دعم ومساندة أبناء الشعب العراقي على اختلاف عقائدهم وميولهم السياسية للجبهة الوطنية ومرشحيها، لأنها تعمل على تحقيق الكثير من أهداف هذا الشعب، وخير دليل ما يلقاه المرشحون من تأييد واسناد يكاد يكون اجماعياً في كلّ المناطق الانتخابية. ودعا ايضاً أبناء الشعب العراقي في أكثر من مناسبة إلى أن يكونوا متكاتفين متعاونين مع مرشحي الجبهة الوطنية، لتحقيق منهاجها الذي أعلنته وجعلته منهاجاً انتخابياً لها، فضلاً عن منهاج الحزب الوطني الديمقراطي الذي يتضمن مطالب أخرى، والذي يعمل على تحقيقه بكلّ جدّ واخلاص منذ تأسيسه، لأنّه يفتخر دائماً وأبداً بأن يكون المعبرِّ الحقيقي عن آمال شعبنا وأمانيه في الحرية والاستقلال والحياة الكريمة.
وضمن حملته الانتخابية نظَّم حسين جميل في 21 ايار عام 1954 حفلاً جماهيراً في (مقهى حسام الدين)، ضمن منطقته الانتخابية الثانية، وأَلقي كلمة قال فيها: "إنّه لمن دواعي فخري أن أجد هذا التأييد، لا لشخصي بالذات، لأنّي أعرف جيداً بأنّي جندي صغير في معركة الحرية، إنّما هو تأييد للمنهج الانتخابي الذي تقَّدمت به الجبهة الوطنية، التي كانت أمنية من أماني الشعب، والتي عمل لها المخلصون ودعوا اليها منذ سنوات حتى تحقَّقت في هذه الأيام التي نرى فيها الحركة الوطنية قوية متنامية". في الوقت الذي استمرّ أبناء المنطقة الثانية بإقامة الاحتفالات لمرشح الجبهة الوطنية حسين جميل، فضلاً عن القصائد والشعارات التي تحيي الجبهة الوطنية الموحدة، ويمكن القول إنّ حسين جميل وجد في التحشدات الشعبية للتهيئة للانتخابات، فرصة مناسبة لإيصال صوت الأحزاب السياسية، وإيضاح أهدافها المشتركة للجماهير، وتعبئة الطاقات لعمل سياسي يتعدَّى حدود الاستعداد للانتخابات النيابية، وبهذه المناسبة ألقى كلمة مبيناً فيها أهمية المعركة الانتخابية في ذلك الوقت، طالباً من أبنــاء المنطقة أن يجعلوا منطقتهم مقفلة للحركة الوطنية، لا لشخص معين مهما كان مكانة هذا الشخص، لأنّ هذه المعركة تعدّ تحدياً للحكومة، وهي بمثابة استفتاء للأمة حول مطاليبه الوطنية وحرياته الديمقراطية. وضمن هذا المسار أوضح أيضاً، في أحد الاجتماعات، أنّ فقرات ميثاق الجبهة الوطنية المتحدة والأعمال التي سيقوم بها مع بقية المرشحين هي لأجل احباط الحلف التركي- الباكستاني، ورفض أيّ مساعدات أمريكية للعراق، ومن أجل تأميم النفط وشركات الكهرباء وغيرها، ومكافحة الجهل والمرض والفقر، وإيجاد العمل للعاطلين، والتنظيم النقابي، واطلاق سراح المعتقلين السياسيين، والتحقيق في مجزرتي سجن بغداد والكوت، ومكافحة الجواسيس والعملاء، واخيراً رفع مستوى العامل والفلاح والطالب والموظف.
قوبلت الجبهة الوطنية وميثاقها بالتأييد والترحيب من قبل الأوساط الوطنية وأبناء الشعب، ورغم انتقادات القوى الرجعية خاضت الاحزاب والجبهة الوطنية الانتخابات التي كان جوُّها مشحونا بالتوتر والقلق، وعكس ذلك حالة الخوف والارتباك التي تعانيها الوزارة نتيجة تأثيرات الجبهة الشديدة في الشارع، فقد تم استنفار قوات الشرطة بمختلف صنوفها وتوزيعها على المراكز الانتخابية كافة ووضعها في حالة إنذار شديد. ومهما يكن الأمر فقد خاضت الجبهة الوطنية والاحزاب السياسية الانتخابات التي أسفرت نتائجها عن فوز الجبهة الوطنية بـ (10) مقاعد موزعة كالآتي: 6 مقاعد للحزب الوطني الديمقراطي، ومقعدان لحزب الاستقلال، ومقعدان للمستقلين، ورغم ضئالة العدد كما يبدو في مجلس عدد مقاعدة 135 مقعداً، إلاَّ أنّ هذه الجماعة الصغيرة كان بإمكانها إثارة الصعوبات وعرقلة عمل البرلمان، عن طريق منبره وإيصال صوتها إلى الجماعات المناوئه للحكم. كما كشفت هذه الانتخابات، رغم التزوير الذي أَقرَّت به الوثائق، عدة أمور، أهمّها قوة الحركة الوطنية، وصلابة الناخبين الوطنيين، ومدى التأييد الشعبي المطلق للعناصر الوطنية الممِّثلة له، من أن أردفت أيضاً أنّ ما حصل عليه النواب الحكوميون من أصوات لا ظلّ لها في الواقع، كما كشفت عن استعداد الحكومة والسلطة لاستخدام أكثر الأساليب رجعيةً في محاربة القوى الوطنية).
وعقب إعلان نتائج الانتخابات، شنّت الأحزاب السياسية، ومن ضمنها الحزب الوطني الديمقراطي عن طريق صحيفته، حملة انتقادات واسعة ضد الحكومة، لتدخلها السافر في تزويـر الانتخابات وإرهاب الناخبين داخل بغداد وخارجها. واستنكر حسين جميل موقف الحكومة بدعوتها المجلس لمناقشة موضوع مخصصات النواب، وقال: إنّها بذلك قد تجاهلت عمداً مناقشـة الأمور الأساسية التي تشغل بال الناس، ويفترض دعوة المجلس لمناقشة الأوضاع الداخلية المتدهورة، وما تتعرض له البلاد من أخطار تحدق به، كالاحلاف العسكرية والمعاهدات الأجنبية في الشؤون الخارجية.
عقد المجلس في يوم 26 تموز عام 1954 اجتماعه الأول والأخير، والذي قدّم فيه نواب الجبهة الوطنية، ومن ضمنهم حسين جميل نائب بغداد، طلباً إلى رئيس مجلس النواب، أعلنوا فيه تشكيلهم كتلة برلمانية نيابية، على أساس الميثاق الذي سبق اعلانه عند تكوين الجبهة الوطنية أثناء الانتخابات. وحُلَّ المجلس النيابي المنتخب بعد أسابيع قليلة، وذلك عند تكليف السعيد بتشكيل الوزارة في 2 آب عام 1954 وكان ضمن شروطه حلّ المجلس المنتخب، فضلاً عن إجراء انتخابات جديدة، وحلّ الأحزاب السياسية، وإلغاء الصحف كما أصدر السعيد بياناً هاجم فيه القوى الوطنية في البلاد، وطلب من الشعب التعاون معه للقضاء على هذه القوى، فضلاً عن إصدار مراسيم أخرى.
وهكذا انتهت الانتخابات النيابية التي يمكن اعتبارها أكثر الانتخابات فعالية وأشدها منافسة في تاريخ العراق المعاصر رغم التلاعب بنتائجها. وبموجب السياسة الجديدة التي اتبعها نوري السعيد، التي عرفت باسم (سياسة المراسيم)، اندفع الحزب الوطني الديمقراطي في انتقاد هذه السياسة، وطالب بإلغاء المراسيم، وأحلال وضع يبعث على الطمأنينة والاستقرار، ونتيجة لموقف الحزب المعارض لسياسة السعيد، أصدرت الحكومة امراً بحلّ الحزب الوطني الديمقراطي، وتعطيل جريدته لمدة عام، واعتباراً من الثاني من أيلول عام 1954، كما أَصدرت بياناً رسمياً بسحب اجازة الحزب. ولم تقف الأحزاب السياسية، ومنها حزب الاستقلال والحزب الوطني الديمقراطي، مكتوفة الأيدي، بل واصلت شجبها لسياسة السعيد الداخلية، وما تضمنته من مراسيم واجراءات قهرية، استهدفت وضع القيود الثـقيلة على الحريات العامة ووسائل التعبير عن الرأي، ووضع كلّ مواطن يحاول معارضتها تحت طائلة العقاب، كما قرَّرت رئاسة الحزبين مقابلة الملك، وتسليمه مذكرة مشتركة، وقَّعها فضلاً عنهما كلّ من محمد صديق شنشل وحسين جميل ومحمد حديد وفائق السامرائي، شرحوا فيها وضع البلاد، وما آلت اليه الأمور من ترّدٍ في ظلّ الاجراءات الخاطئة للوزارة. كما استّمر أعضاء الحزبين، ومنهم حسين جميل، في رفع المذكرات، كانت آخرها في 29 كانون الأول عام 1954، وهي أعنف من سابقتها، فقد أَكَّدت صراحة أنّ "السبيل الوحيد لإنقاذ البلاد من الأخطار التي تحدق به، إنّما تتمثل بتخلي وزارة السعيد عن الحكم، وإعادة الحريات الديمقراطية للبلاد، كما تضّمنت نقداً لاذعاً لسياسة الحكومة الخارجية، التي تتعارض وسياسة الأمة العربية في اتجاهاتها نحو التحرر والاتحاد، وفي تقويم نهائي نجد أنّ حسين جميل كان عنصراً فاعلاً في تعبئة الجهود الوطنية قبل قيام الجبهة وبعدها، وسياسياً بارعاً كما شهدت الأحداث بذلك، فضلاً عن ثبات واضح في عقيدته السياسية، التي اتضحت معالمها منذ مطلع الثلاثينات عند قيام جماعة الأهالي.

عن رسالة (حسين جميل ودوره..)