الحركة الوطنية في صراعاتها من اجل الديمقراطية.. محمد حديد بين النيابة والوزارة

الحركة الوطنية في صراعاتها من اجل الديمقراطية.. محمد حديد بين النيابة والوزارة

نجدة فتحي صفوة
تخرج محمد حديد فيها سنة 1931 بعد اكماله الدراسة في الجامعة الاميركية في بيروت Junior College في “مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE) وهي احدى كليات جامعة لندن درجة شرف، ولعله كان أول عراقي يتخرج في هذه الكلية ذات المستوى العالي والمكانة العلمية المرموقة عالمياً. وكان في عداد اساتذته عدد كبير من مشاهير العلماء الاقتصاديين الذين برزوا بعد ذلك في صفوف (حزب العمال) البريطاني وشغلوا مناصب مهمة،

 مثل كلمينت آتلي (رئيس الوزراء في ما بعد) وهيودولتن (وزير المالية في حكمة آتلي العمالية) وريتشارد تاوني، وجون مينارد كينز (اللورد كينز)، وهارولد لاسكي وغيرهم ممن سيرد ذكرهم في هذه المذكرات.

ولاشك في ان دراسة محمد حديد في لندن على أيدي هؤلاء العلماء الاقتصاديين، كانت من اهم العوامل في صوغ افكره الديمقراطية والاشتراكية، واعتناقه مبادئ العدالة الاجتماعية التي آمن بها، ودافع عنها، وعمل لأجلها طوال حياته.
وعلى اثر عودته الى العراق عين محمد حديد في وزارة المال، وتدرج في وظائفها منذ ايلول (سبتمبر) 1931، فكان مفتشا مالياً، فوكيلا لمدير التجارة والاقتصاد، فوكيلا لمدير الواردات العام.
وفي الوقت نفسه، اتصل محمد حديد، بعد عودته، بمجموعة من المثقفين الذين سبق ان زامل بعضهم في الجامعة الاميركية في بيروت، وتعرف الى البقية بعد عودته، كان احد المؤسسين الاوائل لجماعة الاهالي التي تبنت افكارا مشابهة لمبادئ “الجمعية الفابية” وحزب العمال البريطاني في ذلك الوقت، وكان لها اثر كبير في نشر الوعي السياسي التقدمي في العراق وقد اجتذبت هذه الجماعة الى صفوفها بعض السياسيين الذين كانوا اكبر منهم سناً، مثل كامل الجادرجي وجعفر ابو التمن وحكمت سليمان، وعدداً من المثقفين منهم خليل كنه، وجميل عبد الوهاب، ممن حافظوا على اتجاههم الاشتراكي او انفضوا عنه وانقلبوا عليه في ظروف مختلفة.
وقد طورت هذه الجماعة في اوائل الثلاثينيات الافكار والمبادئ التي عرفت باسم “الشعبية”. وكانت “الشعبية تعزف بانها “رأي في الاصلاح الاجتماعي يهدف الى ضمان امن الشعر باسره، ورخائه، وتقدمه، على اساس الفرص المتساوية للمواطنين جميعا”.
والواقع ان الافكار التي عرفت باسم “الشعبية” كانت افكارا غربية حديثة، وان تسميتها “الشعبية” كان لتلافي استخدام كلمة “الاشتراكية” التي كانت مقترنة وقتذاك، في اذهان العامة، بالشيوعية والبلشفية.
وكانت اهداف “جماعة الأهالي” – التي كان محمد حديد من مؤسسيها الأوائل ومن أبرز اعضائها – تقترب من الاشتراكية باعتدال، وتشدد على قيام الدولة بوضع خطة اقتصادية تنسجم مع اوضاع البلاد وحاجات الشعب، وتؤمن سيطرتها على الصناعات المهمة، وتشجع الجمعيات التعاونية، وتقرّب الفروق الاقتصادية. وكانت تعترف في الوقت نفسه، بحرية مزاولة الشعائر الدينية، والاحتفاظ بالنظام العائلي، وتقترب من التفكير الليبرالي بتبنيها حرية الفرد واحترام حقوقه وملكيته، وكذلك بتبنيها النظام البرلماني اسلوبا للحكم. وكانت “جماعة الاهالي” اول جماعة يسارية في العراق في مرحلة الثلاثينيات، وان لم تكن حزبا سياسياً بالمعنى القانوني.

شجعت “جماعة الأهالي” أول انقلاب عسكري في العراق (بل في البلاد العربية)، وهو انقلاب بكر صدقي – حكمت سليمان، الذي اسهمت فيه واشترك بعض اعضائها في حكومته. ولم يستهدف ذلك الانقلاب نظام الحكم، بل كان هدفه الوحيد اسقاط حكومة ياسين الهاشمي، مع الحفاظ على النظام الملكي والبرلمان.
ومع ذلك، فقد كان اشتراك “جماعة الأهالي” في انقلاب عسكري غلطة ندموا عليها بعد ذلك، وخصوصاً بعد ظهور نيات بكر صدقي في الاستحواذ على سلطات دكتاتورية، ولكن لا شك ان تأييدهم للانقلاب، واشتراكهم في حكومته، كان بنية حسنة، ورغبة في الاصلاح، وذلك بعد ان عجزت الوسائل السلمية والبرلمانية عن تغيير الحكومة وإصلاح الوضع بالطرق الدستورية، حسب ادعائهم.
وبادرت حكومة الانقلاب الى حل المجلس النيابي واجراء انتخابات جديدة، وبنتيجة الانتخابات التي اجريت بشيء من الحرية النسبية، فاز محمد حديد بالنيابة عن لواء الموصل. وكانت تلك بداية حياته السياسية الرسمية، اذ كان قبل ذلك، ومنذ عودته من الدراسة في انكلترا، موظفا في وزارة المال، ولم يكن مسموحا ان يمارس السياسة علنا او يكتب فيها.
وفي الجلسة التي عقدها مجلس النواب في يوم 6 آذار (مارس) 1937، قدم ثلاثة عشر نائباً، بينهم محمد حديد، تقريراً طالبوا فيه بتشريع قانون لمحاسبة رجال الحكم والموظفين الذين استغلوا مناصبهم ونفوذهم في العهود السابقة لتحقيق منافع مادية على حساب المصلحة العامة، وجمعوا ثروات كبيرة بهذه الطريقة لكي يكونوا عبرة في الحاضر والمستقبل. واقترح النواب في تقريرهم تأليف لجنة تحقيق تحصي الثروات التي يملكها الوزراء السابقون وموظفو الدولة، وتتحرّى عن طريقة حصولهم عليها، وتوصي بمصادرة ما اكتسب منه بطرق غير مشروعة.
وقد تذاكر المجلس في هذا التقرير في جلسته المنعقدة يوم 29 أذار (مارس) 1937، فتكلم النائب اليهودي يوسف الكبير الذي كان من المع رجال القانون، معارضا فكرة محاسبة الاشخاص بهذه الطريقة، لأن الأصل براءة الذمة، واذا كان لدى الحكومة تهمة معين ضد احدهم فيجب ان توجه الى الشخص لمحاسبته عليها.
وتكلم محمد حديد في هذه المسألة وقال:
“اعتقد ان العمل المثمر لايمكن ان يتحقق اذا لم تسبقه هذه العملية. فقد مضت ادوار تذهب فيها حكومة وتأتي حكومة، والذين يسيئون الاستعمال يأخذون الاراضي والاموال، وكل هذا يستثمرونه بنفوذهم. نريد ان نقضي على هذه السمعة.
نريد ان يعرف الرجال، سواء الموظفون او غيرهم، ان هناك محاسبة، والذي يظهر بعد المحاسبة ان لديه سوء استعمال يجب ان ينزل عليه اشد العقاب”.
وبعد ان تكلم في الموضوع نفسه عدد من النواب الآخرين، وافق المجلس على احالة التقرير على الحكومة، فأحيل عليها، ولم تظهر له اي نتيجة.
وعلى أثر اغتيال بكر صدقي في الموصل، استقالت حكومة حكمت سليمان وخلفتها حكومة ألفها جميل المدفعي، وما كادت هذه الوزارة تتسلم امور البلاد في 17 آب (اغسطس) 1937 حتى بادرت الى حل مجلس النواب الذي جاءت به حكومة الانقلاب، واجرت انتخابات جديدة، لم يشترك فيها محمد حديد، فانصرف الى الاعمال الاقتصادية، واسس “شركة الزيوت النباتية” التي اصبح مديراً مفوضا لها.
وبدأت الشركة انتاجها سنة 1943، وبقي في هذا الميدان سنوات طويلة حصدت الشركة خلالها نجاحا كبيراً، وفي الوقت نفسه، لم ينقطع محمد حديد عن مواكبة الحياة السياسية، وسنة 1946 اشترك مع كامل الجادرجي في تأسيس “الحزب الوطني الديمقراطي” وانتخب نائبا لرئيسه، واسهم في تحرير جريدة الحزب “صوت الاهالي” بمقالات اقتصادية وسياسية اتسمت بموضوعيتها واسلوبها العلمي وجديتها ومعالجتها القضايا الحيوية التي تهم البلاد والشعب في رؤية تقدمية عصرية.
وفي 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 1946 عهد الى نوري السعيد تأليف الحكومة التاسعة، خليفة لوزارة ارشد العمري المستقيلة. اراد السعيد ان يضفي على حكومته صبغة قومية او مؤتلفة بان يشرك فيها بعض ممثلي الاحزاب، ولكنه نأى عن “حزب الاستقلال” والحزبين اليساريين المتطرفين وهما “حزب الشعب” و”حزب الاتحاد الوطني”. كذلك سعى الى التقرب من “الحزب الوطني الديمقراطي” و”حزب الاحرار” ووفق في آخر الأمر في اقناعهما بالاشتراك معه في الحكومة، وادخل ممثلا واحدا عن كل من الحزبين، فكان علي ممتاز الدفتري يمثل “حزب الاحرار”  – وزيرا للمواصلات والاشغال – ووافق “الحزب الوطني الديمقراطي” عل ان يمثله نائب رئيس الحزب محمد حديد، وزيراً للتموين. وكانت هذه وزارته الاولى.
وارسل رئيس “الحزب الوطني الديمقراطي” كامل الجادرجي الى رئيس الوزراء نوري السعيد في هذه المناسبة، كتابا ابدى فيه ان اللجنة الادارية المركزية للحزب قد تداولت الأسس التي يمكن التعاون معه في ظلها والاشتراك في الحكم، فوجدت اللجن ان الحزب يقبل الدخول في الحكومة على ان تكون حكومة انتقالية مهمتها اجراء انتخابات حرة، واطلاق الحريات المنصوص عليها في الدستور، بما في ذلك حرية الصحافة والاجتماع، وحرية العمل للاحزاب. واضاف رئيس الحزب انه في ما يختص بامور الدولة وشؤونها ومزاولة اعمالها، ينحصر تعوان الحزب معه في ادارة الاعمال الروتينية فحسب.
ولم تدم عضوية محمد حديد في الحكومة طويلاً، اذ فوجئت الحكومة بعد تأليفها بمدة قصيرة بعاصفة من الاحتجاجات على عدم التزامها ما تعهدته للاحزاب عند موافقتها على الاشتراك في الحكومة، وذلك بعدم السماح للاحزاب السياسية يفتح فروع لها في الالوية، وبالتدخلات السافرة في الانتخابات التي شرعت الحكومة في اجرائها. ولذلك قرر ممثلا الحزبين السياسيين المشتركين في الحكومة السعيدية التاسعة، ان ينسحبا من الوزارة.
تبادل وزير التموين محمد حديد ورئيس الوزراء نوري السعيد مراسلات مهمة لم تتضمنها مذكرات محمد حديد، ولعلها لم تكن في متناوله عندما كان يملي مذكراته في لندن، او كان ينوي اضافتها في ما بعد..
عاد محمد حديد، بعد استقالته من وزارة التموين الى عمله في ادارة “شركة الزيوت النباتية”، والى نشاطه السياسي في “الحزب الوطني الديمقراطي” بعد ان قضي في الوزارة اربعين يوما. وانتخب نائبا عن لواء الموصل في الانتخابات التي اجريت في عهد وزارة السيد محمد الصدر في 15 حزيران (يونيو) 1948 (الدورة النيابية الثانية عشرة)، والتي استقال السيد محمد الصدر بعدها مباشرة وعهد الى مزاحم الباجه جي في تأليف الحكومة الجديدة.
وفي عهد حكومة توفيق السويدي الثالثة، حدثت في جلسة المجلس النياب المنعقدة في 6 اذار (مارس) 1950 مشادة كلامية بين بعض النواب المعارضين وبعض مؤيدي الحكومة، وتبودلت عبارات شديدة واهانات، فنادى نواب المعارضة بوجوب ترك الجلسة والاستقالة من النيابة. وبلغ عدد المستقلين 37 نائباً، وكان نائب الموصل محمد حديد احدهم، وعلى اثر ذلك عاد فتفرغ لاشغاله الخاصة.
وسنة 1952، في عهد حكومة مصطفى العمري، حدثت الاضطرابات التي عرفت باسم “انتفاضة تشرين الثاني”. وقد بدأت عقب نزاع بين طلاب كلية الصيدلة وادت الى انتشار الاحزاب بين طلاب الكليات والمدارس الاخرى، وخرجت تظاهرات صاخبة تسببت باشتباكات بين المتظاهرين ورجال الشرطة جرح على اثرها بعض الطلاب وافرد الشرطة وسقط قتيل واحد. ثم انتشرت التظاهرات خارج بغداد، فلما تفاقمت الامور وعجزت الحكومة عن تهدئة الوضع اضطر رئيس الوزراء مصطفى العمري الى الاستقالة، وعهد الوصي على العرش في تأليف الحكومة الى رجل عسكري هو (العميد الركن) نور الدين محمود الذي كان رئيساً لأركان الجيش. فاعلنت الحكومة الاحكام العرفية، وحلت الاحزاب، وعطلت الصحف، واعتقلت عدداً من الحزبيين والمعارضين.
كان محمد حديد في تلك الفترة، في زيارة الى لندن، فقام بنشاط كبير ودعاية واسعة للحزب الوطني الديمقراطي، فاتصل ببعض الصحف والمجلات المهمة مثل “الايكونوميست”، و”التريبيون” و”نيو ستيتسمان اند تيشن”، وبجرائد منها “التايمس” و “مانشستر غارديان”، وبعدد من اعضاء مجلس العموم والشخصيات البارزة في انكلترا مثل انورين بيفان وكينغزلي مارتن واليزابث مونرو، وكتب رسائل عدة الى محرري الصحف الكبرى، منها رسالة الى محرر “التايمس” اللندنية قال فيها: “ان الاحوال المؤسفة السائدة في العراق يجب القضاء عليها بالديمقراطية الصحيحة، ولا يمكن معالجة الشعور المعادي للبريطانيين إلا عندما يشعر الشعب العراقي بان بريطانيا تؤيد اقامة الديمقراطية الصحيحة في العراق.
وكتب الى محرر “مانجستر غارديان” رسالة اخرى انتقد فيها تسامح المحرر مع الدكتاتوريات العسكرية، وذكر ان شعوب الاقطار المختلفة في القرن العشرين ادركت حقوقها في الحرية والعدالة في ظل حكم دستوري، واذا ما ساندت بريطانية الدكتاتوريات فانها ستخسر ود تلك الشعوب وصداقتها”.
وقد علق المحرر على ذلك قائلا: “اذا كان الحكم العسكري هو البديل الوحيد لحكم الغوغاء، واذا نقد الاصلاحات الجذرية، فلا بأس به”.
فرد عليه محمد حديد قائلاً: “ان تحقيق مطالب الاحزاب المعارضة لا يعتبر حكم غوغاء”.
وكتب محمد حديد مقالة في مجلة “تريبيون” العمالية الشهيرة، ووجه رسالة الى الزعيم العمالي انورين بيفان، واشترك في ندوة عقدها القسم العربي لهيئة الاذاعة البريطانية في 3 كانون الاول (ديسمبر) 1952. موضوعها الاصلاح الاجتماعي والسياسي في الشرق الاوسط.
كان لنشاط محمد حديد في لندن خلال تلك الاحداث التي اجتاحت العراق، اثر كبير في افهام الرأي العام البريطاني حقيقة الاوضاع في العراق، ولو كان موجودا في بغداد في ذلك الوقت، لاعتقل حتما، فقد اعتقلت السلطات معظم اقطاب الحزب الوطني الديمقراطي مثل كامل الجادرجي وحسين جميل وقاسم حسن وغيرهم.
في الانتخابات التي اجريت في عهد حكومة ارشد العمري في تموز (يوليو) 1954، اشتركت الاحزاب المعارضة تحت لائحة “الجبهة الوطنية” وانتخب محمد حديد نائبا عن لواء الموصل للمرة الثالثة، ولكن نوري السعيد الذي ألف الحكومة بعد استقالة العمري، اصرّ على حلّ هذا المجلس بعد الجلسة الوحيدة التي عقدها، برعم انه لم يكن للمعارضة فيه سوى احد عشر نائباً.
ولما حلّت سنة 1958 كان عدد من ضباط الجيش الذين عرفوا في ما بعد باسم “الضباط الاحرار” يتهيأون للقيام بانقلاب عسكري بقيادة الزعيم الركن (العميد) عبد الكريم قاسم، فاتصلوا بمحمد حديد وبآخرين من زعماء الاحزاب المعارضة، وحصل اتفاق بين زعماء الاحزاب على تأييد الحركة من حيث المبدأ. ولما نجح اولئك الضباط في تنفيذ ما يطمحون اليه في 14 تموز (يوليو) 1958، واعلنت الجمهورية في العراق، اختير محمد حديد وزيراً للمال، ممثلاً الحزب الوطني الديمقراطي، بسبب سمعته الطيبة وكفائته العالية، واضطلع محمد حديد بعد ذلك، وفي فترات لاحقة، بوزارة الاعمار ووزارة الصناعة، اضاف الى منصبه وزيراً اصيلاً للمال.

عن مجموعة محاضرات (حديث الثلاثاء)