الأهوار العراقية ولائحة التراث العالمي

الأهوار العراقية ولائحة التراث العالمي

مهدي الحسناوي
الأهوار : مستنقعات مائية تحتوي على نباتات القصب والبردي وتعتبر مكانا ملائما لتكاثر وتربية الأسماك والطيور، وقد كانت هذه الأهوار ولا زالت بيئة للسياحة والاصطياف وموردا اقتصاديا هاما.
ويعود تاريخ نشوء الأهوار إلى ما قبل خمسة الأف سنة ، وان التسمية للأهوار جمع هور: وهو المنخفض من الأرض يجتمع فيه الفائض من مياه النهر والترع والمبازل مكونة بحيرات مختلفة الأعماق ، تتصل فيما بينها بقنوات تسمى بالمصطلح والعرف الأهواري (الكواهين)

 جمع (كاهن) وهذه الكواهين هي الممرات المائية التي يتنقل فيها سكان الأهواربين قراهم ، أو هي الطريق أو المسلك العام الذي يربط قرى الاهوار بقرى الأرياف المحيطة بها،ثم بالقصبات والمدن الصغيرة التي تزودهم بما يحتاجون إليه من طعام وملبس ، وهذه الكواهين العميقة نسبيا عن قاع الهور لا ينبت فيها لعمقها شيء من القصب والبردي ، لذلك فهي واضحة المعالم بين الغابات المحيطة بها.

تسمية الاهوار
الاهوار كما أسلفنا هي المنخفض من الأرض وقد تعددت التسميات للأهوار ، ففي المعجم المندائي تعني كلمة هور(hwr )البياض(whitn) وتعني كلمة هور بالفارسية بالنجم الساطع ، وكانت الفارسية متداولة بحدود أيام الحكم الفارسي قبل الإسلام ، وكثيرا ما نسمي مناطق الاهوار بالبياضة ولعل الأمر يصبح واضحا إذا علمنا إن بلاد سومر هي الأرض الساطعة وان - أصل التسمية للكلمة السومرية تعني التل،وفي الاهوار مافيها من الحواضر السومرية ، مثل أور وكيش ولغش وتل ابو شيرين وام العقارب وتل الأحيمر وسيبار وتل ابو حيةولارسا وفي تاريخ المنطقة طهرت أراء عديدة منها مايرجع وجود الأهوار الى العهود التاريخية القديمة فنباتات القصب والبردي ظهرت في الألواح السومرية والأكدية والبابلية ووردت إشارة إليها في ملحمة جلجامش والأهوار كانت تسمى قديما بالبطائح ولعل في تسمية (الحمّار) ناحية البطائح مايشير الى ذلك،وهذه البطائح هي منبسطات منخفضة قليلا عن الأرض ، تبدأ من ملتقى دجلة والفرات في قضاء القرنة ثم تتصاعد في الفسحة بين النهرين حتى تصل الى اعالي سوق الشيوخ في مجرى الفرات واعالي المجر وقلعة صالح ولعل مساحتها اكثر من عشرة آلاف كم مربع.

أصل سكان الأهوار
يقول هنري فيلد ( ان سكان الأهوار هم النسل المباشر للسومريين الذين عاشو في العراق قرابة خمسة لآف عام ) ويعتقد هنري فرنكفورت إن منطقة الأهوار كانت مأهولة منذ الألفين الخامس والرابع ق0م ، واختلفت النظريات وتعارضت الآراء عن أصل سكان الأهوار، لكن معظم المؤرخين يتفقون على إن الإنسان استوطن ارض العراق الكائن بين دجلة والفرات منذ الأف السنين ،وتمكنت اول تجمعات بشرية من الأستيطان في دلتا الفرات ، وأخذت تبني بيوتها من القصب والبردي0
وبعد مرور خمسة عشر قرنا (3500ق0م) انتشرت الحضارة السومرية في المنطقة ، وفي القرن الثلاثين قبل الميلاد تعرضت المنطقة إلى فيضانات شاملة ومتتابعة ، واستطاع السومريون برغم ذلك إن يبنوا مدنهم وحضارتهم التي تعتبر من أقدم الحضارات وتبعتها حضارات سامية ، وقد تعرضت المنطقة إلى غزوات الأشوريين والفرس.
وعلى هذا يكون تاريخ الأهوار ضاربا في عمق التاريخ ، ولكن الغالبية من سكانها هم من قبائل هاجرت من الجزيرة العربية واستقرت في هذه المناطق متخذة من رعي الجاموس والزراعة وسيلة للعيش فضلا عن صيد الأسماك والطيور ، وامتاز بعض سكان الأهوار بالتنقل الدائم بحثا عن علف حيواناتهم المكون من القصب الذي بدأ ينمو توا بالنموا أكثر ويطول ويعلو حتى يتركه الجاموس ليجبر رعاته على الأنتقال الى مكان اخر بحثا عِن ( العنكر) كما يدعى القصب وهو لم يزل نبتا صغيرا بلغة أهل تلك المنطقة.

نشوء الأهوار:
اعتقد معظم المؤرخين إن نشوء الأهوار منذ القدم،وأرتفع فيها الكثير من المعابد والزقورات والصروح وشيدت فيها الدور والقصور،ويعتقد قسم أخر من المؤرخين إن عمر الأهوار بقدر تاريخ نشوء دجلة والفرات ، وبأعتباري من سكنة القرى المحيطة بتلك الأهوار لذلك أزعم إني على معرفة قريبة إلى الدقة بمنشأ هذه الأهوار وطبيعة تكونها واتساعها،ومعرفة تامة بالعشائر والقبائل العربية التي سكنتها،وهذا ما أكده الشاعر الدكتور مصطفى جمال الدين ، والجدير ذكره إن هور الحمار كان يسمى قديما بالبطائح وهي الأماكن المحيطة بنهر الفرات والمنخفضة عنه قليلا حدث لها في بعض الظروف مازلزل جرفا النهر ، فاتساع البطحاء المحيطة به وكوّن هذا الهور وقد قضيت أكثر أيام طفولتي في هذه البحيرات الجميلة.

نشوء هور الحمّار
يتكون هور الحمار من مصدرين:احدهما أساسي وهو نهر الفرات والثاني فرعي وهو نهر دجلة،فنهر الفرات بفروعه المثيرة المتشعبة التي تبلغ أكثر من عشرين فرعا لعل من أهمها أربعة(كرمة حسن) في ناحية ( العكيكة) و(الحفار) و(أم نخلة ) و(ام بني سعيد) في ناحية (كرمة بني سعيد)حتى تصل هذه الفروع إلى ناحية (الطار) وهي مدخل الهور،تذوب جميعا في هور الحمار000اما فرع دجلة (الغراف) فهو بعد إن يتفرع من الكوت لإرواء أراضي (الحي) و(قلعة سكر ) و(الرفاعي) و(الشطرة) تنتهي بـ (زايزة) بناحية (الفهود) التابعة لقضاء (الجبايش) فيذوب ايظا في هور الحمّار،لأن الفهود تقع في بدايات الجانب الشمالي لهذا الهور ويكون الماءان دجلة والفرات مسيلا واحدا يتسع باتساع حوض النهر،وترجع اقرب التقارير إن عمر هور الحمّار يعود إلى السنة 6000 قبل الميلاد،والماء في تلك المنطقة من هور الحمّار ليس راكدا شأن البحيرات الأخرى ، كما يتصور البعض بل هو جار ابتداء من ناحية الفهود شمال البحيرة ، وقرية (ال اسماعيل) جنوبها ، حتى يصل إلى قضاء الجبايش إي في مساحة طويلة تتجاوز50كيلو متر مربعا فإذا وصلت هذه البحيرة الجارية ناحية (ألمدَيَنه) تضايقت قليلا قليلا حتى كونت الفرات من جديد بجرفيه الواضحين وشطآنه اليابسة حتى التقى بنهر دجلة في قضاء القرنة انبثق منهما معا نهر شط العرب في محافظة البصرة0 فهور الحمّار أو برقة الحمار كما تسمى محليا ، ولعل هذه التسمية (برقة الحمّار) جاءت من البريق لأنها على سعتها لا تنبت فيها النباتات فيشتد بريق الشمس على أمواجها وعدم وجود النبت راجع إلى عمقها ، ويشكل هذا الهور مساحة كبيرة من محافظة الناصرية ، بطول أكثر من 50 كيلو متر ، وعرض أكثر من 20 كيلو متر مربع ولكننا إذا أضفنا إلى هذا العرض مساحة هور(السناف) المحاذي لسكة القطار،تصبح المساحة التقريبية لهور الحمار2500 كيلو متر مربعا ، تحيط بهذا الهور أراض صحراوية وزراعية تسمى ب(الشامية) او (الجزيرة) وليس في الشامية زراعة او قبائل ريفية مستقرة السكنى،إما الجزيرة فهي أراض زراعية.

الجذور التاريخية للمنطقة :
لقد ارتبطت الأهوار تاريخيا بحضارات البلاد القديمة كحضارة سومر وأور وغيرها ، وحتى أدوات صيد الأسماك كالفالة فانها منقوشهة في مسلات ورسومات تلك الحضارات ، وتكونت في الأهوار سلطنات وامارات كأمارة عمران بن شاهين ، وكانت لهذه الأمارات مكانتها الثورية في رفض السلطات الحاكمة بعد وقبل عملية التجفيف ولعل حقد الطغاة على الأهوار وسكانها وحالة الرفض التي كانت تسود الأهواريين هي احدى الأسباب التي أدت إلى فنائها وتدميرها.
لعل هناك حقيقة بادية لم يغفل عنها الباحثون وهي إن تلك الأهوار او المنخفضات محاطة بأراض ترتفع عنها تدريجيا باتجاهات الشمال الشرقي وشمالها الغربي ، وكذلك تلك المنخفضات عن أراض ترتفع من الجنوب الأمر الذي حافظ على وجود الأهوار رغم تقادم الزمن.
إن الجذور التاريخية للأهوار لاتحدد بسنة أو عقد معين وإنما هي تأريخ أمم وحضارات عاشت قرونا وسنوات متتالية فوق هذه الأرض ، ولو كانت مصر تفتخر بالأهرامات وحضارات الفراعنة والرومان بتاريخ الأغريق،والفرس بطاق كسرى ،والصينيون بعظمة سور الصين،فان من الفخر لأبناء وادي الرافدين إن يعتزوا ويفاخروا الأمم بالاهوار وطبيعتها الساحرة ، والكثير من بلدان العالم تعيش الجفاف ، إما العراق ففيه نهران سماويان جعلهما الله ليكونا سواقي وروافد خير وبركة إلى تلك التربة.
ومن المدهش بعد عملية التجفيف عثر على أقداح وصحون وبيوت مندثرة يعود تاريخها الى عدة قرون ، وان معظم الأيشنات هي بقايا الدور السكنية السومرية عثر عليها على اساس تاريخها بعد عملية التجفيف ،وهذا الشيء إنما يدل على قدم هذه الأماكن ، ومن المؤسف انه لم يسجل المؤرخون تاريخ الأهوار وعراقتها ، ولو كانت هذه الحضارة في أماكن أخرى من دول العالم المتطورة لأستغلت ثرواتها الأقتصادية والسياحية واعتنوا بها ، ولأصبحت ذات أهمية قصوى ، ولكن جهل الحكام في الفترة ما قبل عام 2003 وقلة وعيهم وثقافتهم وحقدهم على كل شيء جميل في هذه البلاد ، مما جعل الأهوار وقاطنيها يعيشون الأهمال والمحاربة والمطاردة الأرهابية.
لقد عثر الأهالي في التسعينات في منطقة الجزيرة على أشياء ثمينة لتراثيات وتحفيات في تلك المنطقة،واغلب تلك الآثار كانت تباع إلى القنصليات الدبلوماسية أو تهرب عن طريق سماسرة وتجار إلى خارج القطر كما عثر في أواخر عقد التسعينات على مجموعة من الأدوات المنزلية المصنوعة من الفخار والصدف والنحاس يعود تاريخها إلى أربع مئة سنة قبل الميلاد،إي يعود تاريخها إلى الحقبة السومرية ، وهذا الشيء هو خير دليل على إن هذه المنطقة كانت تمثل حياة أخرى للإنسان الرافديني.
ومن يراجع المصادر التاريخية لحياة الأنبياء يجدها تتمركز فوق تراب وادي الرافدين وحتى ولاداتهم وقبورهم هي خير شاهد على قامة العراق الحضارية الشامخة والتي تعد مهد أقدم حضارة عرفها الإنسان ،وفي الآونة الأخيرة أصبحت آثار وتراث هذا البلد مهنة اللصوص والمتنفذين وأقرباء الجلاد ، فحالات التهريب التي كانت تمارسها الحكومة البائدة (جوقة) الأوغاد من أمثال ارشد ياسين ببيع تراث هذا البلد وبيع هذا الأرث في الأسواق العالمية مقابل حفنة أموال ، ماهي إلا خسارة فادحة لتراث العراق الثقافي والحضاري ومن يحاول إن يمتهن هذه الحرف فانه لا ينتمي الى تراب العراق ولا يستحق العيش بين افيائه،ولكن هؤلاء مصيرهم الزوال ، فالحكام الطغاة زائلون والعراق باق ابد الدهر ، وياحسرة على هذا البلد الذي أصبحت حضارته وتراثه عرضة للسرقات والإباحة،ولابد إن يأتي ذلك اليوم الموعود الذي سيصبح فيه بلد الأنبياء والحضارة قمة شامخة من الإشعاع التراثي ويعود الهور، كما كان عليه اخضر بقصبه وبرديه وازرق بمياهه ومزهوا بإبنائه.